سوريا واقتصاد المؤتمرات.. قياس أثر التعهدات والاستثمارات على أرض الواقع

آخر تحديث: 19 أغسطس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

16 mins

منذ مطلع عام 2025 توالت المؤتمرات والمنتديات الاستثمارية حول سوريا، من بروكسل إلى الرياض ودمشق، وتراكمت تعهدات استثمارية بعشرات المليارات من الدولارات. غير أن المسافة بين هذه الأرقام المعلنة وما تحوّل منها فعلياً إلى مشاريع قائمة على الأرض تبقى غامضة، وهذا ما تحاول هذه المادة توضيحه. تبدأ بتجربة دول أخرى خرجت من الحرب، كالعراق وغزة، وما تكشفه من نمط متكرر بين الوعد والتنفيذ، ثم ترصد أبرز المؤتمرات والتعهدات السورية وتصنّفها بحسب ما تحقق منها فعلياً على الأرض، قبل أن تنتقل إلى الأسباب التي تجعل بعض المشاريع تمضي بسرعة نحو التنفيذ بينما يتعثر بعضها الآخر، وتخلص إلى قراءة أثر كل ذلك على حياة السوريين اليومية.

تمهيد: اقتصاد المؤتمرات في الدول الخارجة من النزاعات

يشكّل “اقتصاد المؤتمرات” ظاهرة اقتصادية سياسية متكررة في تجارب الدول الخارجة من النزاعات المسلحة، حيث تتحول المنتديات الاستثمارية ومؤتمرات المانحين إلى آلية موازية للمسار الرسمي لإعادة الإعمار، بدورها تؤدّي وظيفتين اقتصاديتين متمايزتين قبل أن تؤدي وظيفتها التمويلية المباشرة.

تتصل الوظيفة الأولى بمعالجة عدم تناظر المعلومات الذي يميّز أسواق الاستثمار في الدول الخارجة من النزاع. فيواجه المستثمر الأجنبي، في غياب سجل ائتماني سيادي وبيانات موثوقة عن حجم المخاطر السياسية والقانونية، حالة من عدم اليقين الجذري تصعب معها تسعير المخاطرة بالطرق التقليدية المعتمدة في نظرية القرار الاستثماري.

فيعمل المؤتمر، في هذا السياق، كأداة إشارة بالمعنى الذي طوّرته أدبيات الاقتصاد حول المعلومات غير المتماثلة: حضور مستثمرين ذوي سمعة مؤسسية عالية، ودول ذات ملاءة سيادية مرتفعة، إلى جانب حكومة البلد المضيف، يرسل إشارة جماعية تقلّص كلفة المعلومات على المستثمرين اللاحقين، وتحلّ جزئياً معضلة “المحرّك الأول” التي تجعل كل مستثمر منفرد يؤجل قراره انتظاراً لتحرك غيره. وبهذا المعنى تنتج المؤتمرات الاستثمارية أثراً تنسيقياً يتجاوز قيمتها التمويلية المباشرة.

تتصل الوظيفة الثانية بالاقتصاد السياسي لشرعية المرحلة الانتقالية. فتستخدم الحكومات الخارجة من النزاع الانخراط الاستثماري الدولي أداة شرعنة موازية للاعتراف الدبلوماسي التقليدي، فحضور مؤتمر استثماري دولي، وتوقيع مذكرات تفاهم مع شركات وازنة، يمنح الحكومة سردية “التوافق الاقتصادي” التي تعزز موقعها الداخلي والخارجي، بمعزل عن سرعة تحول تلك التعهدات إلى مشاريع فعلية. وتستثمر القوى الإقليمية والدولية، من جهتها، في هذا المسار بوصفه أداة من أدوات السياسة الاقتصادية الخارجية. إذ يتيح التمركز الاستثماري المبكر لهذه القوى تثبيت نفوذها في بنية الاقتصاد الناشئ قبل نضوج الأطر التنظيمية والتنافسية، وقبل دخول منافسين جدد على خط الاستثمار.

