علاقة العسل والسم: إبستين والموساد

الوقت اللازم للقراءة:
9 minsفي 30 كانون الثاني 2026، أفرجت وزارة العدل عن 3 مليون وثيقة من المراسلات الخاصة بجيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي الذي تم إعلان وفاته منتحراً في زنزانته في نيويورك عام 2019م بعد شهر واحد فقط من القبض عليه بتهمة الإتجار الجنسي بالأطفال.
على الفور، ضجّت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بمدى نفوذ شبكة إبستين وامتدادها على مستوى النخب حول العالم، فمن قادة الدول إلى الناشطين السياسيين، ومن علماء الفيزياء إلى محامين دوليين، لم يبدُ في الأفق نهاية لشبكة عملاء إبستين، الرجل الذي مات منتحراً، كما تذهب الرواية الرسمية.
لم يكن انتحار إبستين نهاية سلسلة الانتحارات في قصته الغامضة، فعقب الإعلان عن القبض على إبستين، لاذ شريكه في الجريمه جان لوك برونيل بالفرار، وظل مختبئاً من الملاحقة الأمنية، إلى أن تم القبض عليه ليلقى حتفه منتحراً داخل زنزاته في عام 2022م كذلك.
وبعده، فوجئ الرأي العام الغربي بأن إحدى ضحايا إبستين، فيرجينيا جوفري، التي استغلها إبستين جنسياً عام 2000م وهي بنت 15 ربيعاً، قد أعلنت أسرتها وفاتها منتحرة في أبريل 2025م، وتقوم أسرتها بعد ذلك بنشر مذكراتها حول استغلالها جنسياً في حلقة البيدوفيليا الخاصة بإبستين في كتاب بعنوان «بنتُ لا أحد: مذكّرات عن النجاة من الاعتداء والكفاح من أجل العدالة» [Nobody’s Girl: A Memoir of Surviving Abuse and Fighting for Justice]
هذه السلسلة من الانتحارات لم تكن وليدة الصدفة، إذ هي جزء من نسيج أوسع لشبكة من الرذيلة أسسها إبستين ولا تزال تتكشف خيوطها يوماً وراء يوم. فما هو أبرز ما تم الكشف عنه في هذه الشبكة حتى اليوم؟ وكيف أبرزت هذه الشبكة تناقضات الخطاب الغربي تجاه الشعوب والثقافات «الشرقية»؟
شبكة دولية
شكلت قائمة المتورطين مفاجأة لدى متابعي القضية لا لكثرة الأسماء المتورطة فحسب وإنما لانحصارها على طبقة معيّنة من الأغنياء وذوي النفوذ؛ من الممثّلين والساسة ورجال الأعمال والعلماء التجريبيين والعائلات المالكة كذلك.
وفي 2007م تم القبض على إبستين بأكثر من 60 تهمة، إلا أن فريقاً من المحامين الماهرين استطاع المناورة والتسوية خلال إجراءات محاكمته، فحُكم بإدانة إبستين بحكم مخفف، السجن لمدة 18 شهراً فقط (قضى منهم 13 ثم خرج) وكان يُسمح له بالخروج كل يوم لمدة 12 ساعة لمباشرة عمله. قد تبدو هذه التسوية غريبة على هذه التهم الهائلة، إلا أن غرابتنا تزول عندما نعلم أن المحامي الأمريكي، ألان ديرشوفيتز، كان يترأس فريق محاميه، ومن المفارقة أن ديرشوفيتز نفسه هو من سيتولى الدفاع عن كيان الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية في 2024م في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا على الكيان.
وبجانب هوكينج، ذُكر شقيق العاهل البريطاني الأمير أندرو، الذي كشفت عنه سابقاً إحدى الفتيات القاصرات بأنه اعتدى عليها جنسياً 3 مرات، وسوّى الأمير معها القضية عبر شراء صمتها بمبلغ قدره 13 مليون دولار ينسي الفتاة طريق المحكمة ويدفعها لسحب دعواها منها. إلا أن صوره التي نُشرت في 30 كانون الثاني 2026 أثارت اشمئزاز وسائل الإعلام، حيث أظهرته وهو يعتلي فتاة قاصرة تبدو في حالة استسلام أو تخدير كامل.
