أحاديث الركام وميراث البنادق في حمص القديمة

الوقت اللازم للقراءة:
11 minsغفلة الحناجر وفاتحة الفناء …
ولعمرك، ما كنا في تلك الأيام الأولى إلا عصبةً من الفتية، نندفع خفافاً من أبواب مسجد خالد بن الوليد، ذلك الطود الشامخ الذي يظلل حمص بمهابته، ويجمع في باحاته شتات الأفئدة المكلومة. نخرج لا نلوي على شيء، تسبقنا أصواتنا، وتحملنا آمالاً طوالاً، نحسب في غفلةٍ من وعينا أن سلمية الحناجر تردع البنادق، وأن الكلمة العزلاء قادرة على فل بأس الحديد وإحياء القلوب الميتة.
وكان في الحي فتىً نعرفه ويعرفنا، بحق الجوار ورفقة الممشى. له وجه لا تخطئه العين، تكسوه ابتسامة تألفها النفوس المضطربة. وفي جمعةٍ من تلك الجمع، والجموع تتدافع تدافع السيل، تهتف في ساحاتٍ لم تألف غير الصمت”الشعب يريد إسقاط النظام” ، وقعت عيناي على ذلك الوجه. وما هي إلا ومضة طرف، حتى انشقت الصفوف عن مدرعةٍ ثقيلة الوطأة، لفظت من جوفها رصاصة. هوت الرصاصة لتستقر في جمجمة الفتى فتهشمها عسفاً، ورأيت بعيني اللتين ستشهدان على هذا الهول، كيف تناثر جلد رأسه على أسفلت الطريق، وسال بياض دماغه يمازج حمرة دمه، في خطبٍ تتفطر له الأكباد ويخرس الألسن.
وقفت هنالك مسمراً، كأن الأرض قبضت على قدمي، أحدق في الدماء المسفوكة، فأيقنت إيقان من كشف عنه الغطاء، أن أحلام السلمية قد سحقت تحت جنازير المدرعات، ودفنت مع هذا الفتى. أدركنا يومئذٍ أننا إن مضينا في هذا الدرب نسوق حناجرنا إلى حزها، سنحصد واحداً إثر الآخر. كانت تلك الرصاصة إيذاناً بانقضاء عهد، وفاتحةً لعهدٍ جديد، أسقط من القاموس لغة الهتاف، ولم يعترف إلا بشريعة النار ولغة الدم.
انشطار الدار وغربة الروح
وما كانت تلك الرصاصة إلا نذيراً بخطبٍ أعم ومصابٍ أطم؛ فقد باتت العادة المألوفة أن ينهمر الرصاص انهمار الحمم، وأن يشتد الرمي كأن معارك الأولين قد بعثت من مراقدها. تراكمت أجداث المدنيين حتى ضاقت بنا السبل، ولم ندر كيف نواري أجساد أحبتنا الثرى، حتى اضطررنا أن ندفن جثمان أختي الصغيرة في حديقةٍ عامة، في هولٍ تذوب له النفوس حسرات. حينها تجلى لنا أن الأمر لم يكن خلافاً سياسياً يحل بالحوار، بل صراعاً مريراً يضرب في جذور المجتمع، ونزاعاً ديموغرافياً يساق بعصا القوة، لتطوى تحته معالم المدينة وتاريخها.
لقد انشطرت حمص انشطاراً لا رجعة فيه، وتبدلت معالمها بسطوة السلطان. أمست الأحياء جزراً معزولة، لا نعرفها ولا تعرفنا، وانقطعت الأسباب بين أبناء المدينة الواحدة، وصار القسم السني غريباً مكسور الجناح، لا يستطيع دفع التغيير الزاحف بخطىً حثيثة لابتلاع ما تبقى من وجوده.