يفسّر هذان البعدان، الإشاري والسياسي، ما توثّقه الأدبيات التطبيقية حول مؤتمرات إعادة الإعمار من فجوة بنيوية متكررة بين حجم التعهدات المعلنة وحجم ما يدخل فعلاً حيز الصرف والتنفيذ.

ففي مؤتمر مدريد للمانحين حول العراق في تشرين الأول 2003، تعهدت الدول المانحة بنحو 13 مليار دولار من المنح والقروض، ولم يتجاوز ما صُرف فعلياً منها إلى الصناديق الاستئمانية التابعة للبنك الدولي والأمم المتحدة 3 مليارات دولار بعد سنوات من انعقاده. وفي مؤتمر القاهرة للمانحين حول قطاع غزة في تشرين الأول 2014، تعهّدت الدول المشاركة بنحو 5.4 مليار دولار، لم يُصرف منها حتى نهاية عام 2016 سوى 51%، وكانت النسبة الأكبر من التعهّدات غير المدفوعة، وفق تقدير معهد بروكينغز، هي تعهّدات دول الخليج التي بقي نحو 78% منها معلقاً. وأعاد صندوق إعادة إعمار غزة الذي أُعلن عام 2025 إنتاج النمط نفسه بصورة أكثر حدة، إذ لم يتلق الصندوق أي مبلغ فعلي بعد مرور تسعة أشهر على وقف إطلاق النار، رغم تعهدات أُعلنت بقيمة 17 مليار دولار.

تنطوي الحالة السورية، مع ذلك، على تمايز نظري يستحق التوقف عنده. فخلافاً لنموذجَي العراق وغزة، حيث بُنيت التعهدات أساساً حول منح وقروض مقدَّمة عبر صناديق استئمانية متعددة الأطراف تخضع لشروط صرف وإشراف مؤسسي وفق نموذج اقتصاديات المساعدات، اختارت الحكومة السورية، بتصريح صريح من الرئيس أحمد الشرع، بناء مسار إعادة الإعمار حول الاستثمار المباشر عوضاً عن المساعدات، ما يحوّل الإطار التحليلي الملائم من أدبيات فعالية المساعدات إلى أدبيات قرار الاستثمار الأجنبي المباشر في ظل المخاطر السيادية المرتفعة.

يفترض هذا النموذج البديل أن قرار المستثمر الخاص بالانتقال من مذكّرة التفاهم إلى الالتزام التعاقدي والتنفيذ الفعلي محكوم بقاعدة العائد على الاستثمار وتوزيع المخاطر، ويستقل عن اعتبارات الالتزام السياسي أو الإنساني التي تحكم عادة قرار المانح السيادي أو المؤسسي. وهو ما يجعل قياس معدّل تحوّل التعهدات إلى مشاريع فعلية عوضاً عن الاكتفاء برصد قيمتها الاسمية المعلنة، ضرورة منهجية لفهم المسار الاقتصادي السوري الفعلي، وهو ما تسعى هذه الدراسة إلى تقديمه عبر تتبّع مسار التعهّدات المعلنة منذ مطلع عام 2025 وحتى منتصف عام 2026 وتصنيفها وفق مرحلة تنفيذها الفعلية، وتحليل العوامل التي حكمت انتقال بعضها إلى التنفيذ مقابل تعثر أو بطء البعض الآخر.

خريطة المؤتمرات والتعهدات: من دمشق إلى الرياض وبروكسل

تسارعت وتيرة الانخراط الاستثماري في سوريا بالتوازي مع مسار تدريجي لرفع العقوبات الأميركية والأوروبية. أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الرخصة العامة رقم 24 في كانون الثاني 2025، تلتها الرخصة رقم 25 في أيار من العام نفسه مصحوبة بتعليق مؤقت لعقوبات قانون قيصر لمدة 180 يوماً، ثم صدر الأمر التنفيذي رقم 14312 في 30 حزيران 2025 الذي ألغى برنامج العقوبات الشامل اعتباراً من الأول من تموز، قبل أن يقرّ الكونغرس الإلغاء النهائي لقانون قيصر ضمن قانون تخويل الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 في 18 كانون الأول 2025. رافق هذا المسار التشريعي سلسلة من المؤتمرات والمنتديات حملت كل منها حزمة تعهدات مستقلة.