أما اللورد بيتر ماندلسون، السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة وأحد أبرز الوجوه السياسية البريطانية، والذي كان يؤيد الإبادة الجماعية في غزة، فقد استقال من مجلس اللوردات البريطاني عقب الكشف عن صورة له تظهره وهو يرتدي سروالاً داخلياً ويقف بجانب امرأة في غرفة خاصة.
إذاً شبكةٌ واسعةٌ للموساد ضلعٌ فيها، وشملت أمراء ومسؤولون وشخصياتٌ كبيرة من الوسط العلمي والتكنولوجي. منذ ظهور قضية إبستين في 2019، في الحقيقة، بدأت الآراء تتداول حول حقيقة عمالة إبستين للموساد الإسرائيلي، وحول الدور الإسرائيلي الرئيسي في بسط سيطرته على المؤثّرين والسياسيين عبر شبكة الفحش هذه، مما أفسح المجال لأصحاب نظريات المؤامرة ليثبتوا صحة دعواهم بتحكّم اليهود الباطني والخفي بكل شيء في العالم، فهل للموساد يد في قضية إبستين بالفعل؟
إلحاد جديد .. فاحشة قديمة
في أوائل الألفينيات تأسست حركة جماهيرية غربية معاصرة تدعو إلى الإلحاد وتتسم بقدر كبير من الحماسة والعداء للإسلام تحديداً، وقد تزعّم هذه الحركة أربعة من الغربيين وهم سام هاريس ودانيال دانيت وريتشارد دوكينز وكريستوفر هيتشنز (Sam Harris, Daniel Dennet, Richard Dawkins, Christopher Hitchens)، ثم أُلحق بهم لورانس كراوس (Lawrence Krauss)، ولما خفت نجم هؤلاء، بدأت موجة جديدة في النشوء أقل عداءً وأكثر «علمية» إن جاز التعبير، وكان ستيفن بينكر وستيفن هوكينج (Steven Pinker, Steven Hawking) من ضمنها.
ومن المفارقات أنه بينما كانت هذه الميليشيا الإلحادية تتهم الإسلام بأنه دين يسلع المرأة، وبأن المسلمين يعانون من الكبت الجنسي، وبأنهم يستغلون الأطفال جنسياً، فإن أربعة من هؤلاء ظهرت لديهم ارتباطات بإبستين تتفاوت في عمقها وحساسيتها.
وبينما حاول ريتشارد دوكنز وستيفن بينكر التنصل من علاقاتهما بإبستين بكل وسيلة ممكنة، وحاولا إنكار معرفتهما بأي شيء لاأخلاقي يجري على يد إبستين (وهو احتمال مستبعد)، إلا أن دوكنز لم يسلم من سهام النقد عندما ظهرت صوره ومراسلاته الجديدة مع إبستين. فقد أعاد ناشطون على وسائل التواصل تداول تصريحاته القديمة، والتي يؤكّدها منذ 2006م ويعيد تكرارها كل حين، بأن البيدوفيليا «الخفيفة» ليست خطيرة وبأن الأفكار الدينية أشد تسميماً للإنسان من الاشتهاء الجنسي للأطفال.
أما ستيفن هوكنج فلم يكن ظهوره في وثائق إبستين مفاجأة، فقد كان معروفاً أصلاً بزيارته لنوادي الرقص والتعري، وذكر بيتر سترينجفيلو، أحد ملاك نوادي التعري، أنه”عندما لم يكن ستيفن هوكينغ منشغلاً بحلّ ألغاز الكون، كان مولعاً بمشاهدة النساء وهنّ يخلعن ملابسهن، وينقل عن هوكنج قوله: «كلنا غبار نجوم، وسنعود جميعاً يوماً ما غبار نجوم»، وعقب عليه سترينجفيلو قائلاً: «منذ ذلك الحين وأنا أؤمن بذلك أيضاً.»
أما لورنس كراوس فقد دافع عن إبستين علناً عقب إدانة الأخير أمام القضاء الأمريكي في 2008م وقال إن صداقته أوثق من التهم الموجهة إليه وأنكر ضلوع إبستين في أي علاقة مع الأطفال. وفوق ذلك، تلقى كراوس تمويلاً من إبستين يقدر بمئات الآلاف من الدولارات على مدار سبع سنوات.
