الزيدي ورئاسة الحكومة العراقية.. وتساؤلات مُلحَّة!

الوقت اللازم للقراءة:
7 minsمنذ سقوط النظام في العام 2003 لم يُكتب دستور العراق الطائفي بحبر رسمي، لكنه سرى كقانون غير مكتوب، أشدّ صرامة أحيانًا من أي نص: رئاسة الجمهورية للمكوّن الكرديّ، ورئاسة الحكومة للمكوّن الشيعيّ، ورئاسة البرلمان للمكوّن السنّيّ. عرفٌ صامت، لكنه العمود الفقري الذي قامت عليه الدولة الجديدة، والذي هيمن على معادلة الحكم لأكثر من عقدين دون أن يجرؤ أحد على المساس بهذه القاعدة غير المحكية.
كان ذلك حتى حتى جاء اسم لم يكن معروفًا – على الأقل علانية – بانتمائه لأي كيان سياسي في العراق: علي الزيدي. فكل المسؤولين في الدولة، من كل المكونات، كانوا إما أعضاء في الكيانات السياسية أو من المؤازرين لها.
ولكن كيف التف الزيدي حول طائفته ومعادلات العراق الطائفية الآخذة بالتعقيد؟ وكيف أصبح هذا الشاب اليوم يبارز قادة الإقليم ويجاريهم في المعادلة الإقليمية؟ تأخذنا الإجابة عن هذا السؤال إلى مطبخ صناعة القرار الشيعي والتأثير الأمريكي الذي ما زال متغلغلاً في العراق.
تختار الكيانات الشيعية عادة من بين صفوفها، والغالب من قادتها، من يتولى رئاسة الحكومة. لكن بعد الانتخابات المبكّرة التي أعقبت ثورة تشرين الشبابية في 2019، واستقالة حكومة عادل عبد المهدي ومجيء حكومة مصطفى الكاظمي، اضطرّت هذه الكيانات إلى ترتيب صفوفها في تشكيل جديد سُمّي «الإطار التنسيقي الشيعيّ»، لتنسيق مواقفها والتكاتف على حكومة توافقية شيعية.
تشكّل الإطار رسميًا يوم 11 تشرين الأول 2021، كتحالف يضمّ القوى الشيعية الرافضة للنتائج الأولية للانتخابات، وبالذات فوز مقتدى الصدر بأكثر من 70 مقعدًا. وهذا التشكيل «السياسي العسكري» ضمّ حزب الدعوة الإسلامية بزعامة نوري المالكي، وهادي العامري زعيم منظمة بدر، وأبو آلاء الولائي الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، وزعيم تحالف الدولة عمار الحكيم، ومحمد شياع السوداني رئيس الحكومة السابق وزعيم تيار الفراتين، وشخصيات وكيانات شيعية أخرى.
لكن قواعد اللعبة تغيّرت. فبعد مشاركة فصائل مسلّحة بضربات ضدّ بعض دول الخليج العربي والأردن والمصالح الأمريكية داخل العراق وإقليم كردستان، في خضمّ الصراع الإيراني-الأمريكي-الإسرائيلي، وضع البيت الأبيض شروطًا على المرشّح الجديد، من بينها ألّا يكون من الجماعات المسلّحة أو من الكيانات القريبة منها. ومع ذلك رشّح الإطار التنسيقي، يوم 24 كانون الثاني 2026، نوري المالكي لتشكيل الحكومة المقبلة. قُوبل الخيار برفض أمريكي مباشر من الرئيس دونالد ترامب، بعد ساعات فقط من مباركة المرشد الإيراني علي خامنئي لترشيح المالكي.
وهدّد ترامب، في تدوينة على منصة «تروث سوشيال»، بعدم مساعدة العراق حال تولّي المالكي رئاسة الحكومة المقبلة، بسبب «سياساته وأيديولوجياته المجنونة!» وأكّد هذا الموقف الحاسم مارك سافايا (Mark Savaya)، المبعوث السابق للرئيس ترامب إلى العراق، مبيّناً «دعم واشنطن لمسار سياسي يمنع تكرار أخطاء الماضي».
رفض المالكي التدخلات الأمريكية، وأصرّ على الترشّح، وكتب يوم 28 كانون الثاني 2026 على منصة أكس: «نرفض رفضاً قاطعاً التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكًا لسيادته، وتعديًا على قرار الإطار التنسيقي لاختيار مرشّحه لمنصب رئاسة الوزراء!»
