في نقد الألسن المنهوبة: احتلال المفاهيم وسلطة التسمية

آخر تحديث: 30 أغسطس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

6 mins

غمس ابن الأثير قلمه وكتب عن قومٍ نزلوا بساحلِ الشامِ يَقتلون ويحرقون، فسمّاهم بما عرف من حالهم «الفرنج» ثمّ مرّت قرون متتابعات، فإذا الصبيُّ في مدرستنا اليوم يفتحُ كتابه فيقرأ عن «الحروب الصليبية»، بالاسم الذي نحته الغازي لنفسه، لا بالاسم الذي أنزله المؤرّخ بعدوّه.. فصار الغازي من يُسمّي، وصرنا نحن نحفظُ ونُعيد.

كشف إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» أنّ الغرب لم يحكم الشرق بالمدفع وحده، وإنما بأن صاغه وسمّاه ورتّبه في قواميسه، إذ من ملك الاسم ملك المسمّى، ومن احتكر التعريف أنزل خصمه منزلة المُتلقّي الذي لا يملك من أمره إلّا أن يستهلك ما يُصاغ له. وقد سبق ابن خلدون إلى لُب المسألة حين قرّر أنّ «المغلوب مُولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب» في شعاره وزِيِّه ونحلتِه وسائر أحواله، وأوّل أحواله لسانه. والعجيب أنّك تُردّد ألفاظ الغالبِ راضياً مطمئناً، ولا تسأل نفسك يوماً: من الذي سمّى؟

استرداد المغلوب قلمَه

على أنّ المغلوب قد ينتزع القلم أحياناً فيكتب بيده وهذه شارعة خروجه من حالة الغُلب إلى الغلبة، ففي أيلول من عام 2024م، أعلن وزير التربية الوطنية التركيُّ يوسف تكين مراجعةً شاملةً للمناهج الوطنية تحت عنوان «نموذج القرن التركي للتعليم»، أسقط فيها مصطلح «الحروب الصليبية» وأحل محلّه «هجمات الصليبيين»؛ فلفظ «الحرب» كما قال يوهم بتكافؤٍ بين خصمين، والحق أنّها كانت عدواناً لا حرباً. ولم يقف عند المعارك، إذ جاوزها إلى الجغرافيا، فمحا عبارة «الاكتشافات الجغرافية» وكتب مكانها «بداية الاستعمار»، بمحاججته أنّ العالم لم يُكتشف ليُحتفى بمن اكتشفه، وإنّما استُعمر (وحتى هذه في من البأس الشيء الكثير نأتي على ذكرها في حينها) فليُسمَّ الأمر باسمه.

من «الصليبيين» إلى «الفرنجة»

ولو مضينا في الدرب الذي فتحه الأتراك، لوجدنا في مدوّناتنا القديمة ما هو أدقّ من «الصليبيين» ومن «هجماتهم» جميعا، فمؤرّخونا المتقدّمون، وفي طليعتهم ابن الأثير وابن القلانسيّ والعماد الكاتب الأصفهانيّ، ما عرفوا «الحروب الصليبية» البتّة، وإنّما كتبوا عن «الفرنجة» و«حروب الفرنجة». وفي الاسم فرق ليس بالهيّن، فـ«الصليب» يُلبس الحملة ثوب العقيدة والقداسة، ويُسبغ على نهب المدائن وسفك الدماء هالة رومانسية من فداء ونذور، أمّا «الفرنجة» فيردّ الظاهرة إلى نصابها، قوم لهم مواطن وأنساب وأطماع، جاؤوا من جهة بعينها لغرض بعينه.