ناب الجوع ومهر البقاء
فأمسينا في حمصنا القديمة غرباء، تخلى عنا أهل الأرض طراً، وضاقت علينا رحابها بما رحبت، وسدت دوننا مسالك العيش بإغلاق طريق مشفى الكندي، فانقطع آخر شريان يربطنا بعالم الأحياء. تقطعت بنا الأسباب في أربعة عشر حياً، لتستحيل إلى سجنٍ مفتوح تحيط به قوات النظام. هنالك، وجدنا أنفسنا، نحن الذين حملنا بنادقنا بحميةٍ فطرية للذود عن حاراتنا، وقد صرنا قرابة ثلاثة آلاف مقاتل، في شوارع خلت من المدنيين وغابت عنها وجوه النساء والأطفال. ساحة موحشة لرجالٍ يواجهون آلةً عسكرية تصر على ألا يخرج أحد منا حياً. وطنت النفوس يومئذٍ على أنها معركة لا بقاء فيها لمغلوب، فلم يبق لنا زاد إلا رجاء يمتد إلى السماء، في أقبيةٍ لا تبلغها شمس ولا يغشاها نهار.
وبات الفناء ضيفاً نألفه ويألفنا، يطوف بأزقة جورة الشياح، يتخطف الأرواح في غير جلبة، وننتظر مقدمه كما ينتظر الظمآن ري الغمام. تحولت المعركة في وجداننا من ساحةٍ للنزال إلى محرابٍ للرحيل، وصرنا نعد أنفسنا لعبور أخير، وكان همنا الأوحد أن نبلغ نهاية المطاف خفافاً من خطايا الحياة، موقنين أن الموت ليس عدماً يطوينا، بل هو الباب المشرع إلى الله العدل.
وسقطت عن الأشياء أقدارها التي تعارف عليها الناس؛ فلم يعد للذهب ثمن، وما عسى أن يغني المال عن جائعٍ لا يجد رغيفاً؟ لم يعد بيننا من نقدٍ يتداول إلا ما خف حمله وعز وجوده، فصارت الرصاصة مهر البقاء، وصار التبغ دراهم المحاصرين، وتلك كانت عملة القوم وتجارتهم.
ولما استطال الحصار وعز القوت، تلاشت أوزان الرجال، وهزلت الأبدان حتى استحالت هياكلاً تكاد الريح تذروها. باتت الوجوه شاحبةً غائرة العيون، لا يكاد المرء يعرف خليله من فرط ما ألم به من طوى. ولما نفد الزاد وخوت المخازن، التمسنا الحياة فيما تنبته الأرض من حشائش لا تسمن ولا تغني من جوع، فطبخنا أوراق التوت والتين والأكيدنيا، نبتغي فيها رمقاً يمسك الأرواح في أجسادها المنهكة. فلما تصوحت الأشجار وجفت، امتدت الأيدي إلى ما كانت تعافه النفوس في سالف أيامها؛ فذبحنا القطط الضالة، وأكلنا السلاحف والضفادع، نبتلعها على مضضٍ لندفع بها غائلة الجوع. حتى إذا انقطعت السبل وعضنا الجوع بنابه، لجأنا إلى مدابغ الجلود الخاوية في حي باب هود، ننتزع جلود الأبقار اليابسة، فنغليها على نيران الحطب الساعات الطوال، نلوكها وهي عصية، ونتجرع معها شظف العيش وكبد الحرب عساها تطفئ ناراً تستعر في الأحشاء.
سقوط الأسماء ووقوع الأقدار
ولما أخرجنا الحصار عن قوانين الزمان والجغرافيا، سقطت عنا حتى أسماؤنا التي دعينا بها في سالف أيامنا، لضرورات التخفي حيناً، وللبساطة التي هيمنت على أرواحنا أحياناً أخرى. فصارت الألقاب تخلع على المرء خلعاً يفرضه الموقف أو الصنعة؛ فظهر بيننا “أبو حمزة فواشة (عوامة تصريف الماء)” لخبرته في تمديد المياه، و”أبو عدي باجوق (الفم المفتوح)” لجهارة صوته، وأبو سعيد الله يتوب عليك لكثرة ترديده إياها. ولا أنسى قصة “أبو عدي ضد المي (الماء)”، ولم يكن لقبه لاتصاله بالسباكة، بل لأن المنايا كانت تخطئه عجباً؛ فلطالما انهالت عليه النيران فيخرج سالماً، حتى مازحه الشبان يوماً: أنت يا رجل ضد النار؟ فخالط قلبه توجس من عاقبة الكلمة، وقال متداركاً بلهجته الحمصية البسيطة: “شو ضد النار ما ضد النار؟ خلوها ضد المي أحسن”. ولزمه اللقب، وصار اسماً يمشي به.
