فتنة الواقعيّة

آخر تحديث: 21 يوليو، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

11 mins

لو وجدت نفسك تقرأ في سير ملوك الطوائف في الأندلس عن سياساتهم وحروبهم، وعن تحالف بعضهم مع الملوك الصليبيين على بعضٍ من ملوك المسلمين، ويدفعون لهم الإتاوات والجزية صاغرين لقاء حلفٍ يستقون به على إخوانهم -ولا تظن أن إخوانهم أقلّ منهم سوءاً فهم عليهم ما عليهم-؛ لفتحت فاهك منشدّاً مذهولاً.

وقد حدث شيءٌ يستدعي أن تلطم خدّك لولا النّهي، وترى ملوك زماننا كالصحابة في مقابل أولئك، فدونك مثلاً ما جرى لطليطلة، وهي التي نندب ضياعها اليوم، فقد ثار أهلها على أميرهم القادر بن ذي النون سنة 472 هـ فأخرجوه، واستدعوا المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس ليحكمهم مكانه؛ ففرّ القادر إلى وبذة، ثم انتقل إلى قونقة، وكتب إلى ألفونسو السادس يستنجده، ويذكّره بسالف الودّ بينه وبين جدّه المأمون، وأنّ المأمون هو الذي آواه في طليطلة تسعة أشهر وأحسن ضيافته يوم فرّ من أخيه سانشو. أرأيت المكافأة؟ أن يُستعان بالضيف على دار مُضيفه.

فاستجاب ألفونسو -وكيف لا يستجيب؟- وسار معه في سريّةٍ من جنده، فضربا الحصار على طليطلة والمتوكلُ بداخلها، ثم انظر إلى الخندق كيف اصطفّ.. مَلِكٌ مسلمٌ ومَلِكٌ صليبيٌّ يحاصران حاضرة الإسلام الوسطى، وفي داخلها ملكٌ ثالث، مسلم، ومن فوق السور رعيّةٌ من المسلمين تردّ عن نفسها، حتى فرّ المتوكل بعد عشرة أشهر، وقد حمل من ذخائر القادر وأثاثه وسلاحه وكتبه ما شاء فبعث به إلى بطليوس؛ ودخلت قوّات النصارى المدينة في ذي الحجة 473 هـ، وأعادت القادر إلى قصر جدّه، فدخل عاصمته محفوفاً بجند الصليب. 

وهذه هي آفة الأمر؛ فإنّ صاحب السلطان إذا ضاق عليه الطريق، رأى في كلّ منفذٍ باباً للنجاة، ولو كان ذلك الباب مما يفتح على غيره أبواب الهلاك.

ولو سألته لمَ فعلت، ولمَ سلّطت النصرانيّ على مدينةٍ ورثتها عن أبيك وجدّك، ولمَ حاصرت رعيّتك بجيشه؛ لقال لك: سياسة، أخزاها الله، أُجبرت عليها، وإنما استرددتُ ملكي المغصوب، وليس في الأرض من ينصرني غيره.

وأمّا الحساب فقد جاء على مهل؛ إذ كان ألفونسو قد اشترط عليه من قبلُ مالاً وحصوناً فقبضها، ثم أمضى الأعوام التالية يغير على أرض طليطلة مطمئنّاً إلى أنّ حاميها هو خصمُها؛ حتى ضرب عليها الحصار لنفسه لتسعة أشهر سنة 477 هـ، فسقطت في غرّة صفر 478 هـ، ولم يستردّها المسلمون بعدها أبداً. ويخرج القادرُ منها بموجب عهدٍ آخر مع ألفونسو، يسلّم طليطلة ويعينه ألفونسو على بلنسية. فحكم بلنسية بجندٍ قشتاليّ عاث فيها، حتى ثار أهلها فقتلوه، وطافوا برأسه في المدينة سنة 485 هـ.

فتأمّل الحساب على ترتيبه، استعان بالعدوّ ليستردّ مدينته، فأخذها العدوّ منه، فعوّضه عنها بمدينةٍ ليست له، فقتله فيها أهلُها. أكلته الضرورةُ عضواً عضواً، وهو في كلّ خطوةٍ يحسب أنه يشتري بقاءه.

