بلاد الحرمين.. مدد الجهاد المعاصر 

آخر تحديث: 3 نوفمبر، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

6 mins

ظلمٌ كبيرٌ وسرديةٌ مضللةٌ يقع بها ويروج لها، قصداً أو سهواً، كثيرٌ من النخب والمشاهير المتضررين من سياسات بعض أو كثير من دول الخليج العربي. فجزيرة العرب ليست فقط دولاً متآمرة تابعة أو وسيطة ضعيفة، وليست مجرد شعوب مترفة أو مستضعفة، ولا حتى معتقلين مظلومين من علماء وتيارات إسلامية وغيرها، إنما أيضاً من أكبر خزانات الجهاد العابر للحدود في العصر الحديث. هذا بالرغم من أنها من أعلى إن لم تكن أعلى دول العالم من حيث رفاه المواطن ودخل الفرد، ومن أقل دول العالم الإسلامي تضييقاً على التدين الشعائري والأخلاق المجتمعية المحافظة. 

النقطة الفارقة هنا، أنّ نفير شباب بلاد الحرمين إلى الجهاد لم يتغير بتغير سياسة حكامهم من كل قضية. سل عنهم جبال الهندكوش في أفغانستان في زمني جهاد السوفييت والأمريكان، وسماء سراييفو في البوسنة، وأحراش القوقاز، ونخيل العراق، وزيتون إدلب وغيرها، ستجد رائحة مسك فوّاحة مصدرها أشلاء مُزقت في سبيل الله ودماء روت ديار الإسلام شرقاً وغرباً.. معاني لن يشعر بها ويتذوقها ويستحضرها إلا من عايشها بعد أن أكرمه الله بالنفير والجهاد.

من أفغانستان إلى القوقاز والبلقان

البداية كانت من ظاهرة جهاد الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي. وقتها، فتحت دول الخليج وغيرها الباب على مصراعيه للجهاد في أفغانستان، فاعتلى قمة مراتب المجاهدين النافرين عدداً، على وفق شهادات ميدانية كثيرة ودراسات أكاديمية رصينة، أصحاب الجنسية السعودية ثم اليمنية ثم دول أخرى، تقدر أعدادهم بـ5000 سعودياً و3000 يمنياً. فيما كانت الجزائر ومصر في صدارة عدد الشهداء، ثم السعوديين ثم الليبيين بحسب قائمة أعدها أسامة بن لادن ونشرتها صحيفة frontier post الباكستانية في عام 2000م. البعض يقول إن أنظمة العرب لاسيما السعودية شجّعت الشباب على الذهاب إلى الجهاد في أفغانستان، وخفّضت ثمن تذاكر الطيران، وعبّأت المجتمع، وهذا صحيح، بيد أنه في كل الأحوال، لم يكن أمراً إلزامياً، ولم يكن الخروج للاستجمام في المالديف أو السياحة في بانكوك. 

لاحقاً، مع تفكك الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وغيرها، اشّتعلت جبهاتٌ أخرى، أشهرها البوسنة والقوقاز. في البوسنة، تعرض مسلموها لمقتلةٍ كبيرة، فنفر للجهاد بها مسلمون من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، كان السعوديون ربعهم عدداً، وأكثرهم عدداً وفقاً لدراسة عن المقاتلين السعوديين في سوريا، نشرها مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية وست بوينت في 2014م.

وفي حربي استقلال الشيشان الضارية مع روسيا في منتصف ونهاية التسعينيات -مجدداً- لمع رجال وشباب جزيرة العرب كمّاً وكيفاً، ولكن هذه المرة على مستوى القيادة وليس فقط الجندية، في طليعتهم القائدين خطاب وأبو الوليد الغامدي وكذلك القاضي أبو عمر السيف وغيرهم. وقدموا نموذجاً حسناً لمجاهدين مهاجرين منخرطين في قضايا أمتهم ومنضبطين تنظيمياً وسياسياً. الأعلام المذكورة أسمائهم استشهدوا جميعاً على أرض القوقاز، بعد خوضهم غمار الحرب في عدة بلدان… هناك، على بعد آلاف الكيلومترات عن موطنهم الأصلي.

ثم بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001م، ودخول جل العالم عصراً جديداً، وتأسيس تحالف دولي عريض لـ”محاربة الإرهاب”، واستباحة هذا التحالف المؤلف من عشرات دول الغرب والشرق لأفغانستان والعراق، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في قمة جبروتها، وانحناء أكثر دول العالم حتى الصين وروسيا لهذه العاصفة العاتية غير المسبوقة، وتنسيقها مع من يقودها. مرةً أخرى، أكبر عدد مجاهدين نافرين للجهاد في العراق ضد الاحتلالين الأمريكي والإيراني، هم حملة الجنسية السعودية دون منازع، ثم الليبية والسورية، بحسب سجلات سنجار التي سيطر عليها جيش أمريكا في عام 2007م. والجديد هذه المرة، أن السعوديين كانوا رقم واحد في قوائم منفذي العمليات الاستشهادية التي أثخنت في المحتلين أيُّما إثخان. 