غير أن النار التي حذرها الفتى لم تخطئه يوم قنص في ظهره؛ رأيناه يلملم بيديه ما تناثر من أحشائه، ويركض متعثراً نحو نقطة طبية، يوصينا بصوتٍ متهدج: “لك شباب، إن فقدت وعيي شيلوني ها، يستر عليكم”، إلى أن سقط.
ولعمرك، لقد كان من أعجب ما يمر على المرء في تلك الأيام العجاف، أن يستمع عبر أجهزة الاتصال اللاسلكية، وسط احتدام المعارك، إلى صوتٍ مشحون بالتوتر ينادي في عجلة: “أبو عبدو البشع (القبيح)”، كيف الوضع عندك؟ فكنا نتلقى النداء متناسين تماماً ما في اللقب من فكاهة، لفرط ما انصهرت هذه الأسماء في أرواحنا، وباتت جزءاً من جديتنا في وجه الحرب.
ألفة الردى ولحن المدافع
ولقد استحالت حواسنا في ذلك الحصار إلى سمعٍ مرهف، نزن به دبيب الحياة. وما أشد عجبي من تلك الألفة الغريبة التي انعقدت بيننا وبين دوي المدافع؛ فقد كان سقوط قذائف الهاون المتوالي يبعث فينا طمأنينةً عجيبة، كأنما هو إيقاع الحياة المعتاد. فإذا ما سكتت المدافع بغتةً، ولف المكان سكون مريب، دبّت في القلوب وحشة، واعترانا القلق، إذ نعلم يقيناً أن هذا الصمت نذير بتسللٍ خفي، أو تمهيد لاقتحامٍ مباغت يتربص بنا من حيث لا نحتسب.
ليل المعارك والتحام الأنفاس
كنا في جبهات القتال، ولا سيما في حي الخالدية الباسل عند كتلة المستوصف، نواجه العدو مواجهةً لا تفصلنا فيها عنه إلا مسافات تتلاشى، حتى لم يكن بيننا وبين جنود النظام سوى جدارٍ واحد؛ هم يتأهبون في غرفة الضيوف من الدار، ونحن نتربص بهم في المطبخ. وفي ذلك الالتحام الذي يعدم البعد وتختلط فيه الأنفاس، كان المشهد يبدأ بسكونٍ ثقيل، لا يلبث أن يمزقه جيش النظام بقذف أسطوانةٍ متفجرة، لتهوي على الأبنية التي نتحصن فيها. وكانت النجاة مرهونةً بلحظاتٍ خاطفة، نرهف فيها السمع لنلتقط شخرة الأسطوانة الهاوية، ثم نرقب صوت ارتطامها المكتوم. وما هي إلا ثوانٍ، نثب فيها خارجين إلى الشارع، ننتظر أن يقع الانفجار المروع، ثم نرتد مسرعين لنتخذ مواقعنا.
واستحالت مرابع الرباط إلى طللٍ ناطق بالفجيعة، نلوذ بأنقاض دورٍ كانت تؤوينا، فصارت اليوم متاريس نقاتل من خلفها، وشواهد تقص على الأجيال نبأ الصمود. ومن قلب هذا الخراب تندلع نيران الاشتباك العنيف، فيعمي المكان غبار أبيض كثيف لا يلبث أن يستحيل إلى سوادٍ فاحم، يبتلع النور، ويحيل رابعة النهار إلى ليلٍ بهيم. وفي تلك العتمة الخانقة، نتبادل الضربات على لمعان الرصاص، ونطلق النار حيث يلوح اللهب، في اشتباكٍ أعمى تضيع فيه المعالم، ولا يبقى دليل على الحياة سوى تلك الشرارات العابرة في دجى الغبار الأسود.
عجز الأجساد ومناجاة الأرواح
وفي غمرة ذلك الاشتباك الأعمى، كان القدر يخبئ لي نصباً مقدوراً. فبينما كانت النيران تتطاير ونحن في اشتباكٍ مع جند النظام، انطلقت رصاصة من رشاشٍ ثقيل، فاخترقت عنقي من جهته اليمنى، ومضت لتمزق اللحم وتنفذ من كتفي الأيسر.
