تأملات في الشر الإبستيني

الوقت اللازم للقراءة:
7 mins﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
تقف الحضارة الغربية اليوم في التاريخ الإنساني كلحظةٍ شاذة، إذ أنها، كما يلاحظ رينيه جينو (René Guénon)، أول حضارة إنسانية تتطور في اتجاه مادي محض مقطوعة الأواصر عن أي رابطة روحية. غير أننا بتدقيق النظر سنجد أنه لا يمكن للإنسان، بما هو به إنسان، أن يعيش حبيس ماديته فقط. فإنسان الحضارة التعيسة نفسه ابتغى ملء هذا الفراغ الروحي بألوان الفن والموسيقى والأدب غير أنها بقيت محاولات مادية هي الأخرى بلا أي نسب روحي.
إن خلود هذه الحضارة المادية إلى الأرض أنساها أصلها الروحي، فأتبعها الشيطانُ فسارت في ركابه ونسيت أصل عداوة إبليس القديمة لبني آدم حتى بتنا نرى الشياطين تؤزّ بني آدم أزّاً. وإذا كان النسيان هو حيلة إبليس في استلاب بني آدم، فلا مَهمة للفكر اليوم أكثر إلحاحاً من الذكر. ولا مهمة للذكر أكثر إلحاحاً من الشكر باستعادة مركزية الغيب في التدبير الإنساني.
إن إبليس ومن خلفه الدجال ليسوا مفارقين لهذا العالم بل كامنين فيه يُظهرون لنا أثر عملهم من حين إلى آخر. ولا يعني ذلك إحالة الشر إلى عالم غيبي ينفي مسؤولية البشر عن هذه الشرور. بل على العكس من ذلك تماماً، إننا لا يمكننا فهم هذا الشر إلا من خلال فهم آليات عمله في هذا العالم. لقد كشفت لنا وثائق إبستين عن اجتماع ثالوثٍ مدنّسٍ من الشر: فرعون وقارون وبلعام بن عوراء، أي طغيان السلطة والمال والعلم التي تتجسّد في شرور الدولة الحديثة والرأسمالية والعِِلمانية. ولكن قبل الحديث عن طبيعة هذا الشر الإبستيني لنعد قليلاً إلى جذور العداء الما-قبل تاريخية.
في البدء كانت العداوة
إذا كان التاريخ الإنساني يبدأ مع خلق آدم عليه السلام، فإن عداوة إبليس لأبينا آدم بدأت قبل بداية التاريخ. يُروى أن إبليس طاف حول آدم عليه السلام قبل نفخ الروح وأخذ يتفحصّه، يروي مسلم أن إبليس جعل يطيف في آدم عليه السلام في الجنة ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خُلق خلقاً لا يتمالك.
لقد فهم إبليس منذ اللحظة الأولى أن آدم خُلق لشأنٍ عظيم وفهم أيضاً أن جوفية آدم هي نقطة ضعفه ومحل إغوائه. فهو من ناحيةٍ قاصرٌ محتاجٌ لما هو خارج عنه، ومن ناحية أخرى لا يصبر على قضاء تلك الحاجيات. وكلما فرغ من قضاء حاجة طلب أخرى وهكذا بلا هوادة. وإن هذا الأمر العظيم الذي خلق لأجله آدم، وهو خلافة الله في الأرض، كان سبب نقمة إبليس عليه وإضماره العداوة له من قبل نفخ الروح فيه حتى أنه أقسم ليحتنكن ذريته [الإسراء 62].
إذن، فإن غاية إبليس في هذا العالم هو إفناء الجنس البشري من عند آخره، وفي سبيل ذلك ابتغى سبلاً عدة منها: إيقاع العداوة والبغضاء وإنشاء الحروب، ومنها الوعد بالفقر ودفع الإنسان للكنز والمراكمة، ومنها اتباع الشهوات. وفي كل ذلك يلهث الإنسان خلف تلك الرغبات الزائلة، وكلما أشبع موضوعاً من موضوعات الرغبة، بادره موضوعٌ آخر حتى بات الإنسان المعاصر ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف 176].
إبستين: وارث ثالوث الشر المدنس
في الأسبوع الماضي كشفت وزارة العدل الأمريكية عن ثلاثة مليون وثيقة خاصة بجيفري إبستين بعد أن قامت بحجب العديد من الأسماء، ضحايا ومجرمين على السواء، واحتفظت بما يقرب من ثلاثة مليون وثيقة أخرى.
تكشف هذه الوثائق، التي كانت في أغلبها مراسلات من بريد إبستين الشخصي، عن عمليات اتجار بالبشر واغتصاب أطفال وممارسات سادية وجرائم قتل تورط فيها سياسيون ورجال أعمال مثل: دونالد ترامب وبيل كلينتون والأمير أندرو وإيهود باراك وبيل جيتس وبيتر تيل وأمراء بالعائلات الملكية في السويد والنرويج وغيرهم كثيرين. كما كشفت عن ارتباط إبستين بأبحاث علمية حول استنساخ البشر ومحاولات لإنتاج عرق يهودي متفوّق بالصدمات النفسية.
إذن، فليس من الصعب علينا أن نرقب وجه إبليس في هذا الشر الإبستيني. فمن شجرة الخلد إلى إيقاع العداوة والبغضاء، ومن الملك الذي لا يبلى إلى الوعد بالفقر، ومن الأمر بالفحشاء إلى الأمر بتغيير خلق الله، هكذا يظهر لنا أثر إبليس في العالم عبر أعوانه من الإنس.