شكّل مؤتمر بروكسل التاسع “الوقوف مع سوريا” المنعقد في 17 آذار 2025 المحطة الأوروبية الأبرز، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي التزامه الذاتي بتخصيص نحو 2.5 مليار يورو لعامي 2025 و 2026 لدعم التحول والتعافي الاقتصادي والاجتماعي، بينما بلغ إجمالي ما جمعه المؤتمر من كل الجهات المانحة مجتمعة 5.8 مليار يورو، خُصّص جزء كبير منه لدعم مجتمعات اللجوء في الأردن ولبنان والعراق وتركيا.

في تموز 2025 استضافت دمشق منتدى الاستثمار السعودي السوري الأول، الذي أسفر عن 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة تجاوزت 6 مليارات دولار شملت الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والقطاع المصرفي. في الشهر نفسه وقّعت شركة موانئ دبي العالمية اتفاقية امتياز مع الهيئة العامة للموانئ البرية والبحرية السورية لتطوير ميناء طرطوس على مدى ثلاثين عاماً باستثمار مقرر بقيمة 800 مليون دولار.

في آب 2025 وقّعت الحكومة السورية في قصر الشعب مذكّرات استثمارية بقيمة إجمالية بلغت 14 مليار دولار، شملت مشروع تطوير مطار دمشق الدولي بقيادة تحالف تقوده مجموعة UCC القطرية بقيمة تفوق 4 مليارات دولار، ومشروع مترو دمشق بقيمة 2 مليار دولار بالشراكة مع شركة الإمارات للاستثمار الوطني، إلى جانب اتفاقيات سعودية لتأسيس شركة طيران مشتركة ومشروع اتصالات بقيمة قاربت المليار دولار. تزامن ذلك مع توقيع اتفاقية استراتيجية لإنشاء ثماني محطات لتوليد الطاقة بقدرة إجمالية 5000 ميجاواط بقيمة 7 مليارات دولار.

تلا ذلك إحياء معرض دمشق في ما كان دورته الثانية والستين أواخرَ آب 2025، بعد توقف دام ست سنوات، بمشاركة نحو 800 شركة من عشرين دولة وأكثر من مليوني زائر، وسط إعلانات سعودية عن استثمارات تجاوزت 24 مليار ريال. وفي تشرين الأول 2025 حمل مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض تجديداً لخطاب “إعادة الإعمار عبر الاستثمار لا عبر المساعدات” على لسان الرئيس أحمد الشرع.

تُوّج هذا المسار بزيارة الرئيس الشرع إلى البيت الأبيض في 10 تشرين الثاني 2025، وهي الأولى من نوعها لرئيس سوري، ثم بإلغاء قانون قيصر نهائياً بعد أسابيع، قبل أن تعلن الرياض في 7 شباط 2026 حزمة استثمارية جديدة بقيمة قاربت 2.8 مليار دولار شملت مطارين في حلب وشبكة ألياف بصرية بطول 4500 كيلومتر وشركة طيران مشتركة ومحطة تحلية مياه ساحلية.