وقد تم اتهام لورنس كراوس في 2018م عبر عدة نساء بأنه يتحرش جنسياً بالنساء، الأمر الذي أدّى في نهاية المطاف إلى فصله من عدة مناصب يتقلدها في الأكاديميا. ومن الطرائف أن كراوس راسل إبستين في 2017م طالباً منه النصيحة حول كيفية مواجهة تهم التحرش الجنسي.
هذا وقد أبدى كراوس صدمته عام 2013م من سياسات الفصل بين الجنسين في الإسلام، معتبراً هذا نوع من التمييز الجنسي المضاد للمساواة، لكن يبدو أن رؤية كراوس للمساواة تتوقف عند الإسلام، أما في عالمه الخالي من الإله، فكل شيء مباح. وفي مناظرته مع حمزة تزورتيس في ذات العام، وجه تزورتيس سؤالاً إلى كراوس: “لماذا تعتقد أن زنا المحارم خطأ؟”، ليقوم كراوس بالرد قائلاً: “ليس واضحاً بالنسبة لي أنه خطأ”.
يد الموساد الخفية
مع تداول ملفات التحقيق ضد إبستين، بدأت تعود تهم التعاون مع الموساد إلى الواجهة، فمع النفوذ الهائل وشبكة العلاقات العابرة للحدود التي ضلع فيها إبستين وسوّق فيها لبضاعته المثيرة للغثيان، بدا وكأن هناك جهة أكبر من إبستين نفسه تدير هذه الشبكة الضخمة من العلاقات ذات القوة والسلطة، فما دور الموساد في «لعبة» إبستين الجنسية؟
تبدأ أولى فصول الاتهامات بضلوع الموساد في قضية إبستين بحقيقة أن إبستين نفسه مات منتحراً في زنزانته بعد إلقاء القبض عليه في 2019م بشهر واحد فقط، وهو أمر يشكك في معقوليته الكثير من المحللين، زاعمين أنه تعرض للاغتيال من قبل ذوي النفوذ.
وإذا رجعنا إلى الوراء قليلاً سنجد فصلاً آخر مثيراً للاهتمام، ففي 2006م أوقفت السلطات الأمريكية إبستين بتهمة دفعه أموالاً لممارسة الجنس مع فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً. وعلى الرغم من أن كثيراً من الفتيات القاصرات ادّعين حينها أن إبستين وأصدقاءه اعتدوا عليهن جنسياً، وبدأت الشهادات تتواتر حول الجرائم الجنسية لهذا الرجل، حتى وصلت عدد ضحاياه الموثقين في تلك الفترة فقط من قبل مكتب التحقيق الفيدرالي إلى أكثر من 50 فتاة تم اعتمادهن عبر التحقيقات.
ورغم ضخامة العدد وتوثيق المرويات، استطاع إبستين أن يفلت بطريقة غير مفهومة من العقاب، ثم أدانته المحكمة بحكم أشبه بذر الرماد في العيون: اعتداء جنسي على شخص واحد فقط في 2008، قضى إبستين على إثره عقوبة بالسجن فقط لمدة 13 شهراً، منها 10 أشهر كان يخرج فيها لمدة 12 ساعة يومياً ليواظب أعماله خارج السجن، كما ذكرنا في بداية المقال.
والسؤال هنا: كيف تمكن إبستين تسوية وضعه حينذاك والتهرب من كافة الاتهامات الموجهة إليه رغم توثيق التحقيقات لجرائمه؟ كيف تشير كافة القرائن والأدلة إلى إداة إبستين ثم هو يخرج منها مختالاً فخوراً كأنه لم يصبه شيء البتة؟ لقد أعجز هذا السؤال رئيس شرطة بالم بيتش السابق مايكل رايتر، الذي أشرف على تحقيق إبستين الأصلي، وقال إنه لا يوجد أي تفسير لما حدث.
لكن أليكساندر أكوستا، الذي كان حينئذ ممثل ادعاء في ولاية فلوريدا، قدّم لنا الإجابة بعد 11 عاماً، فقد صرح في 2019م قائلاً بأن مكتبه أقر صفقة متساهلة مع إبستين تلك الفترة -2008م- جنّبت الأخير المسؤولية الكاملة عن جرائمه وضمنت له فترة سجن محدودة وسهلة بدلاً من عقوبة السجن مدى الحياة التي كانت تنتظره.
