هل انقلب الرئيس الشرع على الإسلاميين؟

آخر تحديث: 27 أغسطس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

8 mins

أشعلت انتقادات رئيس سوريا أحمد الشرع لنهج بعض التيارات الإسلامية في مقابلته الأخيرة مع الإعلامي علي الظفيري على قناة الجزيرة فتيل سجالٍات حادٍة، وأعادت إلى الأذهان تصريحاته نسبت له قبل عامٍ تقريباً، من أنه ليس امتداداً للأحزاب الإسلامية سواءً كانت من الإخوان مسلمين أو من التيارات الجهادية.  البعض اعتبرها انقلاباً صريحاً على ماضيه الجهادي، والبعض رآها تنصلاً من كآفة الإسلاميين في ظل العاصفة الإقليمية والدولية عليهم، والبعض الآخر عدها مجرد مناورةً سياسيةً ريثما تهدأ الحملة الحالية. فأي الخيارات السابقة أرجح؟ أم أن هناك تفسيراتٍ أخرى؟ وهل هو أول المنادين أو المتهمين بذلك من إسلاميي أو جهاديي الثورة السورية وغيرها؟ وهل يعني هذا تخليه عن المرجعية والمشروع الإسلامي برمته؟ السطور القادمة هي محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات.

ولكن قبل ذلك، من الضروري التذكير بأن الإسلامي هو الشخص أو التيار أو الحركة أو الحزب الذي يسعى إلى تنظيم وإدارة سائر شؤون المجتمع والدولة انطلاقاً من مبادئ وقيم وأحكام الإسلام. البعض يرى إمكانية ذلك بالطرق السلمية، ووسيلته الرئيسة في ذلك، المشاركة في الانتخابات والعمل السلمي، والغالب على هذا التيار هم الإخوان المسلمون،  ونحن على مشارف الذكرى المئوية لتأسيس الجماعة، وهم من سيركز عليهم المقال. والبعض الآخر لديه اعتقاد راسخ باستحالة الأمر بالطرق السلمية والدستورية، ويؤمن بضرورة العمل المسلح للوصول إلى هذا الهدف، وهي التيارات والجماعات الجهادية، التي انتشرت في عددٍ من البلاد الإسلامية منذ نصف قرن تقريباً، بدءاً من سبعينيات القرن الماضي. 

“لسنا من القاعدة ولسنا من الإخوان المسلمين ولسنا من حزب التحرير” … كلمات كررها الشيخ حسان عبود، أبو عبد الله الحموي، مؤسس وقائد حركة أحرار الشام في عدة تسجيلات مرئية في عام 2014م.

أما نائبه أبو يزن الشامي الشيخ والمفكر الشاب، فلطالما دندن عن انتهاء صلاحية التيارات الإسلامية المعاصرة بأطروحاتها وهياكلها، بسائر أطيافها، لاسيما التيارات الأم (التي لها مرجعية محددة وانتشار كبير وأتباع كثر في بلدان كثيرة)، بعد استنفاد جميع فرصها للخروج بالأمة من حالة الاستضعاف، وبعد تحولها إلى أحزاب متناحرة، وقد نادى بضرورة التجديد الفكري والحركي انطلاقاً من واقع التدافع الجديد بعد اشتعال ثورات الربيع العربي.

الفكرة السابقة اقتبسها أبو يزن من الشيخ رفاعي سرور المصري، أحد وجوه الجهاديين في مصر، المتوفى عام 2012م، صاحب نظرية الإلكترونات الحرة في الحركات الإسلامية، ومقصده بهذا المصطلح: “المنشقون عن الجماعات الأم”، الباحثون عن سلوك سبل وتأسيس مسارات وحركات ومشاريع جديدة للتمكين للإسلام والمسلمين. الملفت أن الشيخ رفاعي سرور قالها في عز صعود الإسلاميين سياسياً، سواءً أكانوا سلميين مثل الإخوان في مصر وحزب النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية المغربي وغيرها، أم جهاديين مسلحين كما في اليمن وليبيا وسوريا ومالي وغيرها.

