متغيرات المشهد الحزبي التركي وتأثيراته بعيدة المدى

الوقت اللازم للقراءة:
9 minsتزامن احتفال حزب العدالة والتنمية بمرور 25 عاماً على تأسيسه، وحكم تركيا بشكل منفرد منذ السنة التالية على التأسيس (2002)، مع تطورات مهمة وذات دلالة في المشهد الحزبي في البلاد وتحديداً في أحزاب المعارضة الأساسية، ما يلقي بظلاله ويمكن أن يكون له تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على المدى البعيد على ملفات حيوية في البلاد مثل حل المسألة الكردية والانتخابات الرئاسية المقبلة وصياغة دستور جديد.
الانتخابات الأخيرة
انتقلت تركيا عام 2018 للنظام الرئاسي الذي كان أقر في استفتاء شعبي في نيسان 2017، وهو ما يعني تراجع قوة الأحزاب السياسية وتأثيرها في الحياة السياسية عما كانا عليه في النظام البرلماني الذي ساد في البلاد منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 وحتى 2018. يضاف لذلك أن تفاصيل النظام الرئاسي الذي سرى تطبيقه منذ ذلك يمنح صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية الممثلة بالرئاسة على حساب السلطة الرقابية للبرلمان من قبيل عدم حاجة وزراء الحكومة لثقة مجلس الأمة التركي الكبير (البرلمان) وعدم قدرة الأخير على سحبها منهم أو حتى استجوابهم حضورياً (المتاح توجيه أسئلة مكتوبة لهم فقط).
ورغم ذلك، يبقى للأحزاب السياسية حضورها وثقلها ودورها في الحياة السياسية التركية، وخصوصاً في الملفات التشريعية الاعتيادية مثل إقرار الموازنة وسن القوانين العادية التي تسن بالأغلبية البسيطة (301 صوت من أصل 600)، وكذلك التعديلات الدستورية المهمة التي تحتاج لإقرارها من البرلمان لنسبة الثلثين (400 صوت) أو نسبة 60% (360 صوتاً) لعرضها على استفتاء شعبي، وهو ما يمنح التركيبة الحزبية ومنظومة التحالفات أهمية إضافية في السياق التركي الحالي.
في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2023، حل حزب العدالة والتنمية في المركز الأول حاصلاً على نسبة 35.6% من الأصوات بواقع 268 مقعداً في البرلمان، والشعب الجمهوري ثانياً بنسبة 25.3% من الأصوات بواقع 169 مقعداً، وفاز الحركة القومية بنسبة 10% من الأصوات و 50 مقعداً، فالحزب الجيد بنسبة 9.6 43% مقعداً، فحزب “الخضر ومستقبل اليسار” (الممثل للتيار اليساري الكردي وبديل حزب ديمقراطية ومساواة الشعوب) بنسبة 8.8% من الأصوات و61 مقعداً.
وبنتيجة الانتخابات حصل تحالف الجمهور الذي يقوده الرئيس أردوغان على نسبة 49.47% من الأصوات و323 من مقاعد البرلمان (بحساب نسبة الحركة القومية وحزب الرفاه مجدداً)، أي أنه كسب الأغلبية البرلمانية (323 من أصل 600 مقعد) التي تسمح له بسن القوانين. في المقابل حصل تحالف الأمة المعارض المشكّل من الشعب الجمهوري والحزب الجيد على نسبة 35% من الأصوات و 212 مقعداً، وتحالف العمل والحرية (اليساري الكردي) على نسبة 10.5% من الأصوات و65 مقعداً.
إضافة لما سبق، فقد خاضت أحزاب إسلامية ومحافظة الانتخابات على قوائم حزب الشعب الجمهوري المعارض، وهي أحزاب السعادة، والمستقبل بقيادة رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، والديمقراطية والتقدم برئاسة الوزير الأسبق علي باباجان (القياديان المنشقان عن حزب العدالة والتنمية)، وحصلت هذه الأحزاب على 9 و 15 و10 نواب على التوالي.
تغير المشهد
يتيح الدستور التركي تشكيل “كتلة برلمانية” من 20 نائباً بالحد الأدنى، ما يمنح هذه الكتلة حقوقاً قريبة من الأحزاب السياسية التي تخطت العتبة الانتخابية ودخلت البرلمان. وبناء على ذلك فقد شكلت الأحزاب الثلاثة، السعادة والمستقبل والديمقراطية والتقدم منذ بداية 2025 كتلة “الطريق الجديد”.