فخر الجسد صريعاً، وتبدد الحس في الأطراف حتى كأنها ليست مني. فأسلمت الروح قيادها، وغشيها من برد الرضا ما ينسي الجسد لوعة الحديد ومضض الجراح، فاستوى عندي البقاء والرحيل، بل كاد الرحيل في تلك العتمة يكون أشهى إلي وأحب. غير أن البصيرة ظلت شاخصةً، والعقل حاضراً يرقب انسلال الروح، موقناً أني ألقى الله مودعاً في ساحة الحق، في مفارقةٍ يعجز عنها البيان؛ إذ يدرك البصر جلياً ما عجز الجسد المسجى عن الشعور به. وما ساورتني يومئذٍ إلا حسرة خفيفة، إذ تمنيت لو أن جيبي كان خالياً من بضع لفائف تبغٍ حملتها معي، ووددت لو لقيت ربي متخففاً حتى من هذا.
ولما كنا في التحامٍ لا تعدم اليد أن تمتد فتقبض، كاد جنود النظام يسحبونني إلى غرفتهم، لولا أن تداركني “أبو عدي باجوق” فاتحاً حلق رشاشه ليذود عني، ريثما اندفع “أبو الفداء” ليجرني إلى عرض الشارع. هنالك، أسند رأسي إلى ركبتيه، وانحنى علي بوجهٍ متعب كسته غبار المعارك. كان يلهث محاولاً إسعافي، وقد فاضت عيناه بدموعٍ حرى انحدرت تتقاطر على وجنتي. كنت أبصر دموعه تنهمر على وجهي قطرةً تلو قطرة، وأرى لوعته في عينيه، لكن جسدي كان أعجز من أن يشعر بحرارتها.
ولم أكن أعلم أن وجه “أبي الفداء” المبلل بالدموع سيغيب عن الدنيا بعد هذا الموقف بشهور، ليرتقي شهيداً ويطوى في الثرى. وطوت الأيام في جعبتها أعواماً ثقالاً، حتى ساقتني المقادير لألتقي برجلٍ يحمل اسم فداء، فاكتشفت بعينٍ كسيرة أن “أبا الفداء” كان غرساً من غراس هذا الرجل، واتخذ منه قدوةً، فالأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف.
في ذلك الشارع، ورغم غبار المعارك الذي يكاد يحجب قرص الشمس، ورغم رائحة البارود، هبت نسمة هواءٍ أزاحت الغبار قليلاً، فتجلت الشمس ساطعةً على وجهي. شعرت حينها بدفءٍ كأنما رددت إلى رحم أمي. وتمنيت طامعاً، لا ساخطاً ولا جازعاً، لو أني أرى وجه أمي للمرة الأخيرة قبل أن تغادر الروح إلى مستقرها. أمنية هادئة، أعلم استحالتها في مدينةٍ حوصرت حتى اختنقت.
أمانة السلاح وغربة الرحيل
ولما تراخت قبضتي في ذلك الميدان، وأفلتت البندقية من يدي العاجزة، لم تقع على الأرض لتبتلعها العتمة ويواريها الركام. فقبل أن ينبلج فجر اليوم التالي، امتدت يد أخرى لتحملها، يد مألوفة قوية، يد ابن خالتي أبي ياسر. حمل سلاحي من ساحة الوغى، ملتزماً قائماً بحمل العبء الذي قعدت عن حمله، وليكمل درباً عاهدنا الله على ألا نتركه. حمل البندقية موقناً أن البنادق في مدينتنا لا توارى الثرى مع أصحابها، وأن الجسد إن هوى كسيراً، فإن العهد يظل قائماً لا ينفصم.
ولما أزف أمد الرحيل، وآذنت أيام الحصار بالانقضاء، أُبرم اتفاق هشٌّ، تصدرت الأمم المتحدة مشهده، فقضى بإخراج من أقعدتهم الجراح وشلت أطرافهم نحو منافي النزوح. هنالك، انحنى أبو ياسر فحملني بين ذراعيه كما تحمل الأشياء الهامدة، وسار بي بخطىً مثقلة بالحزن نحو المكان الذي اصطفت فيه سيارات المنظمة الدولية، لتقلنا إلى المجهول.