إذن، فكرة فك الارتباط تنظيمياً بل وفكرياً بالتيارات الأم ليست فكرة جديدة وليدة الوصول إلى السلطة في سوريا، إنما هي فكرة مثارة منذ السنوات الأولى للثورة في سوريا وخارجها ومن جماعات وشخصيات عدة.   

أما الرئيس الشرع، ففي مقابلته مع الظفيري، وأثناء حديثه عن بدء تفكُّره في سبل المساهمة في إخراج الأمة من حالة الاستضعاف المستمرة، في وقت اشتعال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، تطَّرق لفشل تجارب التغيير في القرن الماضي، وبدأ بالمشروع القومي العربي، ثم أدرف قائلاً: “أيضاً من راهن على كثير من التجارب الإسلامية… وقع في حالات من الانكسار والفشل والضياع…. لذلك لم ألتزم بقواعد الحركات الإسلامية” ثم قرر  في نفس المقابلة: “الالتزام بمسار بعض الأفكار التي كُتبت قبل مائة عام… الالتزام بها وكأنها قواعد دينية تُلزم… لا أؤمن بهذا”

قبلها بشهور، عقد عزام التميمي، أحد أشهر الوجوه الإخوانية، وبعض ضيوفه، حلقةً حواريةً بعنوان “ماذا وراء الدعوات المتتابعة لحل الإخوان المسلمين” في برنامجه “حوار لندن”. الفكرة المركزية للحلقة التي كررها أربعة من المتحدثين الخمسة، أن أمريكا وإسرائيل وبعض الدول الإقليمية، تسعى لحل وتفكيك جماعة الإخوان المسلمين، لأنها أكبر عائق أمام مخططاتهم المعادية في المنطقة، من وجهة نظرهم، وهناك شكوكاً كبيرة، ومؤشرات خطيرة أن الدولة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الشرع تسير بهذا الاتجاه أيضاً. ومما قاله التميمي: الحكم الحالي في دمشق له موقف معادي لكبرى الحركات الإسلامية، وهذا مؤشر آخر مخيف…”. والمؤشر الأول هو العلاقات مع أمريكا والتوجه إلى إسرائيل، على حد وصفهم، أما الثالث فهو الخوف من نظام استبدادي جديد. 

على نفس النغمة، دندن الكاتب ياسر سعد الدين، نجل عدنان سعد الدين، المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين في سوريا، وأضاف متسائلاً في مقالة، نُشرت على الجزيرة نت :”فهل بعد أن تحقق الانتصار وتحررت سوريا من حكم الأسد، علينا أن نكمل مهمة الأسد، ونحقق أمنيته في إقصاء الإخوان عوض مكافأتهم وتقدير دورهم ونقل تجاربهم للأجيال”.

بالعودة عشر سنين إلى الوراء، في عام 2002م، سنجد أنفسنا أمام نموذج آخر، غير بعيدٍ عن سوريا جغرافياً، وهو أول نموذج وُصف أصحابه بأنهم فاتحة حُقبة “ما بعد الإسلامية” أو ما بعد “الإسلام السياسي” على وفق تنظيرات آصف بيات و أوليفر روي وغيرهم من الخبراء في الفكر والحركات الإسلامية.  أعنى هنا تركيا في زمن الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية. 

