الفصائل المسلحة في العراق في مواجهة الزيدي!

الوقت اللازم للقراءة:
8 minsحالة العراق العامة بعد العام 2003
تقتضي دراسة الحالة العراقية بعد عام 2003 التوقف عند التغيرات الجذرية التي طرأت على بنية الدولة والمجتمع العراقيين في أعقاب الاحتلال الأمريكي لبلاد الرافدين، حيث قلب الاحتلال الدولة العراقي ومجتمعها رأساً على عقب!
وسارعت إدارة “بول بريمر” الحاكم المدني للعراق بصفته رئيس سلطة التحالف المؤقتة وذلك خلال الفترة من منتصف أيار 2003 حتى حزيران 2004، في أعقاب غزو الولايات المتحدة للعراق، إلى حلّ أجهزة الدولة العسكرية بكافّة صنوفها وكأنّه أراد جعل أضرار الاحتلال مضاعفة وتدمير الخبرات المدنية والعسكرية في الدولة العراقية السابقة!
وخلال العام الأول من عمر الاحتلال بدأت عمليات التصفية الجسدية للعلماء والأطباء والطيارين وكبار العسكريين وقد اغتيل حوالي ألف من خيرة أبناء العراق في مختلف العلوم المدنية والعسكرية، و الغريب أنه لا توجد إحصائيات رسمية أو دولية توثق بشكل دقيق أعدادهم!
نبذة عن الجماعات والمليشيات المسلحة العراقية فيما بعد آذار 2003
ونتيجة لتعقيدات المشهد العراقي خلال مرحلة ما بعد الاحتلال سنحاول تقسيم الجماعات المسلحة إلى ثلاث مراحل وعلى النحو الآتي:
المرحلة الأولى 2003–2006
خلال هذه المرحلة يمكن ملاحظة أن غالبية مراكز الدراسات والباحثين لم تول اهتماماً كافياً لتلك الجماعات التي جاءت للعراق برعاية الاحتلال الأمريكي وبرفقة قواته. وأبرز تلكم الفصائل هي قوات منظمة بدر التابعة لما يسمى “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” بقيادة محمد باقر الحكيم، الذي اغتيل في النجف بتفجير ضخم في 29 آب 2023 أثناء خروجه من ضريح سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد صلاة الجمعة. وقد تأسست المنظمة في إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية ( 1980 – 1988 ) وكانت تقاتل جنبا إلى جنب مع الجيش الإيراني ضد الجيش العراقي.
جدير بالذكر أن عناصر منظمة بدر حينما دخلوا العراق في الأيام الأولى للاحتلال كانوا مدججين بالسلاح و قاموا بالاستيلاء على مقار في المحافظات المحاذية لإيران ومنها محافظات واسط وديالى والبصرة، ناصبين كمائن لضرب كل من يقترب من مقارهم من المسلحين العراقيين الذين حملوا السلاح ضد الاحتلال الأمريكي!
وفي محاولة لطمأنة العراقيين وتأكيد انتمائهم للمجتمع العراقي استخدموا مكبرات الصوت للتأكيد أنهم ما جاءوا إلا لخدمة أهلهم ووطنهم وأنهم ليسوا جزءا من قوات الاحتلال ولاحقاً قاموا بإفراغ المقار واستقروا في معسكرات كبيرة ببغداد وغيرها. ولا توجد معلومات دقيقة حول أعدادهم وذلك بسبب السرية التي تغلف عملهم منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم، وهم يشكلون الآن فصيل مسلح وجناح عسكري منفصل داخل الإطار التنسيقي الشيعي بقيادة هادي العامري.
وقد توجهت إرادتهم فيما بعد نحو الذوبان تدريجياً بالدولة والمجتمع كما هو الحال بالنسبة لجميع الكيانات العاملة في المعارضة العراقية قبل العام 2003. ومنظمة بدر اليوم تعد جزءاً من العملية السياسية تحت قيادة زعيمهم العامري الذي سيطر على المنظمة، وفارق المجلس الإسلامي الأعلى وعائلة الحكيم!
حزب الدعوة الإسلامية
من غير الشائع -على الأقل في الخطاب الإعلامي والشعبي داخل العراق- أن يمتلك حزب الدعوة ذراعاً مسلحاً، وهو الذي تأسّس في 1957 وهو من أبرز الأحزاب الشيعية المعارضة لحكم حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق بعد العام 1968. وفي سبعينات القرن الماضي قرر الحزب الدخول في مواجهة مسلحة مع الحكومة العراقية وحزب حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم.
وارتبط اسم الحزب خلال مرحلة حرب الخليج الأولى أو الحرب العراقية–الإيرانية (1980 -1988)، بتفجير سفارة العراق في بيروت يوم 15 كانون الأول 1981 والذي أسفر حينها عن مقتل أكثر من 60 دبلوماسياً وموظفاً من بينهم السفير “عبد الرزاق لفتة” وجرح نحو 100 آخرون وكانت المحاولة الفاشلة لاغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح يوم 25 أيّار 1985، وغيرها من العمليات العسكرية من تداخلات الحزب في المعادلة العسكرية والسياسية. وخلال الحرب ساهم الحزب في عمليات اغتيال منظمة في داخل العراق ضد العناصر الحزبية والأمنية.