لم يصرح أكوستا بهذه المعلومات إلا عقب الاعتقال الثاني لإبستين في 2019م. فبعد ثبوت تورطه في التستر على جرائم إبستين وتعرضه للنقد الشديد، اضطر أكوستا في نهاية المطاف إلى الاستقالة من منصبه كوزير للعمل في حكومة ترامب يوليو 2019م. ولاحقاً، قالت إحدى الصحافيات أن أكوستا أبلغ إدارة ترامب أنه قد «قيل له» أن يتراجع عن قضية إبستين، حيث أن إبستين كان أعلى من درجة راتبه. وبكلمات أكوستا نفسه:
«لقد قيل لي إن إبستين ينتمي إلى المخابرات، وأنه عليّ أن أتركه وشأنه».

جان لوك برونيل، الشريك الأقرب لجيفري إبستين وجيسلين ماكسويل. استخدم برونيل وكالته في عرض الأزياء لتهريب القاصرات إلى جزيرة إبستين، وتم العثور على برونيل مشنوقاً داخل زنزانته في فرنسا. الصورة له في 2003م في جزيرة إبستين وهو يرتدي طاقية مكتوب عليها “جيش إسرائيل”.
من ناحيته، يؤكد الجاسوس الإسرائيلي السابق آري بن ميناشي، في شهادته التي أوردها في كتاب «إبستين: الميت مسحوب اللسان» [Epstein: Dead Men Tell No Tales]، أن إبستين وشريكته ماكسويل كانا جاسوسين إسرائيليين، ويزعم بن ميناشي أنهما أدارا عملية مصيدة العسل (Honey Trap)، حيث قدما فتيات صغيرات للسياسيين لممارسة الجنس ثم استخدما هذه الحوادث لابتزازهم لصالح المخابرات الإسرائيلية.
يقول بن ميناشي إن إبستين قد تم تقديمه إلى الموساد من قبل والد ماكسويل، إمبراطور الإعلام البريطاني اليهودي روبرت ماكسويل، وهو أيضاً عميل موساد إسرائيلي، وأن كل هذه الفضائح صُنعت لصالح الموساد بهدف جمع المعلومات وابتزاز الأسماء الشهيرة. كما ادّعى ميناشي أن الأمير أندرو خُدع واستُخدم لجلب أسماء مشهورة إلى إبستين، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، كان على علم بما يجري.
ويؤكد الجاسوس السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، جون كيرياكو، أن إبستين كان عميلاً للموساد بشكل مباشر، ويستغرب من عدم اهتمام وسائل الإعلام بهذا الأمر، ويدعي أن المجتمع الأمني والاستخباراتي يدرك هذه الحقيقة جيداً لكنه لا يصرح بها خشية تخريب العلاقات مع الاستخبارات الصهيونية.
إن قضية إبستين ليست بدعة من العمليات الصهيونية، فمصائد الجنس التي احترفها جهاز الاستخبارات الصهيوني تفتح الباب على مصراعيه لمناقشة دور الموساد في الابتزاز عبر الجنس وفي تجنيد العملاء عبر الابتزاز الجنسي وفي ممارسة النفوذ الصهيوني عبر ما يسمى بعمليات مصائد العسل، كما جرى من قبل الجاسوسة اللبنانية شولا كوهين والتي جندتها الاستخبارات الإسرائيلية، فوظفت بدورها عدداً من الفتيات ليستدرجن المسؤولين والموظفين والسياسيين وابتزازهم لاستخراج معلومات حول النشاط المقاوم للصهاينة.
لكنا هنا لا نتحدث عن نزوة فردية لمجرم يهودي، أو حفلة ماجنة لطبقة من الأثرياء، أو منتجع سري لمجموعة من الأصدقاء، وإنما نتحدث شبكة منظمة من الفحش الجنسي تنظمها المخابرات الإسرائيلية، وهو ما قد يبعثنا إلى استكشاف مساحة أخرى من النقاش وهي مساحة الدور الصهيوني في نشر الفحش عالمياً. مما يكشف الغطاء عن حقيقة كانت تتداول بين أصحاب نظريات المؤامرة: أن العالم تحكمه حفنة قليلة من الفاسدين والمرتشين، الذين باعوا أرواحهم مقابل متع لحظية، لن تلبث إلا أن تزول عما قريب.