الربيع العربي

نأتي إلى الربيع العربي، لاسيما ثورة سوريا، لنجد في صدارة الوافدين إلى الجهاد، أبناء جزيرة العرب، وأكثرهم سعوديين وبعضهم قادة مؤثرين، خاصةً في السنوات الأولى، قبل أن تتفوق عليهم جنسيات أخرى، في مراحل لاحقة بدءاً من 2015م، بالأخص التونسية. 

بناءً على ما سبق، تجب الإشارة إلى عدة نقاط مهمة، الأولى: استمرار مدد أبناء الحرمين البشري الكبير لمختلف الساحات في مختلف المراحل الزمنية، بقطع النظر عن تغير الزمان أو اختلاف سياسات الحكام في كل مرحلة، هل هي مع أم ضد نفير الشباب للجهاد. ثانياً، لعل هذا مرتبط بلحظة التأسيس وما يترتب ويبنى عليها من وشائج وعلاقات في كل عمل بشري. فمن المعلوم أن ظاهرة الجهاد المنظّم العابر للحدود في هذا العصر كانت في أفغانستان في الثمانينيات، وكان مجاهدي السعودية في المرتبة الأولى عدداً كما ذكرنا سابقاً. ثالثاً، الإحصاءات المذكورة ليست للمقارنة مع شعوب أخرى أو تفضيل بعضها على بعض، فكثير من مجاهدي الدول الأخرى كانوا منغمسين في ثوراتهم الجهادية ضد محتلين أو متفرعنين كما في سوريا وفلسطين وليبيا والجزائر وغيرها. رابعاً: لا شك أن لكل ظاهرة حسنة جوانب سيئة، مثل الجواسيس والانتهازين وأصحاب مصالح ومنحرفين فكرياً وسلوكياً كالخوارج الذين أرهقوا المجاهدين في ساحات مختلفة، وهؤلاء لا تخلوا منهم ساحة، ونسبة السعوديين منهم ليست قليلة، بيد أن هذا الأمر لا ينسف سجلهم الحافل في نصرة قضايا أمة الإسلام على مدار أربعة عقود على امتداد العالم الإسلامي.  

إذن، بعد هذه الجولة السريعة في ساحات جهاد مختلفة، لا يكاد يختلف أحد أن ظاهرة مجاهدي بلاد الحرمين علامة فارقة في تاريخ الجهاد المعاصر، عدداً وأثراً على مستويي الجند والقادة، بدءاً من أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، ومروراً بالبوسنة والشيشان في التسعينيات، وأفغانستان مرة أخرى والعراق في مطلع الألفية، وصولاً إلى ربيع العرب لاسيما ثورة سوريا منذ 2011م وإلى الآن. 

لماذا نأتي على ذكر ذلك؟

قد يتساءل القراء ما مناسبة وأهمية ذكر حقائق متعلقة بسيرة مجاهدي جزيرة العرب في أربعة عقود خلت؟

والجواب أنه لا يخفى عليكم حالة الاستقطاب الحادة الحالية بين بعض التيارات والقوى بل وقسم من الشعوب السنّية نتيجة سياسات إيران من جهة، وتوجهات بعض دول الخليج من جهة أخرى. فالبعض كما ذكرت في المقدمة لا يذكر جزيرة العرب إلا في سياق الذم والازدراء، فهي بلاد التطبيع مع إسرائيل، والتبعية للغرب، وشيوخ السوء الموالين للأنظمة، وفي أحسن الاحوال أرض الاستضعاف والسجون للمصلحين، أو البطولات الفردية لعدد محدود جداً من الرموز الكبيرة، ويرسم صورة نمطية لزي أهل جزيرة العرب (الجلباب والعقال) رمزا للذل.

وفي المقابل يسلطون الكشّافات الضخمة على قتال بعض أتباع إيران لإسرائيل في سنوات قليلة.  وهذا أمرٌ، عدا عن أنه مجافي للحقائق الثابتة، خطيرٌ للغاية، وزرعٌ لفتنة جديدة بين إخوة الدين والسنّة واللسان، واستعداء لخزان بشري مهم للعمل الإسلامي بكآفة مجالاته ومساراته، وفي طليعته الجهاد، أقصد شباب ورجال جزيرة العرب، في مقابل مد الأيادي والحرص الحثيث على مؤاخاة أو التحالف مع طائفة، حاضنتها لم تقدم شيئاً يذكر لقضايا الأمة عامةً مقارنة برجال بلاد الحرمين، سوى بعض هتافات ومسيرات القدس في طهران وغيرها.. فضلاً عن أنه لم تصدر إلى الآن مبادرات من دعاتهم ونخبهم ومفكريهم بالبراءة من جرائم دولة إيران في حق عدة شعوب مسلمة، من أفغانستان شرقاً إلى سورياً غرباً.

وصدق الله القائل: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم). 

 I. Hussain, “Osama Prepares List of Arab Martyrs of Afghan Jihad,” The Frontier Post (Peshawar), October 13, 2000. 

 Aaron Y. Zelin, “The Saudi Foreign Fighter Presence in Syria,” CTC Sentinel 7, no. 4 (April 2014), Combating Terrorism Center at West Point 

 Joseph Felter and Brian Fishman, “Al-Qaida’s Foreign Fighters in Iraq: A First Look at the Sinjar Records,” Combating Terrorism Center at West Point, January 2007. التقرير الأصلي – CTC West Point