حصر التعهدات وتصنيفها وفق مستوى التقدم

يوضّح الجدول التالي أبرز التعهدات الاستثمارية المعلنة خلال فترة قيد الدراسة، مصنّفة وفق أقرب تقدير متاح لمرحلة تنفيذها حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة:

التعهد / المشروع الجهة المستثمرة القيمة التقديرية تاريخ الإعلان مرحلة التنفيذ
تطوير ميناء طرطوس موانئ دبي العالمية (الإمارات) 800 مليون دولار تموز 2025 قيد التنفيذ الفعلي — تسلّم الميناء وتشغيله تشرين الثاني 2025، ووصول أولى الرافعات تموز 2026
تطوير مطار دمشق الدولي تحالف بقيادة UCC القطرية وشركات تركية أكثر من 4 مليارات دولار آب – تشرين الثاني 2025 قيد التنفيذ — عقود نهائية موقعة، وبدء العمل في المبنى الثاني وتأهيل الطرق
محطات توليد الطاقة (8 محطات، 5000 ميجاواط) تحالف UCC وشركاء أتراك وأمريكيون 7 مليارات دولار أيار – تشرين الثاني 2025 قيد التنفيذ — عقود نهائية موقعة في تشرين الثاني 2025
مشروع “سيلك لينك” للألياف البصرية مجموعة الاتصالات السعودية STC أكثر من 800 مليون دولار شباط 2026 قيد التنفيذ عبر مناقصة تنافسية، مع شروط ترخيص غير منشورة
إعادة الربط بنظام سويفت وشبكات الدفع مصرف سورية المركزي غير مالي مباشر تشرين الثاني 2025 – أيار 2026 قيد التنفيذ التدريجي — أول تحويل عبر سويفت، واتفاقيات مع فيزا وماستركارد
صندوق إيلاف لمنظومة مطارات حلب صندوق استثماري سعودي جديد التأسيس 2 مليار دولار شباط 2026 قيد الإعلان — هيكل الشركاء وآلية الحوكمة غير معلنين
مترو دمشق شركة الإمارات للاستثمار الوطني 2 مليار دولار آب 2025 قيد الإعلان — لم يُرصد تحديث علني لاحق حول مراحل التنفيذ
الحقل البحري للغاز (أول استكشاف بحري سوري) شيفرون الأميركية ومجموعة Power International القطرية غير معلنة مطلع 2026 قيد الإعلان — مذكرة تفاهم أولية
غالبية اتفاقيات المنتدى السعودي السوري الأول (47 اتفاقية) أكثر من 100 شركة سعودية 6 – 6.4 مليار دولار تموز 2025 قيد الإعلان في معظمها — مذكرات تفاهم غير ملزمة وفق تغطية رويترز

يكشف هذا الحصر عن نمطٍ متكرر؛ يتمثّل في إحراز مشاريع البنية التحتية الكبرى ذات الخصائص الاحتكارية الطبيعية مثل الموانئ والمطارات وقطاعات الطاقة والاتصالات تقدماً ملموساً نحو التنفيذ الفعلي مقارنةً بغيرها، في حين يظلّ الجزء الأكبر من القيمة الإجمالية للتعهّدات المعلنة محصوراً في مرحلة مذكّرات التفاهم غير الملزمة، دون انتقال واضح إلى عقود تنفيذية أو استثمارات قائمة على أرض الواقع.

تقدّر مبادرة الإصلاح العربي في تحليل استشهدت به مجلة فوربس، أن الالتزامات الاستثمارية الخليجية المعلنة منذ منتصف 2025 بلغت نحو 28 مليار دولار، في مقابل تمويل مؤسساتي عربي ودولي لا يتجاوز 766 مليون دولار، يتوزّع بين نحو 620 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي مخصصة لعامي 2026 و 2027، ومنحة من البنك الدولي بقيمة 146 مليون دولار لشبكة نقل الكهرباء، أي بنسبة تقارب 36 إلى 1 لصالح رأس المال الخليجي الثنائي، مقارنةً بالتمويل متعدّد الأطراف الذي يقترن عادةً بمتطلبات تتعلق بالحوكمة والإصلاح المؤسسي، مقابل التمويل المؤسساتي المشروط بمعايير المشتريات التنافسية والشفافية ومكافحة الفساد.

عوامل الانتقال إلى التنفيذ مقابل التعثر

ترتبط قدرة التعهد على الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ الفعلي بأربعة عوامل متداخلة.