وقد تعرض عدد نواب الكتلة للتراجع بشكل مستمر بسبب الوفاة وبشكل أكبر بسبب الاستقالات، ليقف عدد نوابها مؤخراً عند 20 نائباً فقط، أربعة من حزب المستقبل وثمانية لكل من الحزبين الآخرين، ما يعني خسارتها صفة “كتلة برلمانية” في حال استقالة أو وفاة ولو نائب واحد منها.
في 29 تموز 2026، أعلن داود أوغلو عن وقف نشاط حزب المستقبل واعتزاله الحياة الحزبية في تركيا، في منشور مطوّل على منصة إكس، وجّه فيها انتقادات للحياة السياسية والحزبية في تركيا، ولم يغفل إقرار الفشل في تحقيق حضور أو اختراق مهم في الحياة السياسية التركية. فتح وقف نشاط حزب المستقبل الباب على سؤال مستقبل الكتلة البرلمانية، في ظل تكهنات بإمكانية استقالة أحد أو بعض نواب الحزب وانضمامهم للعدالة والتنمية، وأحاديث غير مؤكدة عن رغبة أحزاب المعارضة الأخرى -ولا سيما الشعب الجمهوري- بدعم بقاء الكتلة من خلال “وهبها” نائباً برلمانياً باستقالته من حزبه وانضمامه صورياً ورسمياً لأحد الحزبين الباقيين.
التطور الأهم تمثل بانشقاق كبير وعامودي في حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حيث أعلن رئيسه السابق أوزغور أوزال استقالته في 21 تموز 2026، ووقّع وثائق تأسيس “الحزب الجديد” في 24 من الشهر ذاته. وكانت محكمة تركية قد قضت بإلغاء المؤتمر الأخير للحزب الذي انتخب أوزال رئيساً، بدعوى حصول تلاعب بالتصويت وضغط على أعضاء الهيئة العمومية المشاركين فيه، معيدة الرئيس السابق كمال كليجدار أوغلو مؤقتاً لرئاسة الحزب لحين تنظيم مؤتمر عام جديد تتخلله انتخابات رئيس جديد.
الخلافات الداخلية في الحزب المعارض، واليأس من إمكانية الإصلاح الداخلي، وضعف فرصه في العودة لرئاسة الحزب من خلال الانتخابات، دفعت أوزال لتأسيس الحزب الجديد الذي انضم له معه 91 نائباً برلمانياً، أي أكثر من نصف نواب الشعب الجمهوري سابقاً.
أدخل هذا الانشقاق حزب المعارضة الأكبر في البلاد في حالة من الفوضى والتراشق والانشغال بالمشاكل الذاتية عن ممارسة المعارضة ضد أردوغان والعدالة والتنمية، رغم أنه من المتعذر استشراف المآلات النهاية لهذا الانشقاق بين الضعف والقوة وحتى عودة الوحدة بين الحزبين على المدى البعيد. فضلاً عن ذلك، لا يضمن الحزب الجديد، الذي تحول لأكبر أحزاب المعارضة من حيث عدد النواب في البرلمان، خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، تحديداً في حال تبكيرها، إذ يشترط الدستور لذلك ان يكون قد شكّل فروعه التنظيمية في أكثر من نصف محافظات البلاد وأن يكون قد نظّم مؤتمره العام قبل الانتخابات بستة أشهر على الأقل.
في مقابل هذه التطورات وغيرها في جبهة المعارضة، ومن بينها تراجع حضور وقوة الحزب الجيد بعد استقالة رئيسته السابقة ميرال أكشنار بعد الانتخابات الأخيرة، يبدو العدالة والتنمية أكثر تماسكاً وأقوى حضوراً. ساهم في ذلك تطورات داخلية وخارجية مهمة، مثل سقوط نظام الأسد في سوريا ومسير مشروع “تركيا بلا إرهاب” لحل المسألة الكردية الداخلية بدون عقبات تذكر حتى اللحظة، كما ساهم فيه كذلك استقالة عدد كبير من نواب البرلمان ورؤساء البلديات من الأحزاب الأخرى وانضمامهم إليه، حيث وصل عدد نوابه اليوم في البرلمان إلى 280.
هيمنة العدالة والتنمية
ملخص ما سبق من تطورات حزبية داخلية أن حزب العدالة والتنمية، وبعد 25 عاماً من تأسيسه، قد وصل إلى قمة القوة الداخلية مقابل أحزاب المعارضة، بانشقاق خصمه التقليدي (الشعب الجمهوري)، وحلِّ منافسه الأيديولوجي (المستقبل)، وتراجع قوة أكبر معارضي حل المسألة الكردية (الحزب الجيد)، وتعزز تحالفه مع ممثل الدولة العميقة (حزب الحركة القومية)، وتحول علاقته مع الحزب “الكردي” من الخصومة إلى التنسيق والتعاون.