ويصوّره ابن بسّام -وهو ابن زمانه- يوم خرج من طليطلة، فيقول: “وخرج ابنُ ذي النون خائباً ممّا تمنّاه، شَرِقاً بعُقبى ما جناه.. واستقرّ بمَحلّة أذفنوش مخفورَ الذمّة، مُذالَ الحُرمة، ليس دونه بابٌ، ولا دون حُرَمِه سترٌ ولا حجاب؛ حدّثني من رآه يومئذٍ بتلك الحال وبيده أسطرلابٌ يرصد فيه أيّ وقتٍ يرحل، وعلى أيّ شيءٍ يعوّل، وأيّ سبيلٍ يتمثّل، وقد أطاف به النصارى والمسلمون، أولئك يضحكون من فعله، وهؤلاء يتعجّبون من جهله”.

وشيءٌ من ذلك القبيل ما حدث قبل واقعة الزلّاقة؛ فتجد ملك إشبيلية المعتمد بن عبّاد يبعث وزيره ابن عمّار إلى ألفونسو ليعقد له حلفاً، من بنوده أن تمدّه قشتالة بالجند على إخوانه من ملوك الطوائف، وأن يؤدّي هو الجزية، وأن يكفّ يده عن طليطلة إذا نزل بها الصليبيّ، فلمّا خرج المتوكل بن الأفطس ليفكّ الحصار عنها، حاصر المعتمدُ مدينةَ ابن الأفطس وردّه عن نجدتها. أدّى المعتمدُ ما عليه في العهد كاملاً، ثم كان جزاؤه أن انقلب عليه ألفونسو بعد عامٍ يطلب حصونه، ويطلب أن تضع امرأتُه الحاملُ حملَها في جامع قرطبة!

وخلاصة حالهم في مقولة ابن حزم: “والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حُرَم المسلمين وأبنائهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً، فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلّط عليهم سيفاً من سيوفه”! ومات ابن حزم سنة 456 هـ، أي قبل سقوط طليطلة بثلاثين سنة؛ فقد رأى الداء وهو يمشي في الناس، ووصفه، ولم يمهله العمر ليرى كيف قتلهم.

ولكن، رغم كلّ ذلك، لو سألتهم لمَ صنعتم ما صنعتم، لما تآمر الواحد منكم على أخيه، ولمَ حوّلتم حاضرة المسلمين التي الآن نندب ضياعها إلى ذاك الحال؛ لقالوا لك: سياسة، أخزاها الله، أُجبرنا عليها، وإنما ندفع الصائل بالاستعانة بالعدو المسالم. وهذا له جذورٌ؛ فقد أفتى بعض العلماء بذلك للضرورة، وأنّ الاستعانة بهم كآكل لحم الخنزير وشارب الخمرة في البادية بعد أن ضلّ طريقه، ونفد زاده.

وهي ذات العبارة أو شبيهٌ بها، التي لو فتحت كتب التاريخ، وانتقلت إلى فترة ما بعد ملوك الطوائف في الأندلس، تماماً عند الحملة الصليبية الأولى في المشرق، أو كما كانت توصف حملة الفرنجة الأولى بين عامي 489-492 هـ، لوجدتها تنطبق بحذافيرها المخزية على الصراع الذي دار حول دمشق وحلب عام 508 هـ؛ فما إن أرسل السلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه جيشاً من بغداد بقيادة الأمير برسق بن برسق، لاستعادة بلاد الشام وطرد الصليبيين، حتى أصاب الرعبُ الحكام المسلمين المحليين خوفاً على عروشهم، فنهض ظاهر الدين طغتكين حاكم دمشق، ومعه إيلغازي بن أرتق حاكم ماردين ليعقدا حلفاً دفاعياً مع روجر دي سالرنو (Roger of Salerno) حاكم إمارة أنطاكية الصليبية وبلكوين الثاني كونت الرها.

وعسكرت جيوش المسلمين والصليبيين معاً في خندق واحد لصد جيش السلاجقة، الذي حظي بدعم أطراف مسيحية ومسلمة نكايةً في حلف أنطاكية ودمشق، ليقف الإسلام والصليبيون في المعسكرين على حدٍّ سواء، ويتوج هذا الهوان بوقعة تل دانيث عام 509 هـ التي هزمت فيها أنطاكية الصليبية جيش السلاجقة، فتنفس حاكما دمشق وحلب الصعداء فرحاً بنصر حليفهم الإفرنجي على إخوانهم.

ومرّة أخرى لو سألتهم لمَ كلّ هذا وعدوّ الأمّة قد سلب قبلتكم الأولى، وثالث ثلاث من تشدّ إليه الرحال، وفعل وفعل وسفك من الدماء ما وصل حدّ الركب؛ لقالوا لك: سياسةٌ مرهونةٌ بواقع الحال، وهم ألزمونا بذلك حين قرّروا أن يعدوا علينا ويسلبونا ملكنا الذي ورثناه عن آبائنا، فإن كان يقتضي الحال أن نتعاهد مع عدوّ الأمّة لفعلنا ما يقتضي.

