تتبع النمط وكسر الاعتياد: هكذا يحدد الاحتلال أهدافه المحتملة

آخر تحديث: 4 فبراير، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

6 mins

إن كنت تعيش في ساحة صراع، فإن البداهة ترشدك تلقائياً للحذر من الجواسيس كعنصر اختراق بشري يستخدمه العدو للحصول على المعلومات، فضلاً عن أجهزة الاتصال الذكية والغبية التي يستطيع اختراقها وتتبعها من خلال برامج ومعدات التجسس الإلكترونية. 

لكن النجاح المستمر لجيش الاحتلال الإسرائيلي في اغتيال قادة وكوادر المقاومة في فلسطين وحزب الله في لبنان، رغم الخبرات الأمنية المتراكمة والإجراءات الوقائية المستحدثة، يسلّط الضوء على أساليب اختراق وتتبع غير مألوفة: فهل كل ما يجري مجرد خرق بشري؟ وإن كان الخرق تقنياً فلماذا تتواصل الاغتيالات رغم التعليمات الصارمة بعدم استخدام أجهزة الاتصال؟

إجراءات وقائية في خضم المعركة

أمام التفوق التكنولوجي الإسرائيلي وقدراته الكبيرة على التتبع والتنصت من خلال اختراق أجهزة الاتصال، اعتمدت المقاومة في غزة وحزب الله في لبنان على خطوط الاتصال السلكية والرسائل الشفهية والخطية التي ينقلها العناصر بأنفسهم، مع الاستغناء عن كل ما يرتبط بشبكة الإنترنت والاتصالات.

فقد حذر حزب الله في 18 سبتمبر 2024، على لسان أمينه العام السابق حسن نصر الله، من استخدام الهاتف المحمول ووصفه بـ “العميل”، وطلب من عموم سكان القرى المجاورة للحدود مع فلسطين المحتلة جنوب لبنان عدم استخدامها، وخَصَّ بذلك مقاتلي الحزب وزوجاتهم وأولادهم. كما دعا الحزب سكان الجنوب من المدنيين إلى فصل الكاميرات المدنية الموضوعة أمام منازلهم ومتاجرهم وعلى الطرقات، لأن جيش الاحتلال يخترقها ويراقب من خلالها الشوارع وتحركات عناصر الحزب.

أما في غزة، فإن هذه الإجراءات متبعة قبل الحرب حيث اكتسبت يقظة أمنية تطبعت في سلوك مقاوميها، وذلك بفضل حفاظها على تماس عملياتي وأمني مباشر مع الاحتلال طوال عقود.

ورغم ذلك، لا زالت الاغتيالات حتى اليوم تطال قادة المقاومة وحزب الله بوتيرة عالية، ما يشير إلى أسلوب مختلف من أساليب التتبع الاستخباري، يحافظ الاحتلال من خلاله على قدرته في تتبع الأهداف وتحديدها رغم الإجراءات الأمنية الوقائية المتبعة.

تحليل الأنماط في العمل الاستخباري

أبرز تقدم الذكاء الاصطناعي واستخدامه في العمل الاستخباري والعسكري قدرة كبيرة على جمع البيانات وتحليلها، وهو ما يحل معضلة العجز البشري عن مراقبة آلاف الأشخاص لتشخيص أهداف محتملة قبل البدء بتتبعها الدقيق. فمن خلال برمجة نظم الجمع والاستطلاع وفقاً لمعايير استخبارية محددة، بات بإمكان الذكاء الاصطناعي تحديد الأهداف المحتملة التي تحتاج لمراقبة مباشرة، حتى مع تجنب الهدف لاستخدام الأجهزة المرتبطة بشبكات الإنترنت والاتصالات.

يبرز هنا مصطلح “تحليل الأنماط”، وهو عملية ربط بيانات لتحديد سلوك متكرر واستنتاج مؤشرات تساعد على رسم شبكة علاقات الهدف وفهم ما سيحدث، وذلك من خلال صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والمصادر البشرية والمؤشرات المالية وغيرها من المصادر.

ولأن هذه التحليلات تعطي مؤشرات وقرائن لا حقائق قاطعة، خاصة وأنها هنا جهد برمجي ضمن نظم الذكاء الاصطناعي، يُصار غالباً إلى إحالة الهدف المشتبه به إلى الرقابة البشرية المباشرة التي تحدد صوابية التحليل والتشخيص من عدمها.

لكن الاحتلال خلال حربه على غزة اعتمد في كثير من الاستهدافات على تحليل الأنماط عبر الذكاء الاصطناعي فقط، دون التثبت من جودة هذا التشخيص عبر التدقيق البشري، ما أدى إلى مجازر متكررة في المدارس والمستشفيات والمجمعات السكنية.

أمثلة واقعية محتملة

قد يكون الكلام السابق نظرياً ومعقداً، ولفهمه أكثر نضع هذه الأمثلة الواقعية لتقريب الفكرة أكثر:

المثال الأول: من بين آلاف المركبات السيارة في طرقات لبنان وأزقته، يغادر مقاتل من حزب الله منزله دون هاتفه المحمول أو أي جهاز إلكتروني مماثل، ثم يصل إلى النقطة التي يلتقي فيها مع بعض معاونيه أو مرؤوسيه الذين اتخذوا الإجراء الوقائي المماثل، ثم ركبوا السيارة نفسها واتجهوا إلى منطقة العمل.