يتصل العامل الأول بالإطار القانوني والتنظيمي للقطاع المعني. حين يتوفر جهاز تنظيمي أو صيغة تعاقدية واضحة، كما هي الحال في قطاع الموانئ حيث اعتمدت الهيئة العامة للموانئ نموذج البناء والتشغيل والنقل، ينتقل المشروع بسرعة نسبية من التوقيع إلى التنفيذ، على نحو ما ظهر في تجربة ميناء طرطوس. في المقابل، تفتقر قطاعات كالاتصالات والطاقة المتجددة إلى هيئة تنظيم مستقلة أو قانون شراكة بين القطاعين العام والخاص مكتمل الأركان حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة، ما يُبقي غالبية مذكرات التفاهم فيها معلّقة تنتظر استكمال البنية التشريعية.

يرتبط العامل الثاني بدرجة الشفافية والإفصاح عن شروط التعاقد. خلصت مبادرة الإصلاح العربي إلى أن صناعة القرار الاقتصادي تتركز في جهتين تخضعان لإشراف رئاسي مباشر، هما المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وهيئة الاستثمار السورية، دون نشر تفصيلي لآلية التفاوض أو معايير اختيار الشركاء أو هيكل الملكية النهائي لمعظم المشاريع الكبرى. رصدت وكالة رويترز أن الغالبية العظمى من اتفاقيات المنتدى السعودي السوري الأول في تموز 2025 كانت مذكرات تفاهم غير ملزمة دون شروط معلنة، على الرغم من العدد الكبير للشركات الموقّعة. يحول غياب هذا الإفصاح دون انتقال المستثمرين المؤسساتيين الذين تُلزمهم معايير المشتريات التنافسية ومكافحة الفساد بالإفصاح المسبق من مرحلة المراقبة إلى مرحلة الالتزام الفعلي، ما يفسر جزئياً اتساع الفجوة بين التمويل الخليجي الثنائي والتمويل المؤسساتي الغربي.

يتصل العامل الثالث بالبنية المصرفية والمالية. ظل القطاع المصرفي السوري بمعزل عن نظام سويفت أربعة عشر عاماً، ولم يُستأنف أول تحويل رسمي عبره سوى في 20 تشرين الثاني 2025. يوضح تحليل نشرته مجلة Global Finance أن غياب علاقة مصرفية مراسلة مع مصرف دولي كبير يمنع تمرير معظم عمليات تمويل التجارة والاستثمار المهيكل عبر القنوات الرسمية، وهو ما يجعل الربط المصرفي لا توفر السيولة أو النية الاستثمارية، العقبة الحقيقية أمام تحويل الالتزامات المعلنة إلى تدفقات مالية فعلية. بدأ مصرف سورية المركزي بمعالجة هذه الثغرة عبر تفعيل بروتوكولات سويفت تدريجياً، وتوقيع اتفاقيات مع فيزا وماستركارد لتطوير منظومة الدفع الرقمي، وصولاً إلى تفعيل قبول البطاقات الدولية عملياً بحلول أيار 2026.

يتصل العامل الرابع بأولويات المستثمرين أنفسهم وبتوزّعهم القطاعي والجغرافي. تتركّز غالبية المشاريع التي قطعت شوطاً في التنفيذ في قطاعات ذات عائد نقدي سريع نسبياً أو طابع احتكاري طبيعي يضمن تدفقاً مستقراً، كالموانئ والمطارات والاتصالات، بينما تبقى الصناعة التحويلية والزراعة وهما الأكثر قدرة على خلق فرص عمل واسعة خارج دائرة الاهتمام الاستثماري الكبرى. يلاحظ مركز كارنيغي للسلام الدولي أن غياب خطة إعادة إعمار متكاملة ترك المجال مفتوحاً أمام مشاريع العقارات والبنية التحتية المؤجرة لمستثمرين أجانب، على حساب الاستثمار في القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد نمو اقتصادي واسع القاعدة. يضاف إلى ذلك التمركز الجغرافي لمعظم المشاريع الكبرى في دمشق وحلب، مقابل حضور محدود للمناطق الساحلية والسويداء والشمال الشرقي، وهو نمط توزيع تصفه مجلة فوربس بأنه يستدعي الحساسيات الاقتصادية ذاتها التي غذّت الحراك الشعبي عام 2011.