وهكذا كان لكلّ واحدٍ منهم حجّته، ولكلّ فعلٍ منهم تأويله، حتى صار لفظ الضرورة ستاراً واسعاً يدخل تحته ما يحسن وما يقبح. وهنا يجيء السؤال الذي لا يكاد يفارق هذه الوقائع:

أين الحد الفاصل بين الواقعية والاستسلام لها؟

أزعم دوماً، أنّ هنالك حالةً عصيبةً نمرّ بها مع تاريخنا، إذ دوماً ما نقرأه بعينٍ مغايرة، نظنّ أن تاريخنا مرّ بحالةٍ مثاليةٍ من السيرورة، فأي قصّة أو حكايةٍ تقرأها تحسبُ أنها بين حقٍّ لا لبس فيه، وباطلٍ لا غموض يعتريه، وهذه النظرة العوجاء لتاريخنا هي ما تجعلنا ننظر إلى واقعنا هذا فنحسبه بدعةٌ من الزمن، فتجد مثلاً من يجعل صلاح الدين في حالةٍ أوليائية، فكأنه بضعةٌ من أبي بكرٍ وعمر، وعثمان وعلي، لكنّ الناظر في سيرته يجده تقلّب بين قتال المسلم والكافر، وهو ما دفع في نهاية المطاف لأن يتنحّى عنه القاضي الفاضل، لأن السلطان الناصر حاد عن طريق القدس!

ونعم، له من الأعذار ما تُطرح، أنّه كان في قتالٍ مع الفرنجة، وأنّه بحاجةٍ للمال والعتاد والرجال، وأنّ ملوك بعض المدائن لا تستجيب لحربه ولا لنصرته، بل لربما استعان بعضهم عليه، ولكن لو تأمّت شيئاً قليلاً لوجدت أنها حيلة كلّ سلطانٍ أو صاحب ولاية أو جاه، يعمد دائماً إلى ارتكاب كل ما يمكن أن يبقيه في سلطانه أو يزيده ملكاً على ملكه، وتبريره دائماً واحد، ولعلّهم استقوا عبارة ميكافيلي ذاته دون أن يعرفوه، بل قبل أن يولد “الغاية تبرّر الوسيلة”.

وهي الغاية التي تنتفي معها كلّ مبدأٍ أو استقامة، إذ لم يعدوا في تاريخنا أن لم تلتبس الغاية السامية بالوسيلة الآثمة، وكثيرٌ من صلح في أوله، فسد في آخره، من هذا ما استحضره في قصة محمد بن أبي عامر، الحاجب المنصور، فمبدأ أمره شعوره بظلم الصقالبة والموالي وعزمه على تنحيتهم، وإعادة الأمور إلى نصابها، أن يحكم العرب أنفسهم، لكنك تجده استبدل صقالبةً لم يوافقوه بآخرين يوالونه، وموالي لم يناصروه، بغيرهم عاهدوه، واستجلب طائفةً من البربر من عُدوة المغرب، وصنع له ما سُمّي “الحرس العامري” أو “الفتيان العامرية”. فكلّ ما وصل إليه الحاجب، أن استبدل ظالماً بآخر.

كما ترى، الحد الفاصل غير مرئي، لا تستطيع رؤيته، غاية ما ترمي إليه في ذلك أن تحوم حوله، دون أن تدركه، فما الفاصل بين الشجاعة والتهور؟ والكرم والإسراف؟ والحرص والبخل؟ والأناة والخوف؟ والرحمة والضعف؟ والحزم والظلم؟

قلّما تجد ذاك الخط، فهو قيدٌ رفيعٌ ينتقل فيه الواحد بين ضفتيه، وهو لا يدري متى وصل هنا أو هناك. 

فكيف نتداركه إن لم نبصره؟

قد يخطر لك أنّ في خفاء هذا الحدّ عذراً، فما دام الخيط رفيعاً لا تبصره العين، فلِمَ يُلام الواقف عليه إن زلّت به القدم إلى الضفّة الأخرى؟ وهذا أوّل ما ينبغي أن يُنتزع من اليد، فإنّ المستسلم والجبان يحتميان بهذه الحجّة عينها، يقولان: لم نرَ الخطّ، فكيف نُحاسب على تجاوزه؟ والخطّ وإن استعصى على العين مجرّداً، له أماراتٌ من أبصرها عرف على أيّ الضفّتين هو واقف، فإن غابت عنه الرؤية لم يَغِب عنه الدليل، وحسبُك بالدليل إن أعوزك البصر.