من زاوية حسابية، باتت أغلبية تحالف الجمهور في البرلمان مريحة أكثر لأردوغان والعدالة والتنمية، لكنها لم تصل بعد لنسبة 60% المطلوبة لتحويل أي تعديل دستوري إلى استفتاء شعبي (لا يتوقع أن يخسره أردوغان وحلفاؤه)، وإن اقترب منها قليلاً. بيد أن دعم أي حزب كبير، مثل الشعب الجمهوري أو ديمقراطية ومساواة الشعوب، سيكون كفيلاً بتمرير التعديل المطلوب إما مباشرة أو بعد إحالته على الاستفتاء الشعبي.
المسألة الكردية
بعد عقود من حربه الانفصالية ضد تركيا، أعلن حزب العمال الكردستاني عن وقف عملياته ثم حل نفسه، ضمن مسار أسمته الحكومة التركية “تركيا بلا إرهاب”، وسلّم مقاتلوه أسلحتهم في مشهد رمزي لحرق هذه الأسلحة في شمال العراق.
اليوم، تقف تركيا أمام استحقاق دستوري لاستكمال مسار الحل المتعلق بالأبعاد الأخرى غير العسكرية، وكذلك مصير منتسبي الحزب، وكان آخرها إقرار البرلمان مساء الإثنين 10 آب 2026 قانون “تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي” الذي يشمل تأجيل التحقيق والتوقيف والأحكام المتعلقة بجرائم ترتبط بالانضمام للمنظمة الانفصالية بعد استكمال المسار الأمني حتى نهايته.
إقرار هذا القانون بموافقة 467 نائباً من أصل 600، أي أعلى من نسبة الثلثين، يمنح منسوب ثقة عالياً لاستكمال هذا المسار حتى نهايته لتتخلص تركيا من ملفها الأمني الأثقل تقليدياً، والأهم أنه يعطي كذلك نموذجاً لما يمكن إنجازه وإقراره في البرلمان في حال التوافق على ملفات وتعديلات قانونية ودستورية أخرى.
الدستور
تتفق مختلف الأحزاب السياسية التركية على ضرورة صياغة دستور مدني جديد للبلاد ليحل مكان دستور عام 1982، الموصوف بأنه “دستور الانقلاب” بالإشارة لظروف ما بعد انقلاب عام 1980، لكنها تختلف فيما بينها على أولويات الدستور الجديد وبعض مواده وتحديداً ما يتعلق بتوصيف المواطنة وبعض الجوانب الثقافية/الهوياتية.
التنسيق الأخير بين العدالة والتنمية وديمقراطية ومساواة الشعوب، الداعم للمسار القانوني في البرلمان وناقل رسائل زعيم الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان بدعم ومباركة الحليف القومي دولت بهجلي زعيم الحركة القومية، كل ذلك يوحي بإمكانية تخطي بعض العقبات في هذا الإطار إذ سيمكّن من تخطي نسبة %60 على أقل تقدير، خصوصاً وأن الدستور الجديد (أو تعديلاً دستورياً واسع النطاق) يفترض أن يشتمل على بعض التعديلات المتناغمة مع مشروع “تركيا بلا إرهاب” الذي يتفق الجانبان على ضرورة إنجاحه.
ولا ينفصل هذا المسار الداخلي عن امتداده السوري؛ فدعوة أوجلان إلى حلّ حزب العمال الكردستاني ألقت بثقلها على «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تعدّها أنقرة امتداداً للحزب. فبعد اتفاق 10 آذار 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، ثم اتفاق 29 كانون الثاني 2026 الذي رسم خريطة طريق للاندماج برعاية أمريكية وتركية، مضى دمج قسد في الجيش والمؤسسات السورية تدريجياً، وحُصرت أسلحتها الثقيلة والمتوسطة ومخازنها ونُقلت إلى عهدة وزارة الدفاع.
وتُوّج المسار بإعلان مظلوم عبدي، في 25 آب 2026 من قصر الشعب في دمشق، حلَّ قسد قوةً عسكرية مستقلة وإنهاء الإدارة الذاتية واندماجها الكامل في الدولة. وبذلك يُغلق أحد أعقد الملفات الإقليمية المتشابكة مع الأمن القومي التركي، وتُنزع عقبة خارجية طالما أثقلت مشروع «تركيا بلا إرهاب»، بما يصبّ في رصيد الزخم الذي يركبه أردوغان وحزبه داخلياً وإقليمياً في آنٍ.