الانعكاس على الواقع الاقتصادي والمعيشي

تشير المؤشّرات الكلية إلى تحسن ملموس على مستوى بعض المتغيرات النقدية، مقابل تفاوت واضح في انتقال هذا التحسن إلى مستوى معيشة المواطن. تراجع معدل التضخم من 72.1% في عام 2024 إلى نحو 11.5% في عام 2025 وفق تقديرات البنك الدولي، فيما استعادت الليرة السورية جزءاً من قيمتها منذ كانون الأول 2024، لتستقر بعد إصدار العملة الجديدة المعاد تقويمها في الأول من كانون الثاني 2026، بحذف صفرين من العملة القديمة، عند مستويات قريبة من 111 ليرة جديدة للدولار الواحد. رافق هذا الاستقرار النقدي نمو اقتصادي مقدّر بنحو 12% لعام 2026، وهو رقم ينبغي قراءته في ضوء القاعدة المنخفضة جداً التي ينطلق منها الناتج المحلي الإجمالي والذي لم يتجاوز 21.4 مليار دولار في عام 2024، أي أقل من عُشر كلفة إعادة الإعمار المقدرة بين 140 و 345 مليار دولار وفق نطاق تقديرات البنك الدولي الذي استقر عند رقم مركزي بلغ 216 مليار دولار.

يبقى الأثر المعيشي المباشر للاستثمارات الوافدة محدوداً حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة. تقدّر تقارير محلية أن نحو 90% من السكان يعانون فقراً نقدياً أو متعدّد الأبعاد، فيما بلغت سلة الإنفاق الأدنى التي يحتسبها برنامج الأغذية العالمي 2.2 مليون ليرة سورية، أي نحو 206 دولارات بسعر الصرف الرسمي، في كانون الأول 2025، ما يعادل ثلاثة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور، ويجعل نحو 90% من الأسر عاجزة عن تغطية احتياجاتها الأساسية دون صعوبة. لا يزال ما بين 1.4 و2.2 مليون نازح يقيمون في مخيمات ومساكن غير رسمية مطلع عام 2026، في وقت لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية 35% من احتياجاتها المعلنة.

تفسَّر هذه الفجوة بثلاثة عوامل زمنية وهيكلية متكاملة. يحتاج جزء كبير من المشاريع الموقعة، كمحطات الطاقة ومطار دمشق إلى دورة إنشائية تمتد بين ثلاث وثماني سنوات قبل أن تبدأ بتوليد عوائد اقتصادية مباشرة على شكل وظائف أو خدمات، ما يجعل الفارق الزمني بين التوقيع وبين ظهور الأثر الملموس فارقاً هيكلياً متوقعاً وليس بالضرورة مؤشر تعثّر. يضاف إلى ذلك أن غالبية رؤوس الأموال الوافدة توجهت نحو مشاريع بنية تحتية كبرى محدودة اليد العاملة نسبياً قياساً بحجم الاستثمار، في مقابل ضعف نصيب القطاعات كثيفة العمالة كالزراعة والصناعة التحويلية الصغيرة. وأخيراً، أدّت إجراءات تحرير الأسعار وخفض الدعم التي تزامنت مع موجة التعهدات الاستثمارية خلال النصف الأول من عام 2025، إلى ارتفاع تراكمي في أسعار السلع الأساسية تجاوز 50%، ما استهلك جزءاً من المكاسب النقدية التي تحققت عبر استقرار سعر الصرف وتراجع التضخم.