لقد ظهر رموز الطغيان الثلاثة -فرعون وقارون وبلعام بن عوراء- في محطات تاريخية كثيرة إلا أن اجتماعهم لم يتحوّل إلى نظام حكم وعلم وإدارة إلا مع بزوغ فجر الحداثة فتحوّل فرعون إلى دولة حديثة، وصار قارون الرأسمالية وقد توحشّت، وتحوّلت المعرفة إلى علم مادي منزوع القديمة. وصار التقدّم هو الأيديولوجيا التي تزين هذا الشر، فالتقدم العلمي لم يعد يعني سوى مزيد هيمنة وإخضاع للطبيعة بدلاً من حمل الأمانة، والتقدّم المالي لم يعد سوى مراكمة الثروات، والتدبير الإنساني صار إدارة موارد وتسلّط، وفي سبيل ذلك تمت استباحة العالم كله ونُهبت ثرواته. إذن، يمكننا أن نقول أن إبستين هو لحظة شديدة الكثافة والتطرف لثالوث الشر المدنس.
قد يكون من الصعب الحديث عن شرٍ استثنائي بعد حرب الإبادة في غزة، فما شهدته غزة على مدار العامين الماضيين كان شراً خالصاً. غير أن ما حدث في غزة غير منبت الصلة عن جزيرة إبستين. كما أنه يمكن للمرء أن يحدد نوعاً خاصاً بالشر الإبستيني بشكلٍ ما ولكن لنبدأ أولاً بما يجمع بينهما. فأولاً، كلا الشرين يمكن وصفه بالشر المحض، إذ أن كلاهما يستهدفون الأطفال، رمز البراءة الخالصة، عن عمدٍ وإصرار.
كما أن كلاهما يروّضان المعرفة التقنية في سبيل التسلط والإبادة. وكلاهما ينطلقان من استكبار إبليسي فيرون تفوق العرقي لليهود على ما سواه من بني البشر. وليس يخفى علينا اليوم علاقة إبستين بجهاز الموساد الإسرائيلي التي كشفتها تقارير موقع دروب سايت المستقل. ولكن في الوقت الذي تعمل فيه آلة الإبادة الإسرائيلية في سياق حرب استعمارية ظالمة ويتصدّى لاستكبارها رجالٌ من أهل الله، تعمل آلة الشر الإبستينية في الظلال وتبتغي الشر لذاته وتتلذّذ بتعذيب الضحايا واغتصاب الأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة.
ولا ينبغي لنا أن نقرأ استهداف الأطفال هنا كحدثٍ عابر أو شاذ، إذ المتابع عن قرب للثقافة الأمريكية يلمح هذا الاستهداف الممنهج للأطفال بدءً من أفلام والت ديزني التي تروّج لأيديولوجيا الشذوذ الجنسي ومروراً بالمناهج الدراسية ووصولاً للإعلانات. ففي عام ٢٠٢٢ أطلقت دار الأزياء الشهيرة «بلنسياجا» حملة إعلامية حملت معها إشارات لاستخدام الأطفال في ممارسات جنسية سادية وطقوس شيطانية. وفوق ذلك
إن هذا الشر الإبستيني ليس حادثاً استثنائياً أو انحرافاً طارئاً في مسار الحضارة المادية. بل إن الفساد الأخلاقي الذي يسمّم الحضارة الغربية هو نتيجة مباشرة وطبيعية لنسيان العهد الأول واتباع الشهوات. فإذا مات الإله انتفت قيمة القيم نفسها فلم يعد هناك معنى لخيرية الخير أو شرية الشر. تصبح القيم هنا مجرد أدوات في صراع القوة.
إن موت الإله لا يعني غيابه بل استبداله بإله الهوى. فيصير هوى النفس واتباع الشهوات هو وجهة الإنسان وقبلته. لكن هذه الشهوات ثقباً أسوداً يبتلع الإنسان فما إن يكتفي بإشباع واحدة حتى تبادره أخرى وهكذا بلا هوادة. وليس أدل على ذلك من المنظومة الجنسية في العالم الغربي الذي وصل إلى اختراع هويات جنسية بهيمية، حقيقة لا مجازاً، وصلت إلى حد تعريف بعضهم لنفسه بالكلب والذئب وبعضهم وصلت به البهيمية إلى حد الزواج من حيواناتهم الأليفة.
أولياء الله
لقد شكّلت غزة، وفلسطين بشكل عام، الاستثناء في العالم ما بعد الكولونيالي حيث بقيت المستعمرة الوحيدة التي لم تُعطى حق تقرير المصير. وإذا كان الاستثناء هو ما يُعرف القاعدة كما يعلمنا كيركيجارد ومن بعده شميت، فإن غزة هاشم هي الاستثناء الذي وقف في وجه أولياء الشيطان وخاضت هذه الحرب لا من أجلها وحدها ولكن دفاعاً عن بني آدم كافة في وجه ثالوث الشر المدنس. وإذا كانت غاية إبليس وأوليائه هي أن ننسى تلك الرابطة الروحية التي تربطنا بالسماء، فليس أقل من أن يكون فكرنا ذكراً، وذكرنا شكراً.