لكن يبدو أنّ الإطار فَهِم الرسالة الأمريكية جيدًا. بدأت الانقسامات بين القيادات الكبرى: فريق يؤيّد بقاء المالكي، وفريق آخر برئاسة السوداني – الذي حسب نفسه المرشح البديل الأمثل – يدعو لإيجاد بديل مقبول وعدم الدخول في مناحرات مع البيت الأبيض. ولاحقاً تنازل فريق المالكي أمام الإصرار الأمريكي، فبدأ الحديث عن مرشحين آخرين، رُفِضوا جميعًا من واشنطن. عندها، وربما فقط عندها، اضطرّ الإطار للبحث عن شخصيات من خارجه، غير معروفة في عالم السياسة والإعلام. وبعد تجاذبات ونقاشات مطوّلة استمرّت نحو خمسة أشهر، وافق الإطار التنسيقي، مضطرًا، على ترشيح علي الزيدي.
وتأكيدا للدعم الأمريكي والاهتمام بترشيح الزيدي أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يوم 31 أيار 2026 بأنه “عيّن السفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك، مبعوثًا رئاسيًا خاصًا لدى كل من العراق وسوريا، بجانب منصبه الحالي”.
وكتب ترامب في منشور عبر منصته “تروث سوشيال” :يسرني أن أعلن أن سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم باراك -الذي قام بعمل رائع- تم تعيينه مبعوثا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا، وكذلك مبعوثا رئاسيًا خاصًا إلى العراق، في إطار سعينا لتعزيز تعاوننا الاستراتيجي مع حكومتي سوريا والعراق، حيث تستمر علاقتنا معهما في التطور!”
ومعلوم الدور المحوري الذي يقوم به السفير باراك في المنطقة منذ عدة سنوات، وهذه دلالة على الارتباط العراقي المباشر بالبيت الأبيض عبر السفير توم باراك.
| رئيس الحكومة | مدة الرئاسة | الملاحظات |
| إياد علاوي | 28 حزيران 2004 – 6 نيسان 2005 | شيعيّ علمانيّ ترأس الوزارة المؤقتة بعد الاحتلال |
| إبراهيم الجعفري | 7 نيسان 2005 – 20 أيار 2006 | زعيم حزب الدعوة، امتازت حكومته بأطول فترة حكم بعد 2003، واستمرّت الحرب الطائفية. لاحقاً سيطر داعش على أكثر من نصف مساحة العراق 2014. |
| حيدر العبادي | 9 أيلول 2014 – 24 تشرين الأول 2018 | قادت الحكومة، بالتعاون مع التحالف الدولي، الحرب ضد داعش. |
| عادل عبد المهدي | 25 تشرين الأول 2018 – 7 أيار 2020 | استقالت بسبب ثورة تشرين الشعبية الشبابية 2019 التي غالبيّتها من الشيعة، وراح ضحيتها 600 شخص. |
| مصطفى الكاظمي | 8 أيار 2020 – 27 تشرين الأول 2022 | أكمل الفترة المتبقية من عمر الحكومة. |
| محمد شياع السوداني | 27 تشرين الأول 2022 – 14 أيار 2026 | واحدة من أفشل الحكومات بعد العام 2003. |
| علي فالح الزيدي | 14 أيار 2026 – حتّى الآن | رئيس الحكومة الحالية. |
سبعة أسماء، سبع حكومات، وطائفية واحدة تتكرر بأشكال مختلفة عبر عقدين. ثم يأتي الاسم الثامن ليكسر النمط لا بهويته الطائفية – فهو، كسابقيه، من المكوّن الشيعي – بل بغياب أي سيرة سياسية معروفة تُفسّر وجوده في هذا الجدول أصلًا.
دخول زيدي مجهول
اسم «علي الزيدي» لم يكن من الأسماء المعروفة في العراق، لا في السياسة ولا في الإعلام. لكنه صار، بين ليلة وضحاها، حديث الشارع، بعد أن رشّحه الإطار التنسيقي الشيعي، مرغماً ربما قبل كل شيء، لرئاسة الوزراء. ولعل هناك حلقة مفقودة في قضية ترشيحه: إمّا أنه رُشّح بتوصية خارجية، وتحديداً أمريكية، أو أنه كانت لديه علاقات متينة مع قادة الإطار الحاكم، وبواسطتها تمّ اختياره لرئاسة الحكومة.
