البرلمان السوري "المؤتمر والمجلس" - ولادة قبل الدولة وعودة بعد الاستبداد 1919-2026

الوقت اللازم للقراءة:
11 minsتمرّ الدول بلحظاتٍ تعيد فيها كتابة تعريف نفسها، وتُعيد رسم الحدود الفاصلة بين الثورة والسلطة، وبين القوة والقانون، وبين الشرعية والهيمنة. وفي تلك اللحظات، تصبح المؤسسات الدستورية إعلاناً عن طبيعة الدولة التي تتشكل، وعن الفلسفة التي ستدير العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
ومن هذا الباب، تُقرأ التجربة البرلمانية السورية، فهي جزء من رحلة السوريين في البحث عن حكمٍ راشد، بدأ مع المؤتمر السوري العام، وتعاقب عبر مراحل الدولة، حتى بلغ اليوم محطة جديدة مع المرحلة الانتقالية.
أولًا. ولادة البرلمان السوري من المؤتمر لصراع المجالس: بين النيابي والشعب
تعتبر سوريا من أوائل الدول في المنطقة العربية، التي دفعت تجاه حياة برلمانية ناضجة وحرّة، وحملت سوريا حينها القضية العربية، بوصفها قضية قومية تراكمت وتطوّرت خلال منتصف القرن التاسع عشر، قبل أن تتبلور خلال الحرب العالمية الأولى 1914-1918.
شهدت الساحة السورية مساعي دؤوبة لتأسيس الدولة، تجسدت ملامحها في قيام المملكة السورية العربية. وقبل الإعلان الرسمي للدولة، برز تطلّع النخب السورية والعربية نحو بناء كيان سياسي مستقل من خلال نشاط مدني ومجتمعي كثيف. وقد قاد هذا الحراك مثقفون درسوا في جامعات إسطنبول والحواضر الأوروبية، لا سيما فرنسا، مما ساهم في بلورة الوعي بضرورة إيجاد مؤسسات وطنية تمثيلية.
ومن الملفت أن التجربة البرلمانية في سوريا سبقت قيام الدولة بشكل رسمي، فكان ما عرف حينها بـ «المؤتمر السوري» من أوائل المؤسسات التي تشكّلت قبل تشكّل الدولة نفسها، وذلك عبر حركة مجتمعية سورية خلال جولة خاصة للجنة أمريكية عُرفت باسم لجنة كرين-كينغ (Commission Craine-King) عام 1919 بهدف تلمّس قدرة السوريين على حق تقرير مصيرهم بيدهم. وعند تأسيس الدولة السورية الأولى في 8 آذار من العام 1920 كان للبرلمان السوري، الذي انبثق من المؤتمر، دور بارز في الحياة السياسية والوطنية.
وعلى ما كان في هذه التجربة من قصور، منحت السوريين دافعاً لبناء نموذجهم الخاص، الذي اعتمد بشكل أساسي على العوامل التي صكّها الأدباء العرب، مثل الحصري والكواكبي، وترجمت في دستور المملكة عام 1920 الذي أشار بشكل صريح للنموذج النيابي الديمقراطي كما ورد في المادة 1، الذي وضعه البرلمان السوري.
مثّل البرلمان السوري مختلف الأقاليم التي انخرطت في مشروع المملكة العربية السورية، ومن بينها فلسطين، التي برز منها محمد عزة دروزة بوصفه أحد أبرز ممثليها وسياسييها ومفكريها، إذ أسهم في كتابة التاريخ العربي والإسلامي، كما شارك عضوًا في الجمعية التأسيسية التي تولت صياغة دستور المملكة.
وعقب سقوط المملكة العربية السورية وفرض الانتداب الفرنسي على سورية عام 1920، دخلت البلاد مرحلة من الانقطاع النسبي في الحياة السياسية المنظمة، استمرت قرابة أربع إلى خمس سنوات. ومع تصاعد الحراك الوطني المناهض للانتداب، بدأت الحياة السياسية تستعيد زخمها تدريجيًا، وكان من أبرز تجليات ذلك تأسيس “حزب الشعب” في دار الأوبرا بدمشق عام 1924، بوصفه أول حزب سياسي منظم في مرحلة الانتداب، إيذانًا بعودة النشاط السياسي والاجتماعي بعد توقفه منذ حل المؤتمر السوري العام.
بدأ فارس الخوري، نائب الرئيس، كلمته بالتأكيد على وحدة سوريا وحريتها وتنوعها، والدعوة إلى حكومة وطنية دستورية، ولعل هذه الدعوة كانت شرارة انطلاق الثورة السورية الكبرى عام 1925، ولاحقاً أول بذرة لكتابة السوريين لدستورهم الأول (1928-1930) في الدولة الجديدة والجمهورية الأولى.