الخلاصة التقييمية الفجوة بين الإعلان والتنفيذ

تكشف الدراسة أن الفجوة بين حجم التعهدات المعلنة في المؤتمرات الاستثمارية الخاصة بسوريا وما تحوّل منها فعلاً إلى مشاريع قائمة فجوة مؤسساتية محددة الملامح، تُفسَّر ببنية القطاعات وأطرها التنظيمية أكثر مما تُفسَّر بغياب النية الاستثمارية أو بفقدان ثقة عامة تجاه الاقتصاد السوري. تتقدّم المشاريع في القطاعات ذات العائد الاحتكاري السريع والصيغة التعاقدية الجاهزة، كالموانئ والمطارات والاتصالات، بينما تبقى التعهّدات الأوسع نطاقاً، وهي الغالبية العددية والقيمية، رهينة استكمال الأطر التنظيمية، والإفصاح عن شروط التعاقد وهيكل الملكية، وبناء علاقات مصرفية مراسلة كاملة تسمح بتمرير التمويل عبر القنوات الرسمية.

تواجه الحكومة استحقاقين متلازمين يصعب الفصل بينهما، أولهما الإبقاء على وتيرة جذب رأس المال الخليجي سريع الحركة ومنخفض الاشتراطات، الذي يمنحها سيولة مبكرة وشرعية اقتصادية آنية، وثانيهما بناء الأطر المؤسسية والرقابية القادرة على تحويل الرأسمال إلى تنمية واسعة القاعدة يصل أثرها إلى مستوى معيشة المواطن ويتوزّع جغرافياً وقطاعياً بعدالة نسبية. طالما بقي المسار الثاني متأخراً عن الأول، تبقى إعادة الإعمار عرضة لتكرار أنماط التركز الاقتصادي والجغرافي ذاتها التي سبق أن غذّت الأزمة قبل عام 2011، وإن بفاعلين جدد وتحت عناوين مختلفة.

فصناعة القرار الاستثماري لا تزال، على غرار حقبة ما قبل 2011، محصورة عملياً في جهتين تخضعان لإشراف رئاسي مباشر، هما المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية وهيئة الاستثمار السورية، دون آلية تنافسية معلنة لاختيار الشركاء أو إفصاح واضح عن هيكل الملكية. وتتكرر بنية الاحتكار القطاعي ذاتها في توزيع الامتيازات الكبرى بين عدد محدود من التكتلات الخليجية مجموعة UCC القطرية، ومجموعة الاتصالات السعودية STC، وموانئ دبي العالمية، وصندوق إيلاف السعودي التي تتقاسم فيما بينها الموانئ والمطارات والطاقة والاتصالات وحصصاً في القطاع المصرفي، في تكرار لبنية الامتيازات الاحتكارية التي أحاطت برجال أعمال مقرّبين من النظام السابق قبيل 2011. تحويل هذا المسار إلى نمط تنموي مختلف فعلياً، لا في الخطاب فقط، يستلزم إصلاحاً مؤسسياً يتجاوز استقطاب رأس المال إلى إعادة توزيع فرصه بشفافية وتنافسية على نطاق يتجاوز العاصمة ومركز القرار.

خاتمة
الأثر الأهم في هذا المسار يبقى ما يصل فعلياً من هذه المشاريع إلى جيب المواطن السوري وموائده اليومية. فحتى مع تحسن بعض المؤشرات النقدية، لم يتحول استقرار الليرة وتراجع معدلات التضخم بعد إلى تحسن مماثل في القوة الشرائية ومستوى المعيشة، في ظل استمرار عجز نسبة كبيرة من الأسر عن تغطية احتياجاتها الأساسية. ويرتبط ذلك جزئياً، بطبيعة مشاريع إعادة الإعمار نفسها، إذ تحتاج محطات الطاقة والمطارات والبنية التحتية الكبرى إلى سنوات قبل أن تنعكس استثماراتها في شكل وظائف واسعة، وخدمات أفضل، ودخل أكثر استقراراً للأسر.