الحزب كان انشقاقاً فكرياً وتنظيمياً عن الحركة الإسلامية في تركيا. الحزب الجديد صاغ وقدَّم مشروعاً سياسياً جديداً مغايراً، ظاهره: ليبرالي ديمقراطي محافظ، مسالم وساعيٍ للاندماج في المنظومة الدولية سياسياً واقتصادياً، وذلك بعد الإخفاقات المتكررة لإسلاميي تركيا سياسياً بمختلف أحزابهم على مدار عقود. ردة فعل أربكان زعيم الإسلاميين الأتراك وحزبه حزب السعادة وكثير من إسلاميي تركيا والخارج كانت حادة جداً، عنوانها اتهام قادة العدالة والتنمية بالتخلي عن الثوابت الإسلامية، وسحب تركيا لمعسكر الغرب وأمريكا عوضاً عن محيطها العربي والإسلامي، حتى قال أربكان كلمته الشهيرة “السعادة شيء والعدالة والتنمية شيء آخر، الذهب شيء، والصفيح الصدئ شيء آخر”. 

اللافت، أنه في بضع سنين من حكم العدالة والتنمية، وبعد ازدياد قوة الإسلاميين والمتدينين في الدولة والمجتمع، وتقلص نفوذ العلمانيين في الدولة والمجتمع، ناهيك عن الطفرة الاقتصادية والصناعية والتمدد السياسي خارجياً، وزيادة مساحة الاستقلال عن الغرب، تغيرت نظرة كثير من إسلامي تركيا والعالم الإسلامي لأردوغان وحزبه، وأصبح الغالب يراها تجربة ذات نجاحات كثيرة كبيرة، ومهما قيل في نقائصها ومثالبها، فخيرها أكثر من شرها، بالنظر إلى عموم الأمة، وحتى إلى الإسلاميين المعادين للتجربة أو المحايدين. 

في هذا السياق، لعله من الحسن، ذكر ثناء الشيخ الأسير عبد العزيز الطريفي على الرئيس أردوغان وتجربته، رغم الفوارق الكبيرة بين مرجعية وتوجهات الرجلين. قال الطريفي: “أردوغان رجل مسلم مجتهد، غيورٌ على دين الله، يسعى لإصلاح بلده، ونصرة قضايا المسلمين، وليست كل القرارات بيده، وأن حاله قريبة من حال النجاشي في عدم قدرته على القيام بكامل التكليفات الشرعية، ومع ذلك سماه رسول الله رجلاً صالحاً، وكذلك الشأن في يوسف عليه السلام وتوليه مهاماً اقتصادية تحت حكم عزيز مصر، وإن مسألة تكفيره هي أقرب للغلو من الاجتهاد”.

في سياق متصل، أجاب الشيخ الأسير إبراهيم السكران على سؤال: لماذا نفرح بفوز أردوغان بينما ولا زالت تركيا تعج ببعض مظاهر العلمانية، ولها مواقف سيئة معروفة مع إسرائيل وأفغانستان وليبيا؟

وكان جوابه: “ذكر ابن تيمية في كتابه (السياسة الشرعية) قاعدة أهل السنة في هذا الباب، وهي قاعدة لها تطبيقات كثيرة، وهي من أنفع القواعد في السياسة الشرعية، وهي (قاعدة القدرة والإمكان). يقول ابن تيمية: (إذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله) [ابن تيمية، الفتاوى 28/262] وهذه القاعدة، أعني قاعدة (أن الواجب إقامة الشرع بحسب القدرة والإمكان) قاعدة فعَّالة في أبواب الولايات والقضاء والدعوة والإصلاح السياسي وغيرها.

والذي رآه الناس من أردوغان أنه قام بأمور كثيرة بحسب الإمكان، وترك أموراً أخرى يختلف الناس في تقدير إمكانه لها. حين أرى رجلاً في بلد علماني يقوده للشريعة، ورجلاً في بلد فيه مكتسبات شرعية يقوده للعلمنة؛ فالمعيار في المقارنة بينهما ليس مستوى تدين الرجلين، بل التدين بالنسبة للسياق، يجب ملاحظة بوصلة كل منهما. شتان بين من يدفع مجتمعاً علمانياً ليزيد تدينه، وبين من يدفع مجتمعاً متديناً ليخفف من تدينه!”.   

