جذور الحركة الانفصالية في الجزيرة السورية 1927-1940

آخر تحديث: 25 أغسطس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

4 mins

يغلب على باحثي التاريخ السياسي في سورية في حقبة الاستعمار الفرنسي 1920-1947، وخصوصاً تقسيم سوريا لأربع دويلات على أساس ديني عرقي، التركيز على منطقتي الساحل وجبل العرب من سورية، مع أن الحركات الانفصالية التي نالت أكبر وأوضح دعم فرنسي كانت بمنطقة الجزيرة السورية، بالتوازي مع اهتمام الوكالة اليهودية، عبر لجان «ترانسفير»،  بنقل الفلاحين الفلسطينيين العرب من المنطقة اليهودية إلى الجزيرة السورية عقب إصدار لجنة بيل (Peel Commission) عام 1937 لتوصيتها للحكومة البريطانية بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود،  ومحاولة الولايات المتحدة الأمريكية 1949-1954 توطين اللاجئين الفلسطينيين فيها.

ولم تقتصر الحركة الانفصالية في الجزيرة السورية على بعض التوجهات الكردية، بل تأثرت بمشاريع ودعوات انفصالية شخصياتٌ عربيةٌ وأشوريةُ من المكون المسيحي لكن هؤلاء المتأثرون لم ينتج تأثرهم بالدعوات الانفصالية كياناتٍ ومنظماتٍ فاعلة، حيث اقتصرت هذه الفاعلية على منظمة خويبون باعتبارها المؤسس لمسار انفصالي على أساس قومي كردي. لذلك يحاول هذا المقال المرور على جذور الحركات الانفصالية التي رعتها فرنسا في فترة الانتداب 1920-1947 والتي تمثلت في منظمة خويبون (Xoybûn). وفي ذلك، تسعى المقالة إلى رصد تاريخي لنشأة المنظمة وتحولاتها في سورية وأسباب فشلها. 

تغذية النزعة الانفصالية في الجزيرة السورية 

شكلت سياسة فرنسا الاستعمارية في تقسيم سورية لأربع دويلات على أساس ديني عرقي، إلى جانب تشجيعها لسياسات الهجرة الداخلة لسورية 1925-1939، من العشائر الكردية المهجرة قسرا إزاء سياسات القمع التركية، بيئة حاضنة لمشاريع سياسية انفصالية، جاءت الهجرات بعد تأزم الأوضاع السياسية للأكراد في تركيا؛ حيث خاض الأكراد في تركيا أكثر من 17 ثورة ضد سياسات قومنة الدولة في تركيا على أساس طوراني تركي، وقد خلقت فرنسا أقضية مستقلة لهذه العشائر الكردية المهاجرة بالقرب من الحدود السورية التركية وربطتها بها بشكل مباشر، وكانت موجات التهجير هذه هي ما خلق نواة ثقل المجتمع الكردي في الجزيرة السورية.

وقد حاول ضباط الاستخبارات الفرنسيون الاستثمار في هذه العشائر الكردية في إدارة مصالح الدولة الفرنسية مع تركيا، وتزامن ذلك مع إنشائهم مشاريع بدوية وكلدو-أشورية في الجزيرة؛ لتقويض نشاط الحركة الوطنية المضادة لفرنسا، وكل ذلك مع استمرار نشاط الوكالة اليهودية في منطقة الجزيرة السورية، التي كانت تسعى لجعل المنطقة حاضنة للفلاحين الفلسطينيين العرب. وعلى ذلك اتفقت وتقاطعت المصالح الفرنسية والوكالة اليهودية معاً في قرار واحد: ضرورة انفصال الجزيرة السورية.

منظمة خويبون بذرة الانفصال في الجزيرة السورية 1927

تأسست منظمة خويبون عام 1927 برعاية الانتداب الفرنسي، وكانت بينة المنظمة مزدوجة بين شخصيات أرستقراطية وعشائرية كردية قادمة من تركيا، وقد رعت المفوضية السامية الفرنسية لقاءات بين قيادات كردية من تركيا كانت تقود ثورة في جبال أغري، وحزب الطاشناق القومي الأرمني، وهما كيانان جمعهما عداؤهما لتركيا. وتمخّضت هذه اللقاءات عن تشكيل منظمة خويبون في منطقة بحمدون بلبنان عام 1927، التي اتخذت من الجزيرة السورية قاعدة لعملياتها العسكرية ضد تركيا، حيث هدفت هذه المنظمة لتحرير المناطق الكردية من تركيا.