وعليه، فإن الحكم على تجربة “إعادة الإعمار بالاستثمار” سيظل مؤجلاً لسنوات مقبلة، إلى أن تتضح قدرتها على الانتقال من مؤشرات الاستثمار وحجم المشاريع إلى نتائج ملموسة في التشغيل والدخل والخدمات ومستوى المعيشة. فالمعيار النهائي لنجاح هذه التجربة لن يكون حجم الأموال المعلنة أو عدد المشاريع المنفذة، وإنما مقدار ما يتحول منها إلى تحسن فعلي في حياة السوريين اليومية.

المراجع والمصادر
  1. التضامن مع سوريا – المؤتمر التاسع في بروكسل، 17 مارس 2025
  2. الاتحاد الأوروبي يتعهد بتقديم 2.5 مليار يورو لدعم سوريا والمنطقة
  3. وزارة الخارجية الأميركية إلغاء العقوبات الشاملة المفروضة على سوريا
  4. أصدر الرئيس ترامب أمرًا تنفيذيًا (أمر 30 يونيو/حزيران 2025) يرفع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، اعتبارًا من 1 يوليو/تموز 2025
  5. الولايات المتحدة تلغي قانون قيصر في أحدث خطوة لتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا
  6.  تقرير عن إلغاء قانون قيصر ورفع العقوبات عن سوريا
  7. سوريا ترحب بالإلغاء الدائم للعقوبات الأمريكية الشاملة التي فرضت خلال عهد نظام الأسد
  8. وكالة الأناضول بالعربية، «سوريا توقع مذكرات تفاهم استثمارية مع شركات دولية بـ14 مليار دولار»، 6 آب 2025
  9.  وقعت مجموعة موانئ دبي العالمية “دي بي ورلد” اتفاقية امتياز تمتد لثلاثين عاماً مع الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية، والتي تهدف لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس.
  10. وكالة الأنباء السورية (سانا)، «توقيع العقود النهائية بين هيئة الطيران وائتلاف دولي بقيادة أورباكون لتطوير مطار دمشق الدولي»، 24 تشرين الثاني 2025 
  11.  تواجه جهود السعودية لإعادة إعمار سوريا، والتي تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار، مشكلة واحدة: غياب القواعد حتى الآن.
  12.  مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (مدونة ديوان)، «ركائز ثلاث لإطلاق عملية إعادة إعمار سورية»، أيار 2025 
  13.  الشرق الأوسط، «الشرع: السعودية مفتاح سوريا استثمارياً… ورهاني على شعبي الذي انتصر»، 29 تشرين الأول 2025 
  14.  تقرير جديد للبنك الدولي يسلط الضوء على التحديات الاقتصادية وآفاق التعافي في سوريا لعام 2025
  15.  وكالة نورث برس، «اقتصاد سوريا 2025: استثمارات معلنة وديون ثقيلة وفقر بلا حلول سريعة»، 29 كانون الأول 2025 
  16. الليرة السورية: حدود السياسات وضغوط السوق
  17.  عنب بلدي، «المركزي السوري يعد إطاراً تنظيمياً ورقابياً لعودة سويفت»، 27 تشرين الثاني 2025  
  18.  تشرع سوريا في إعادة دخول حذرة إلى النظام المالي العالمي بعد أكثر من عقد من الحرب والعزلة.
  19.  عنب بلدي، «ماستركارد توسع خدماتها الرقمية في سوريا عبر QNB»، أيار 2026 
  20.  الشرق الأوسط، «الشرع يعلن انطلاق معرض دمشق الدولي… والسعودية ضيف شرف»، 27 آب 2025 
  21. موظفو صندوق النقد الدولي يختتمون زيارتهم إلى سوريا
  22.  العراق: المساهمات الأجنبية في تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار
  23.  لا تزال في حالة خراب: إحياء عملية إعادة إعمار غزة المتوقفة
  24.  إعادة إعمار غزة – تعهدات المانحين – مقال البنك الدولي
  25.  صندوق إعادة إعمار غزة البالغ 17 مليار دولار أصبح بلا أي دولار بعد تسعة أشهر من وقف إطلاق النار