فأوّل الأمارات وجهة السير؛ إذ قد يصدر الفعل الواحد عن رجلين، يستعين به أحدهما ليبلغ غايةً عُليا، ويستعين به الآخر ليبقى جاثماً على كرسيّه. فانظر في صاحب “السياسة” إلى أين يمضي به فعله، فذاك أصدق من النظر في الفعل وحده؛ فإن كانت ضرورته تقرّبه من مقصده خطوةً فتلك واقعيّة رجلٍ يعي ما يصنع، وإن كانت تدور به حول عرشه دورةً بعد دورةٍ وهو لا يبرح مكانه، فتلك استكانةٌ لبست ثوب الواقعيّة. وملوك الطوائف الذين مرّ ذكرهم، ما دارت ضرورتهم قطّ إلّا حول كراسيّهم، فهذا وحده يفضحهم وإن حسّنوا العبارة.

والأمارة الثانية؛ أن تبقى الرخصة رخصةً؛ فالعالم الذي أفتى بالاستعانة بالعدوّ قاسها بآكل الميتة في المخمصة، والمخمصة ساعة، لا مذهبٌ يُعتنق ولا مائدةٌ تُمدّ كلّ صباح. فمن جعل الضرورة عادةً، ووطّن نفسه على أكل الميتة صباح مساء وهو يجد الطيّبات لو طلبها، فقد نقل قدمه من ضفّة العذر إلى ضفّة الإدمان وهو لا يشعر. وأخوف ما في الأمر أنّ توطين النفس هذا يبدأ بعذرٍ مجرّد، ثم يستحيل طبعاً، فيصبح صاحبه لا يعرف من نفسه غيره، وهكذا تنقلب الرخصة عادةً، ثم يصبح الرجوع عنها أشقّ من الوقوع فيها..

والأمارة الثالثة؛ وهي أخفاها وأصدقها، ذاك الصوت الذي يصارحك أنّك جاوزت؛ البطانة الصالحة؛ فإنّ صلاح الدين على علوّ كعبه لم يعدم من يواجهه، حتى تنحّى عنه القاضي الفاضل حين رآه حاد عن القدس. وإنّما يُبطن الخطر من عَمدَ إلى كلّ ناصحٍ صادقٍ فنحّاه، واستجلب حوله من يزيّن له فعله، ويرقّع له ثوبه البالي، ويبرّر له صنيعه “يبيع آخرته بدنيا غيره” ، كما استبدل الحاجب المنصور من خالفه بمن والاه، وأحاط نفسه بفتيانٍ عامريّةٍ لا يردّونه عن هوى. فمتى خلا حولك من صوتٍ يوجعك، ولم يبقَ في مجلسك إلّا من يصفّق، فهي الطامة.

والأمر الآخر، أنّ الذي يقع في مثالب الواقعية ويخوض في آثامها، لا بدّ له من فقهاء ينتهونه على الملأ، إذ هذا أدعى لأن تعلم العامة والخاصة، أنّ الحاكم أخطأ، فلو سكت كلّ فقيه وعالمٍ عن زلاته؛ لحسب الناس -والناس على دين ملوكها- أنّ تلكم السياسة هي الصواب! 

ثمّ إنّ لهذه الأمارات ثمرةً، لكنّها لا تُقطف إلّا في آخر الطريق، حين تلتفت خلفك فترى كم بعُدت، وكم ممّا صلح في أوّله فسد في آخره ولكثرما اختلط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، والغاية السامية بالوسيلة الآثمة، ولعلّ هذا هو الدرس الذي خلّفته طليطلة، ثم ردّدته دمشق، ثم أعاد التاريخ كتابته في غير موضع.. 

ويبقى بعد ذلك كلّه أمرٌ لا أملك له دواءً موصوفاً، وهو أنّ أسلم الناس من هذا الزلل أشدّهم اتّهاماً لنفسه؛ فالذي يبيت مطمئنّاً أنّه الواقعيّ الحاذق وأنّ سواه هو المستسلم الساقط، أقربُ ما يكون من السقوط وهو يحسب أنّه يحسن صنعاً، وقد يكون ميكافيلي أرحم به لو صدق مع نفسه.

أمّا من يبيت وفي صدره غصّةٌ من فعله، يسائل نفسه: أواقعيٌّ أنا أم مستسلم؟ فتلك الغصّة هي الحارس، وذاك القلق آخر ما يفصلك عن الضفّة التي غرق فيها من كان قبلك، فإن هدأ القلق واطمأنّ صاحبه فقد جاوز الحدّ من حيث لا يشعر، ولات حين مندم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