وعملت فرنسا على ضبط سلوك منظمة خويبون الكردية القومية، على اعتبار مراعاة مصالح فرنسا في تركيا، وعلى أساس أن المنظمة أداة ضغط على تركيا تستخدم كورقة لدى الحاجة، فعندما وضعت المنظمة خطة لعمل مسلح واسع ضد الجيش التركي من جرابلس في حلب إلى ديريك في الحسكة، على طول الحدود السورية التركية شمالاّ، قامت فرنسا بنفي قيادات المنظمة إلى الداخل السوري.

على إثر ذلك دبّت الخلافات بين الأجنحة المتنافسة داخل المنظمة، بين الجناح الذي يمثله قدري جميل باشا المنحدر من ديار بكر في تركيا، والجناح الذي يمثّله زعيم عشائر الهوركية المهاجرة حديثا من تركيا إلى الجزيرة السورية حاجو آغا. وانقسمت المنظمة نتيجة صراع هذين الجناحين، فحاول جناح حاجو آغا وحلفاؤه الاستقلال بالجزيرة السورية فقدموا مذكرة عام 1932 لفصل الجزيرة عن سوريا، وإنشاء حكم استقلالي محلي تحت حماية فرنسا، باسم المسلمين والمسيحيين الذي ينحدرون من العرق الآري والأمة الكردية.

وفي عام 1937-1939 انطلقت شرارة الحركة الانفصالية في الجزيرة السورية، وقد مزّقت الحركة الانفصالية بنية مجتمع الجزيرة الفتي متعدد العرقيات والطوائف، لكن حركة خويبون لم تنجح في تحقيق أهدافها في فصل الجزيرة عن سوريا لأسباب عديدة، حيث كان تركيزها منصبا على مسألة أكراد تركيا باعتباره هدف تأسيس المنظمة فسورية جاءت متأخرة في حسابات المنظمة، إلى جانب عدم وجود شخصيات قيادية مؤثرة من أكراد الجزيرة السورية في قيادات المنظمة وهذا مالم يعطها البعد المحلي، كما أن انحراف المنظمة عن هدفها الرئيسي كان سببا في ضعفها وانقسامها وفقدان القدرة على المبادرة السياسية، في حين لم يكن الوضع الدولي والتفاهمات الإقليمية في صالح مطالب المنظمة ببناء كيان مستقل بالجزيرة عن سورية، فخرجت قيادة منظمة خويبون دون تحقيق أهدافها الأساسية في تركيا والمحورة في سوريا.

خاتمة

تشكل الإضاءة على هذه الحقب المهمة من تاريخ سورية السياسي أداة مهمة في تفسير الظواهر السياسية اليوم، التي قد تكون عبارة عن تجلٍّ وامتداد لها، حيث تفسّر لنا منظمة خويبون الجذر لما نشهد اليوم من حركات انفصالية على أساس قومي وعرقي، ولدى مقارنة التجربة الانفصالية لمنظمة خويبون والمنظمات الانفصالية النشطة حاليا في الجزيرة السورية، نجد أن هذه الكيانات تستخدمها الدول كأوراق ضغط وأدوات لتمرير مصالحها، فالجزيرة السورية هي جزء أصيل من سورية جغرافيا ومعنويا وسياسيا. 

كما أن تجربة خويبون وضعت فلسفة تأثرت فيها الأحزاب القومية الكردية في سورية، على المستوى السياسي والسلوكي، حيث نجد أن حزب العمال الكردستاني الذي بدأت فعاليته في سورية منذ ثمانينيات القرن الماضي، قد تأثر بالعقلية والسلوك ذاته التي عملت بها قيادة خويبون في سورية، وأجه الشبه هنا في أنهما أسسا في الأصل لقيادة حراك مسلح ضد تركيا، وقاما بالاستعانة بالكرد في سورية كحزان ومورد بشري ومالي لدعم حراكهما في تركيا، وأسباب الفشل كذلك تجمعهم، لذلك خويبون لم تكن مجرد منظمة عابرة في التاريخ السوري المعاصر، بل منهجية لـتأسيس وتجذير الفكر الانفصالي.