وقال رأينا كيف أنّ الأطماع هي المحرّكة لهذه الحملات، فأوربان الثاني بابا الفاتيكان خشي لكثرة الأعداد أن ينشغل ملوك أوروبا ببعضهم، فعمد إلى الترويج لاضطهاد الحجّاج النصارى لا سيما بعد سيطرة السلاجقة الأتراك على المنطقة وهزيمة البيزنطيين على يدهم بقيادة ألب أرسلان في معركة «ملاذ كرت». وأخذ يحرض الملوك، ومن جهة أخذ بطرس الناسك يحرّض العامة للالتحاق بجيوش الحملة، حتى كان ما كان. فهي وإن كان شعلة عامتها الحراك الديني الملتهب بسبب البروباغاندا، إلا أنّ دوافع الساسة والملوك ملك الدنيا لما سمعوه عن غنى الشرق ومتاعه، وقد تجلّى ذلك فيما صارت إليه بلاد الشام لما استوطنوها بصراع مع أصحاب الأرض.

بين «الشرق الأوسط» و«الأرض الوسطى»

وليس «الشرق الأوسط» إلّا حبلاً آخر من حبال هذا الأَسر، فالمصطلح لم ينبت في أرضنا، وإنّما صاغه استراتيجيّو الغرب في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، وعلى رأسهم الضابط البحريّ الأمريكيّ آلفريد ماهان (Alfred Mahan) سنة 1902م، ثمّ رسّخته ترتيبات «سايكس–بيكو» لتأطير مناطق النفوذ. ومداره كلّه على مسافة تفصل أقاليمنا عن عواصم أوروبا، فصرنا «شرقاً» لأنّ لندن وباريس نصّبتا نفسيهما مركز الأرض الذي منه تُقاس الجهات، فأنت حين تقول «الشرق الأوسط» تُقرّ -من حيث لا تدري- أنّك على الطرف، وأنّ المركز هناك، خلف البحر.

وأصدق منه اسم ينبع من الأرض نفسها، «الأرض الوسطى»، فهي وسطى بالجغرافيا، إذ تقع في قلب العالم القديم، حلقة وصل بين أقصى الشرق وأقصى الغرب. ووسطى بالعقل والمزاج، إذ توسّطت بين روحانية منصرفة عن عمارة الأرض، ومادية غربية لا ترى سوى الأرض. ووسطى بالرسالة، إذ كانت مهبط النبوات ومحطّ الرسالات التي جمعت الأمم وورّثت الناس حكمتهم.

فأيّ الاسمين أليق بها، أطرف يُقاس من لندن، أم قلب يُقاس منه العالم كلّه؟

«استعمار» أم «استخراب»

ويبلغ العبث مداه حين ينزلق إلى صميم مفرداتنا السياسية، فنصف الهيمنة العسكرية الغربية على إفريقيا وآسيا بـ«الاستعمار»، ومادة «عَمَرَ» في لسان العرب للبناء والإصلاح وطلب العمارة، وهو نقيض ما جرى تماماً، من تهجير ونهب ثروات وسحق للبنى الاجتماعية، فأيّ عمارة في كلّ هذا الخراب؟ أصدق منه إن صدق «الاستخراب»، فالقوى الغازية قصدت إلى تخريب العمران المحلّيّ وإشاعة التبعية، لا إلى بنائه، بل إنّ الأتراك حين استبدلوا «الاكتشاف» بـ«الاستعمار» قاربوا الحقيقة ولم يبلغوها، فحتى «الاستعمار» فيه مُجاملة للغازي بلفظ يحمل في جذره معنى البناء، والأولى أن يُقال بلا تجميل استخراب.

وعلى المنوال نفسه صيغ «الاحتلال العثماني»، أو اختُزل ذلك العهد كلّه في وصمة «الاستبداد»، وهو قسر لغويّ يتجاهل طبيعة الدولة العثمانية خلافة جامعة ضمّت ولايات شتّى تحت راية واحدة، والفرق شاسع بين حكّام مسلمين تقلّبت أيّامهم بين عدل وتقصير، وبين احتلال أجنبيّ يقصد اقتلاع الهوية وسلب المقدّرات. فإطلاق لفظ «الحكّام» أو «السلاطين» على الوجود العثمانيّ يضع الأحداث في نصابها، ويردّ عنها سهام من أرادوا فصم ذلك التداخل الحضاريّ الممتدّ.