في هذه الأثناء، استطاعت إحدى طائرات الاستطلاع الإسرائيلية التي لا تغادر سماء بيروت من تشخيص هذه السيارة التي لا تصدر منها أية إشارة اتصالات، ما جعلها مميزة عن سائر السيارات المتحركة في المنطقة، كل ذلك دون تدخل بشري حتى الآن. وبعد حفظ مواصفات السيارة ومسار تنقلها من نقطة الانطلاق حتى الوصول، ثم العودة، وهو أمر مقدور عليه في نظم الذكاء الاصطناعي العسكرية المتقدمة، فإذا تكرر هذا السلوك من السيارة نفسها فإنها تحال إلى الرقابة البشرية وتصبح هدفاً محتملاً بعد حين، لكون تحرك هذه المجموعة عدة مرات دون وسائل اتصال يشير إلى اتباعها إجراءات أمنية وقائية من الاختراق.

المثال الثاني: غادر أحد كوادر حزب الله منزله بلا هاتفه المحمول، وتوجه إلى شقة سكنية لا توجد فيها شبكة إنترنت، والتقى هناك بعدد من زملائه في الحزب الذين قدموا دون هواتفهم أيضاً. التقطت نظم الذكاء الاصطناعي في الطائرات المسيرة هذا السلوك، وتكرر ذلك في الشقة نفسها بعد فترة وجيزة من الزمن، ما يشير إلى عمل أمني أو اجتماع يعقد في هذه الشقة بين عدد من العناصر الحركيين، فتحال الشقة والعناصر المعنيون للرقابة البشرية المباشرة كهدف محتمل.

المثال الثالث: التقطت نظم الذكاء الاصطناعي الإسرائيلية عدداً من أجهزة الاتصال التي سجلت رقماً شخص محدد لديها ضمن جهات الاتصال، وبالاسم الحركي ذاته (عباس)، ما يشير إلى أن هذا الشخص هو الرابط الجامع بين أصحاب هذه الأجهزة لكونه قائد المجموعة مثلاً، فتحال كل هذه الأجهزة للرقابة المباشرة تمهيداً لتشخيصها وتحديد أصحابها ومتابعتهم كأهداف محتملة.

المثال الرابع: تتنقل سيارة ضمن بيروت تضم أربعة عناصر من حزب الله، كلهم بلا أجهزة اتصال إلا السائق الذي سيوصلهم إلى نقطة محددة على مشارف منطقة العمل، ما يوحي بأن السائق هو المسؤول اللوجستي لهذه المجموعة فتحال هذه الحالة إلى الرقابة البشرية المباشرة لتشخصيها وتتبعها كهدف محتمل.

المثال الخامس: اعتاد أحد سكان ضاحية بيروت الجنوبية- معقل حزب الله وبيئته المناصرة- استخدام هاتفه الذكي والتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير، خاصة بعد دوام العمل. لكنه ولمدة أسبوع كامل لم يستخدم الهاتف، دون وجود عذر طبيعي كدخول السجن أو المستشفى، ثم تكرر منه هذا الفعل مع وجود قرينة تأييده لسياسات الحزب وشعاراته. يشير هذا السلوك إلى إمكانية انتساب هذا الشخص لحزب الله وخضوعه لدورة تدريبية مغلقة، فتصبح هذه الحالة والحالات المماثلة خاضعة للرقابة الإسرائيلية المباشرة كأهداف محتملة.

توصيات ممكنة، بحاجة إلى تطوير

قد يتبادر العجز إلى ذهنك حين تفكر بمدى التفوق التكنولوجي الذي يوظفه العدو في حروبه، في مقابل ضعف الإمكانات والقدرات المتاحة لدى حركات المقاومة في “حروب المستضعفين”، لكن الصناعة الأعظم التي لا يضاهيها هذا التفوق التقني هي صناعة “الإنسان المقاتل”، حيث أقسم الله تبارك وتعالى بأنه خلق الإنسان (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، أي في أحسن خَلْقٍ وصورة. ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية: “والله سبحانه أحسن كل شيء خلقه، فتخصيص الإنسان هنا وفي مواضع قرآنية أخرى بحُسن التركيب وحُسن التقويم وحُسن التعديل.. فيه فضل عناية بهذا المخلوق.”

ولأن الذكاء الاصطناعي وبرمجيات (خوارزميات) المراقبة والجمع والتحليل تعتمد على رصد الأنماط والعادات، وملاحظة كسر هذه العادات كقرينة اشتباه، فإن الحلول تكمن في عدم إعطاء هذه البرمجيات النمط الذي تريد رصد التحول المفاجئ فيه، بل صناعة العادة والنمط اللذان يتناسبان مع طبيعة العمل. فلا يكون الغياب مفاجئاً، ولا التخلي عن استخدام أجهزة الاتصال في فترة محددة لافتاً، بل يصبح عادة متطبعة في الشخصية وصولاً إلى أن يكون حالة طبيعية واسعة الانتشار في ساحات الصراع.

وبمعنى آخر، حاول ألا تعتاد استخدام هاتفك الذكي لساعات محددة خلال يومك وليلتك، أو ألا يكون نمطك الزمني في الرد على الرسائل والاتصالات الواردة معتاداً، أو عدم اعتياد النشر على وسائل التواصل الاجتماعي وفق وتيرة مستقرة وأوقات محددة. وهذا النوع من كسر الرتابة واعتياد عدمها في الحياة اليومية يحتاج لجهد بالغ وعزيمة كبيرة، كما أنه قابل للتطوير وفقاً للتجربة اليومية وفهم طرق عمل العدو. ومن الضروري أن يتطبع بها المرء حتى قبل ضلوعه في عمل مقاوم أو تعرض بلده لعدوان ما، لما لذلك من أثر إيجابي في بناء الشخصية القادرة على التحرك بمرونة في ساحات الصراع.

2