من هو الزيدي، وكيف صعد؟
يحرص الزيدي، وهو أصغر رئيس وزراء في العراق بعد العام 2004، على كتابة اسم والده في البيانات الرسمية: علي فالح الزيدي. والرجل معروف في الأوساط المالية العراقية كأحد رجال الأعمال غير المحبّين للظهور الإعلامي، وهو صاحب «مصرف الجنوب»، وحاصل على بكالوريوس في القانون، وبكالوريوس وماجستير في العلوم المالية والمصرفية، ورئيس لبعض المؤسسات التنموية. يدير مجلس جامعة الشعب، ويرأس مجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة، ويمتلك قناة دجلة الفضائية، وغيرها من الممتلكات العملاقة والبارزة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل واشنطن دفعت باتجاه ترشيح الزيدي، أم أن علاقاته بالإطار هي التي جاءت به؟ ما نظنّه هو أن الرجل يمتلك علاقات جيدة مع غالبية قادة الإطار، وربما نسّق مع اللوبيات الموجودة في واشنطن لطرح اسمه ليكون الرئيس القادم للحكومة، وإلا كيف يمكن تفسير دعم الرئيس ترامب له منذ مرحلة الترشّح وحتى هذه الساعة، «وحتى النهاية»، بحسب توصيف ترامب نفسه؟
ففي خطاب التكليف، يوم 26 نيسان 2026، قال الزيدي إن «البرنامج الحكومي المقبل سيأتي مكمّلاً للجهود التي بذلت للارتقاء بالواقع الخدمي والاجتماعي، مع وضع أولويات تراعي تقييم المخاطر واغتنام الفرص، ليكون العراق بلداً متوازناً إقليمياً ودولياً» . وتوالت حينها البيانات الأمريكية المؤيدة له، وأبرزها بعد ساعات من التكليف، يوم 30 نيسان 2026، حين اتصل ترامب بالزيدي مهنّئاً، وداعياً إياه لزيارة واشنطن – وهي دعوة عاجلة لم تحصل مع أي رئيس وزراء عراقي سابق.
وسارع ترامب، يومها، إلى بيان مدى طموحه مع بغداد، مركّزاً في تغريدة على «ضرورة تشكيل حكومة جديدة في العراق خالية من الإرهاب». وفي 1 أيار 2026 أعلن ترامب أن ترشيح الزيدي «نصر عظيم»، قائلًا: «فاز بمساعدة الولايات المتحدة، لقد كنّا خلفه وبقوّة، والولايات المتحدة ستكون معه حتى النهاية!» ولاحقاً يوم 14 تموز 2026، جاءت زيارة الزيدي إلى البيت الأبيض، والاهتمام المثير من الرئيس ترامب، لتكون واحدة من عوامل الدعم له للعمل في الساحة العراقية.
هذا الخطاب يستدعي التوقف عنده. وحتى اليوم، لا أحد يعرف حقيقة وعمق علاقة واشنطن بالزيدي.
الأزمات الراهنة وتساؤلات لم تُحسم
منذ بداية تسلّمه المنصب، حرص الزيدي على العمل بصمت واضح، مع من رشّحوه، ومع عموم المشهد الداخلي، مستنداً إلى الدعم الأمريكي العلني. وتحدّث بصراحة عن ملفّين: حصر السلاح بيد الدولة – وهو ما يستدعي مقالة منفصلة – ومكافحة الفساد المالي.
ورغم أن ملفّ حصر سلاح الجماعات المسلحة هو الأهمّ، فضّل الزيدي أن يبدأ بالثاني. قاد حملة يمكن وصفها بالمقبولة لمحاربة الفساد، منذ 28 حزيران 2026، وإن كانت اليوم بوتيرة أخفّ. شملت الحملة أحد قادة المكوّن السنّي، النائب مثنى السامرائي رئيس تحالف عزم، وأكثر من عشرة نواب، أبرزهم زياد الجنابي وبهاء النوري ومحمد الكربولي وغيرهم عشرات، وربما قارب عدد المعتقلين بمناصب عالية ومتوسطة المئة شخصية.
وكان من أبرزهم عدنان الجميلي، وكيل وزير النفط لشؤون التصفية، الذي اعترف على عشرات الشخصيات الثقيلة، وعُثر بحوزته وحوزة غيره من المسؤولين على مليارات الدنانير العراقية، وعشرات الكيلوات من الذهب، وعشرات الساعات الثمينة، وأموال أخرى منقولة وغير منقولة.
وأكّد ديوان الرقابة المالية العراقي، يوم 22 تموز 2026، أن «عدد العقارات العائدة للدولة والمتجاوز عليها بلغ 500 ألف عقار!» وكشف المستشار القانوني لرئيس حكومة بغداد، القاضي منير حداد، في بداية تموز 2026، أن «حجم الأموال المنهوبة من العراق منذ عام 2003 وحتى الآن يتجاوز حاجز ترليوني دولار، وأن أرقام السرقات وعقارات المتهمين تفوق مستوى العقل والمنطق».
قضية مكافحة الفساد إذن معقّدة، وبحاجة إلى معالجات دقيقة وجذرية وباتّة. فهل ستكون هذه الحملة هي المفتاح لمكافحة ملفّ الفصائل المسلحة؟ نعتقد جازمين بأنها ستكون كذلك، وحينها سيكون القانون والشعب والتاريخ مع الزيدي، إن تعامل بحزم من أجل تطبيق القانون وبناء دولة المواطنة الخالية من الإرهاب والفساد!