كدسونا في مؤخرة المركبات، بعضنا فوق بعض، كما تكدس الأمتعة، لا نملك لأنفسنا دفعاً ولا نحير جواباً. ولست أنسى، ما امتدت بي أيام الحياة، تلك اللحظة التي سبقت تحرك المركبات، حين تقدم ابن خالتي أبو ياسر ليغلق الباب الخلفي. أطبقه، ثم وقف من وراء الزجاج ينظر إلي نظرة مودعٍ يوقن ألا لقاء بعده. انحدرت على خده دمعة حرى، وبلغني صوته من وراء الحاجز الزجاجي متهدجاً، يقطره الانكسار والرجاء: “سامحني أبو عبدو، كنت آكل من أكلاتك”.
كانت تلك الكلمات آخر عهدي به، فما لبث أن لحق بربه شهيداً مقبلاً، تاركاً في النفس غصةً لا يمحوها تقادم الزمن. ومضى إلى ربه قبل أن تطوي القافلة مسافات الغدر؛ إذ ولى الضامن الدولي وجهه شطر الصمت، وتوارت راياته الزرقاء في لحظة العسرة. فما إن تحركت القافلة حتى أوقفها جنود النظام، ونكثوا بما أبرموه، فتهاوت العهود كأن لم تكن، فاعتقل من اعتقل، وقضى في غيابات السجون من قضى، ونجا من كتبت له في اللوح نجاة، وكنت فيمن نجوا.
فجر العودة وميراث العهد
وطوت الأيام في جعبتها أعواماً قاسية، تسحب فيها ليالي المنفى ذيولها على أرواحنا المبعدة، حتى أذن الله للمدينة أن تبرأ من قيدها، وتنفض عن كاهلها غبار السنين، لتشرق فيها شمس التحرير. وفي ذلك اليوم المشهود، قفلت قوافل المبعدين عائدةً من أقاصي شمال البلاد ومنافي الشتات، لتعانق أرواحهم تراب المدينة الذي روته دماء الرفاق.
هنالك، في لحظة اللقاء العظيم، كان المشهد حافلاً بضجيجٍ لا يهدأ، تعج به الجموع المتلاطمة. كانت الأصوات تتعالى، ودموع الفرح تختلط بنحيب الشوق، وزلاغيط النسوة تشق عنان السماء إعلاناً بعودة الروح إلى الجسد. غير أنني، وأنا القابع على مقعدي الذي لم أفارقه، كنت أعيش في عالمٍ آخر؛ انطويت على نفسي في عزلةٍ صوتية تامة، وغرقت في الصمت، غابت فيه أصوات المحيط، وتلاشت جلبة الحاضرين. وكأن حواسي قد تسمرت عند ذلك الماضي البعيد، تبحث في وجوه العائدين عن أطياف الذين مضوا.
وفي غمرة ذلك الصمت، اخترقت أذني عبارة أتتني من بعيد، تحمل دفء الذاكرة وعبق العهد القديم، تنادي بلهجةٍ مألوفة: “رجعنالك فيها أبو عبدو.. رجعنا بالبارودة”.
التفت ناحية الصوت، فإذا به ابن خالتي الثاني، أبو موفق، يتقدم نحوي بخطىً وئيدة، يشق الجموع ليقف أمامي. انحنى علي، ووضع بين يدي البندقية، تركها في حجري بصمتٍ بليغ يغني عن كل بيان.
لم تكن تلك البندقية مجرد أخشاب وحديدٍ بارد، بل كانت عهداً حفظ في الصدور على امتداد السنين، وأمانةً انتقلت من كتفٍ إلى كتف، ورحلة أرواحٍ أبت أن تنكسر في وجه المحن. كانت سيرة رجالٍ صدقوا، تخلوا عن كل شيءٍ إلا يقينهم، وجعلوا من ليالي الجوع وأنقاض الخراب معراجاً يبلغون به مرضاة رب العالمين.