مثالٌ آخر، وإن كان مختلفاً في سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي، هو حركة طالبان في أفغانستان. ما لا يعرفه البعض أنه في بداية ظهور الحركة، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، اتهمتها جل الأحزاب الأفغانية الإسلامية (الجمعية الإسلامية والاتحاد الإسلامي والحزب الإسلامي)، التي وصلت للسلطة قبيل انبعاث طالبان بسنتين، بالعمالة والتبعية لباكستان والمشروع الغربي أيضاً، والانقلاب على المشروع الإسلامي، والغريب، أنه حتى بعد قتالها للتحالف الدولي وهزيمتها له في عشرين عاماً من القتال، ما زال بعض خصومها الإسلاميين يراها عميلة لباكستان إلى الآن!. 

الجدير بالذكر أن طالبان لم تكن من التيارات الإسلامية السياسية، فهي حركة محلية ولدت من رحم التيارات الدينية المحافظة المحصور عملها في التربية والدعوة، المتجنبة للأمور السياسية. فهي بذلك تختلف عن التجربتين السورية والتركية.

بالعودة إلى سوريا، لا يخفى على المتابع قرار حل مؤسسات الجيش والأمن والاستخبارات السابقة (أخطر مؤسسات الدولة)، والمضي في بناء جيش وأمن واستخبارات جديدة، مفاصلها وقيادتها وعمودها الفقري من القيادات والجماعات والكوادر الإسلامية التي قادت تحرير سوريا، ولا يخفى على المهتمين أيضاً العقيدة والأفكار والسلوكيات الإسلامية التي تعتمدها هذه المؤسسات، وتغرسها في منتسبيها الجدد والقدامى. وهذه أهم نقطة برأيي في تحديد وجهة أي مشروع، هل هو إسلامي أم لا؟ هل يسعى للاستقلال الحقيقي أم يرفع شعارات ويزاود على غيره؟ 

في سياقٍ موازيٍ، على صعيد الدعوة والتربية الإسلامية، بكافة جوانبها ومنها الجهادية، فُتحت الأبواب على مصراعيها في المساجد وخارجها، أمام التيارات الإسلامية بمختلف مدارسها. 

العاملان السابقان في الدولة والمجتمع، مع إضافة عامل ثالث مهم للغاية أيضاً، وهو السعي للاستقلال الاقتصادي عن القوى العظمى وعدم الارتهان لأحدها، قاسم مشتركٌ بين التجارب السورية والتركية والأفغانية، وإن كان بدرجاتٍ متفاوتة نظراً لاختلاف تاريخ وبنية المجتمع والدولة في كل بلد، وتباين الظروف الإقليمية والدولية التي تعمل في خضمها هذه المشاريع الثلاثة. إضافةً إلى بعض الفوارق الفكرية والتنظيمية والإدارية والشخصية بين الجهات الثلاث. اللافت هنا، هو تقدير وثناء قادة من التجارب الثلاث على التجربتين الأخرتين، رغم الاختلاف الظاهر في الخطاب والبرنامج وآليات الوصول إلى الهدف. 

الخلاصة

لا تهدف هذه المقالة إلى شيطنة تيارات أو شخصيات معينة وإنكار ما لديها من خير، ولا إلى الثناء المطلق على أخرى، إنما الإشارة إلى أن أهم معيار في الحكم على أي تجربة وقيادة ودولة جديدة أو قديمة، بقطع النظر عن شعاراتها وخطابها المعلن، وبغض النظر عن الخلافات مع تيارات إسلامية أخرى قديمة أو جديدة، هو النظر في أي اتجاه تسير التجربة، هل تزداد الدولة والمجتمع إسلاميةً وقوةً في ظلها أم العكس؟ وبأي سرعة؟ وهل تمشي بخطوات نحو استقلال عسكري وسياسي واقتصادي يحفظ إسلاميتها أم تهرول نحو التبعية؟