وبهذا المعنى، قد تكون تركيا لأول مرة منذ 1982 أمام فرصة حقيقية لإلغاء الدستور الحالي بكل عيوبه وتناقضاته، التي لم يستطع زهاء 20 تعديلاً سابقاً أكثرها في عهد العدالة والتنمية أن ينقحها أو أن يغير صبغته “العسكرية”.
الانتخابات
دستورياً، لا يحق للرئيس أردوغان أن يرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية عام 2028، لأنه استوفى فترتين رئاسيتين متتاليتين بعد إقرار النظام الرئاسي، فضلاً عن فترة رئاسية أولى قبله صُفّرت بعد التعديل الدستوري المذكور عام 2017.
في المقابل، يؤكد حزب العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية على أن مرشح الحزب وتحالف الجمهور للانتخابات الرئاسية المقبلة هو الرئيس أردوغان لا غيره. الحل لهذه المعضلة الدستورية يكمن في تبكير الانتخابات، وهذا له مساران.
الأول، أن يدعو البرلمان -وليس الرئيس- لتبكير الانتخابات الرئاسية والتشريعية بنسبة %60 من أعضائه، أي بموافقة 360 برلمانياً، حيث ترى المادة الدستورية (رقم 116) ذلك خصماً من حق الرئيس في استكمال مدته الرئاسية وبالتالي تمنحه حق الترشح مجدداً. وأما الثاني فيكمن في دستور جديد أو تعديل دستوري يشمل بين مواده إتاحة الفرصة مرة أخرى لترشح “رؤساء سابقين” أو “تصفير” عدد مرات الترشح كما حصل سابقاً مع إقرار النظام الرئاسي.
وبالنظر إلى أن مسار التعاون في حل المسألة الكردية قد يشمل كتابة دستور جديد أو تعديلاً دستورياً واسعاً، يُنظر في تركيا على نطاق واسع بأن مسألة ترشح الرئيس أردوغان ستكون متاحة دستورياً بهذا الشكل، فضلاً عن احتمال التوافق على تبكير الانتخابات عبر تصويت البرلمان كما سلف ذكره (ودعم الحزب “الكردي” بالحد الأدنى لذلك).
في الخلاصة، فإن التطورات الحزبية الداخلية، وخاصة مشاكل أحزاب المعارضة مقابل ارتفاع عدد نواب العدالة والتنمية، مضافاً للتنسيق مع أحزاب أخرى كانت خصماً للأخير حتى وقت قريب، يحيل على حالة من القوة والهيمنة لحزب العدالة والتنيمة الحاكم على الحالة السياسية التركية لم تتوفر لأي حزب آخر باستثناء حزب الشعب الجمهوري خلال فترة حكم الحزب الواحد (1923 – 1946) التي لا يقاس عليها بطبيعة الحال.
ورغم أن ذلك قد لا يعني بالضرورة تأثيراً مباشراً على نتائج الانتخابات المقبلة، الرئاسية والبرلمانية، إلا أن حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان سيسعى إلى استثمار هذه الحالة بالشكل الأمثل له، من حيث إتاحة الفرصة لترشح أردوغان مجدداً وكذلك تبكير الانتخابات لضمان ذلك أولاً ثم لاستثمار حالة الانشغال الداخلي والفوضى التي تعم خصمه الرئيس حزب الشعب الجمهوري وتوأمه الغريم “الحزب الجديد”. وهو ما يعني في الخلاصة أن حزب العدالة والتنمية ما زال مستمراً في مسيرته بقيادة أردوغان على عكس الكثير من الأحزاب التي تعرضت مع طول مدة الحكم للترهل والتآكل والتراجع ثم خسارة الحكم، وتحديداً في تركيا.
- احتجاز إمام أوغلو ومحاكمته وإلغاء شهادته: الشرق الأوسط، آذار 2026.
- استقالة أوزال وتأسيس «الحزب الجديد» بـ91 نائباً: الجزيرة نت، 21–24 تموز 2026.
- قانون «تعزيز التضامن الوطني» بـ٤٦٧ صوتاً: الجزيرة نت، آب 2026.
- اعتزال داود أوغلو وإنهاء نشاط حزب المستقبل، ترك برس: 29 تموز 2026.