نستعير اسمنا من غيرنا

ويطال التحريف أسماءنا لأنفسنا، فالقطر المصريّ يُعرَف في المأثور الساميّ واللسان العربيّ باسم «مصر»، اسم يحمل معاني التحصين والعمارة والسعة، وفي المقابل يُصرّ العالم الغربيّ على لفظة (Egypt)، المشتقّة من التسمية اليونانية القديمة (Aígyptos)، التي تذهب أشهر الأقوال إلى أنّها تحوّرت عن اسم معبد إله الفراعنة بتاح «حوت كا بتاح» في منف القديمة، ومن الأصل ذاته جاء اسم «القبط» ثمّ «الأقباط»، فأنت حين تُسمّي بلدك بما سمّاه به اليونان ثمّ ورثه عنهم الأوروبيّون، إنّما تُخاطب نفسك بلقب صاغه لك سواك.

وتكمن الأزمة في تسلّل هذه الأسماء الوافدة إلى خطابنا دون تمحيص، حتى تصير ألقاب الآخرين للذات هي المعتمَدة رسميّا في أفواهنا نحن، وقريبٌ من ذلك لو سلكناه ما فعلته الهند إذذ قدّمت في المحافل الدولية اسمها التاريخيّ الأصيل «بهارات» (Bharat) على الاسم الموروث عالميّاً وألزمت العالم أن يُخاطبها بما تُسمّي به نفسها.

كيف يُستعبد العقل بالكلمة

ولهذا الأَسر حيل يمشي بها في الناس بلا ضجيج، أوّلها إلباس الانحياز ثوب العلم؛ فتُساق المفاهيم الاستعمارية باعتبارها مصطلحات أكاديمية محايدة، حتى يبدو نقدها خروجا على العلم نفسه. وثانيها التكريس المؤسّسيّ والإعلاميّ؛ فتُدرج في المقرّرات ووسائل الإعلام، فتنشأ عليها الأجيال وتستدمجها حتى تصير من بديهيات التفكير، وثالثها -وهو أخطرها- حجب البدائل؛ فكثرة تداول القاموس الغازي تُضيّق أفق الخيال اللغويّ، لحطتئذ يعجز الباحث عن ابتكار لفظ يطابق واقعه، فلا يجد في يده إلّا معجم خصمه.

والطريق إلى الخلاص معلوم وإن طال، تنقية الكتب والإعلام من المصطلح الوافد، ونسج على منوال المبادرة التركية في مراجعة ألفاظ التاريخ والسياسة، وتفعيل الجامعات والمجامع اللغوية لسكّ مقابلات نابعة من بيئتنا تُحل محل الوافد، وفرض أسمائنا الأصيلة للأماكن والأقاليم في وثائق الدولة وترجماتها الموجّهة إلى الخارج، كما فعلت الهند ببهارات.

اللسانُ أوّلُ الحصون

تظل الكلمة أوّل ميادين التحرّر وآخرها؛ فالأمّة التي تُسلم لسانها لغيرها تصوغه تنتهي إلى أن ترى الدنيا بعين خصمها، وتُحاكم نفسها إلى معجمه، وتُصفّق لأحكامٍ صيغت عليها بلغةٍ ليست لها، والاعتزاز بمصطلحٍ أصيل -«حروبِ الفرنجة»، و«الأرضِ الوسطى»، و«الاستخراب» على حقيقتِه، و«مصر» و«بهارات»- ليس إلا ركيزة وعيٍ حرٍّ لا يستعيرُ نظرته إلى ذاته من أحد. فسائل نفسك، وأنت تُردّد ما تُردّد: بأيّ لسانٍ تُفكّر؟ ولمن كان القلم يوم سُمّيت وسُمّي عدوك؟ فمن عرف الجواب، عرف من أين تشرع المعركة.