وبعد الاحتلال الأمريكي عاد الحزب للعمل السياسي العلني في العراق، وجمّد جناحه العسكري على الرغم من أنه أقدم الأحزاب الشيعية المسلحة العراقية، وصار يمتلك قدرات مالية ضخمة جداً بعد سيطرته على رئاسة الوزراء منذ العام 2005 و حتى 2025.
جيش المهدي الجناح العسكري لمقتدى الصدر
يمكن القول بأن جيش المهدي التابع لزعيم التيار الصدري الشيعي مقتدى الصدر من أهم الكيانات المسلّحة في العراق بعد تنظيم الدولة. تاريخياً فإن جيش المهدي كياناً عسكرياً تشكّل في العراق أواخر العام 2003 بحجة حماية علماء الدين الشيعة والمراقد، وهي ذات الحجة التي تأسّس بسببها الحشد الشعبي في العام 2014 كما سنرى لاحقاً.
خلال عام من الاحتلال كانت علاقة التيار الصدري بالاحتلال قائمة على الهدوء والحذر المتبادل، وفي يوم 28 آذار من العام 2004 بدأت مرحلة التصعيد من الجانب الأمريكي وذلك بقرار الحاكم المدني “بول بريمر” بإغلاق صحيفة الحوزة التابعة للتيار لمدة 60 يوماً متهماً إيّاها بالحثّ على الإرهاب ومحاربة الجيش الأمريكي، وعادت الجريدة للصدور بعد ستة أشهر من الاغلاق.
مثّل إغلاق الصحيفة نقطة تحول مهمة في العلاقة بين التيار الصدري وسلطة الاحتلال، وأسهم في تصاعد التوتر وصولًا إلى المواجهات المسلحة التي اندلعت في عدد من المدن العراقية خاصة في النجف خلال نيسان 2004، لتدخل العلاقة بين الطرفين مرحلة جديدة اتسمت بالمواجهة المباشرة.
المرحلة الثانية 2006–2014
بعد تفجير المرقدين في 22 شباط 2006 ، شهد العراق موجة واسعة من ردود الفعل المتباينة؛ إذ خرجت احتجاجات شعبية تندد بالاعتداء على المرقدين، في حين اتجهت جماعات مسلحة أخرى إلى استهداف المدنيين على أساس طائفي، الأمر الذي أسهم في اتساع دائرة العنف وتحوّلها إلى واحدة من أكثر مراحل الاقتتال الطائفي دموية في تاريخ العراق.
ويبدو أن الخطة كانت مرسومة بدقة حيث انفجرت عبوتان ناسفتان زرعتا داخل الضريح ورغم أن الضريح يقع تحت مسؤولية الأجهزة الأمنية الحكومية، فقد تسبب الانفجار بهدم القبة بشكل كامل وجزء من الجدار الشمالي للضريح.
و نتيجة العجز الحكومي عن حماية المواطنين- أرغم نحو 34 ألف مواطن على النزوح من مدنهم وفقاً لوزارة الهجرة والمهجرين الحكومية، وصارت مناظر القتل والجثث في الشوارع من المناظر المألوفة في حياة العراقيين حينها! وبينما تشير منظمات غير حكومية ودولية ومنها المنظمة الدولية للهجرة بأن الرقم الفعلي للمهجرين أكبر بكثير، لأن معظم الناس قد انتقلوا للعيش مع أقربائهم أو أصدقائهم، وللحقيقة لا توجد إحصائيات دقيقة لأعداد المهجّرين خلال تلك المراحل المظلمة من التاريخ العراقي!
وقد كان لجيش المهدي مشاركة واضحة في تلك المرحلة المظلمة ورغم أن هذه المليشيا تشكلت بعد الاحتلال مباشرة بحجة مقاتلة الاحتلال الأمريكي، ولكنها -وبعد تفجير المرقدين- كانت لاعباً أساسياً في الحرب الطائفية وتهجير الأبرياء! وخلال هذه المرحلة أطلق الرئيس الامريكي جورج بوش الابن يوم 14 شباط 2007 خطته لحلّ المليشيات ومصادرة أسلحتها أو اعتقال عناصرها، وهو ما لم تنجح واشنطن في تنفيذه!
ولاحقاً استمرّ تلاعب المليشيات بالأمن في عموم العراق، وحينها قرّرت حكومة نوري المالكي إطلاق حملة عسكرية ضدّ الجماعات المسلحة وفي مقدمتها جيش المهدي وَسُمّيت بصولة الفرسان. بدأت الحملة في 25 آذار 2008، ولم تتقبل المليشيات مهلة تسليم السلاح التي أعلنتها حكومة المالكي و وقعت مواجهات دموية بين القوات الحكومية ومسلحي حيش المهدي وتسببت بمقتل العشرات وجرح المئات، وخصوصاً في البصرة والنجف وبغداد وبقية مدن الجنوب.
ولا تتوافر بيانات دقيقة وموثوقة بشأن العدد الفعلي لعناصر جيش المهدي، سواء خلال فترة نشاطه أو في المراحل اللاحقة التي أعقبت إعادة تنظيم جزء من عناصره ضمن تشكيلات مسلحة باسم “سرايا السلام” بدلاً عن جيش المهدي ، بعض التقديرات تتكلم عن 25-50 ألف مقاتل! ورغم إعلان الصدر يوم 27 أيار 2026 انفكاك سرايا السلام من التيار الصدري والتحاقها بالحكومة إلا أن جميع من في العراق بما فيهم الحكومة يعرفون أنها تأتمر بأوامر الصدر حصراً!
عصائب أهل الحق
تعد العصائب من أبرز التشكيلات المسلحة التي خرجت من رحم التيار الصدري، وتختلف المصادر في تحديد التاريخ الدقيق للانشقاق؛ فبعضها يرجعه إلى عام 2004، عندما خالف قيس الخزعلي وعدد من أتباعه توجه قيادة جيش المهدي في وقف إطلاق النار مع القوات الأمريكية، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن التشكيل المستقل لـ”عصائب أهل الحق” تبلور بصورة أوضح خلال عامي 2005 و2006.
والأدق تاريخياً هو القول إن بدايات الانشقاق تعود إلى عام 2004، بينما تبلورت العصائب كتنظيم مستقل خلال السنوات التالية. ويقدر أعداد المقاتلين في العصائب بأكثر من ألف مقاتل، فيما اعتقلت لاحقاً قوات الاحتلال الأمريكية في العام 2007 أمينها العام الخزعلي، وكبار القيادات في الحركة، ولكنها أفرجت عنهم بعد ذلك .
تمددت الجماعات والميلشيات بشكل أفقي وعامودي في عموم الدولة العراقية وخصوصا بعد نهاية العام 2011 وإعلان الانسحاب الأمريكي من العراق، حتى وصلنا إلى اللحظة الفارقة بسقوط الموصل في صيف 2014. وخلال عام 2021 حاولت الجماعات المسلحة ومنها التيار الصدري الاندماج بالعملية السياسية، وتقدم التيار الصدري تقدماً ملحوظاً وحقق مركز الصدارة في غالبية الانتخابات، وسعى إلى تغيير منهجه والدعوة إلى الإصلاح في محاولة منه لتجاوز الماضي ثم انسحابه بعد ذلك من البرلمان والعملية السياسية مما عدّ من قبل البعض انسحاباً تكتيكياً لأنه عملياً له دور كبير وعملي في العديد من الوزارات ومؤسسات الدولة وأبرزها وزارتي الصحة والنقل!
أما عصائب أهل الحق فقد أعلنت في 2 حزيران 2026 رسمياً فكّ ارتباطها بالحشد الشعبي وترك العمل المسلّح و المقاوم، مؤكدة أنها “ستندمج ضمن مؤسسات الدولة العراقية وتضع سلاحها تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة”، على الرغم من أن مقاتليها اليوم يزيدون عن 10 آلاف مقاتل!
وللتاريخ فإن جميع الحكومات خلال هذه المرحلة (2003–2014)، عدا حكومة المالكي في العام 2008، كانت تتحاشى الاصطدام بهذه المجاميع بل كانت تدعمها بقوة واضحة في كافة المجالات اللوجستية والقانونية والميدانية.
الحكومات العراقية وموقفها من المليشيات
| رئيس الحكومة | زمان الولاية | الموقف من الجماعات المسلحة |
| إياد علاوي | قاد الحكومة المؤقتة واستمرّت بين28 حزيران 2004 – 3 أيّار 2005. | لم يكن موقفها حاسماً من الجماعات المسلحة على الرغم من مشاركتها في تصفية العلماء من كافة الاختصاصات المدنية والعسكرية، وكانت علمانية، لكنها لم تخرج عن خط الكيانات الدينية الحاكمة وعن تعليمات الاحتلال الأمريكي. |
| إبراهيم الجعفري | الحكومة الانتقالية تشكّلت في 4 أيّار 2005 واستمرت إلى 20 أيّار 2006 | أول حكومة بزعامة حزب الدعوة الإسلامية وصادق مجلس النواب المؤقت عليها في 28 نيسان 2005.تراخت في معالجة تلاعب الميليشيات بأرواح وممتلكات الناس واستقرارهم، خصوصاً بعد تفجير المرقدين في 22 شباط 2006. |
| نوري المالكي (الحكومة الأولى) | 21 أيّار 2006 – 22 كانون الأول 2010. | دخل المالكي في صراع مسلح مع المليشيات فيما سمي وقتها بـ”صولة الفرسان” في نهاية آذار 2008، واستخدمت حكومته المقاتلات العراقية والأمريكية في المعارك، لتنجح في تقليص دور المليشيات لدرجة ما، واعتقلت ما لا يقلّ عن 1200 مقاتل من جيش المهدي! |
وللحديث عن المليشيات في العراق بقية!