وقد شكّلت «الجمعية التأسيسية» التي تشكلت في بيروت، من قبل شخصيات وطنية حملة اسم “الكتلة الوطنية” الإطار الأساسي للجمهورية الأولى الجديدة والبرلمان الجديد. حيث تولت عملية التفاوض مع الانتداب لمدة عامين. وشكّل دستور عام 1930 محطة مفصلية في تطور الحياة النيابية السورية حيث أصبح اسم البرلمان حينها «المجلس النيابي»، إذ أرسى أسس الجمهورية السورية وحدد صلاحيات السلطات العامة، كما نص على انتخاب مجلس نيابي يمثل السوريين ويضطلع بمهام التشريع والرقابة على الحكومة. وعلى الرغم من القيود التي فرضتها سلطات الانتداب الفرنسي على الحياة السياسية، فإن الانتخابات البرلمانية أصبحت جزءاً من المشهد السياسي السوري، وشهدت البلاد تنافساً بين كتلتين أساسيتين «الكتلة الوطنية» و «الكتلة الدستورية» التي تحوّلت لاحقًا لأحزاب سياسية عقب الاستقلال السورية.
ومع حصول سوريا على استقلالها الكامل عام 1946، دخلت البلاد مرحلة جديدة من العمل البرلماني، حيث أصبح البرلمان أحد أبرز مراكز الحياة السياسية. وشهدت تلك الفترة نشاطاً حزبياً واسعاً تمثّل في أحزاب الكتلة الوطنية، وحزب الشعب، والحزب الوطني، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، إلى جانب شخصيات وازنة لعبت دوراً مؤثّراً في النقاشات السياسية والدستورية كمصطفى السباعي. وتميزت هذه المرحلة بتعددية سياسية نسبية وحرية صحافة وحياة حزبية نشطة مقارنة بمعظم دول المنطقة في ذلك الوقت.
| محطات تطور البرلمان السوري 1920-2024 | ||
| فترة المملكة السورية | المؤتمر السوري1920 | لم يكن دولة مستقلة قائمة بعد، بل هيئة وطنية تمثيلية اجتمعت لبحث مستقبل البلاد لذلك استُخدم مصطلح «المؤتمر» على غرار المؤتمرات الوطنية التي تمثل مختلف المناطق والقوى السياسية. |
|
فترة الانتداب والاستقلال |
المجلس النيابي1930 |
استمدت التسمية من التقليد الدستوري البرلماني الأوروبي والعثماني، فيُنظر إلى الأعضاء على أنهم «نواب» عن المواطنين يمثلونهم أمام السلطة مما يعكس مفهوم الديمقراطية التمثيلية. |
| فترة الوحدة | مجلس الأمة1958 | استُخدمت للتأكيد على فكرة الأمة العربية الواحدة، وأن التمثيل السياسي لم يعد يقتصر على الشعب السوري، بل يشمل الأمة العربية في إطار الوحدة مع مصر. |
| فترة الانفصال | المجلس النيابي1961 |
العودة لأسس تأسيس الجمهورية السورية الأولى 1930 ومخرجات الجمعية التأسيسية 1928. |
| فترة البعث | مجلس الشعب1973 | ارتبطت بخطاب حزب البعث والاشتراكية العربية، وجرى التركيز على مفهوم «الشعب» باعتباره مصدر الشرعية والثورة، وتمثيل الفئات المهمشة داخل البرلمان مثل: العمال والفلاحين والفئات الشعبية. وتحول دوره إلى مطية للسلطة التنفيذية التي تعبر عن شخص الرئيس، الرئيس الفرد وليس الرئيس الممثل. |
غير أن التجربة البرلمانية السورية واجهت تحديات متكررة نتيجة عدم الاستقرار السياسي وتدخّل المؤسسة العسكرية في الحياة العامة. وتُعد الفترة الممتدة بين عامي 1954 و1958 من أكثر مراحل الحياة البرلمانية السورية حيوية، إذ شهدت انتخابات تنافسية ونشاطاً حزبياً واسعاً ونقاشات سياسية حادة داخل البرلمان.
وعقب انهيار الوحدة عام 1961 وعودة الجمهورية العربية السورية، استؤنفت الحياة البرلمانية لفترة قصيرة، لكن هذه المرحلة انتهت مع انقلاب الثامن من آذار/مارس 1963 الذي أوصل حزب البعث إلى السلطة، لتدخل سورية نفق الاستبداد، ويصبح البرلمان الذي سماه البعث «مجلس الشعب» حتى العام 2024 مجرد أداة أمنية تتبع للسلطة التنفيذية وذات الرئيس.
ثانيًا. استعادة الدولة لمجلسها: المرحلة الانتقالية 2025
تعتبر العملية الانتخابية، في السياقات الانتقالية، أكثر من مجرد حدث سياسي استثنائي، فهي تعبير عن التوازن بين الإرادة الشعبية من جهة، ونية بناء مؤسسات الدولة من جهة أخرى. فالانتخابات، بوصفها إحدى آليات التداول السلمي للسلطة، لا تستوفي معناها الحقيقي إلا عندما تصبح جزءً من مشروع سياسي واسع قادر على إحداث حلقة وصل بين السلطة السياسية والمجتمع والفرد. لكن هذا المعنى غالباً ما يتراجع في المجتمعات الخارجة من أزمات سياسية كبرى كإسقاط أنظمة مستبدة، حيث تحدّد العملية الديمقراطية في شكلها الإجرائي، ما يؤدي لتهديد استكمالها بمضامينها المؤسسية. وفي الحالة السورية، تمثل فكرة الانتخابات البرلمانية بحد ذاتها امتحانًا وطنيًا من أجل إعادة بناء المجال العام.
عقب بدء المرحلة الانتقالية في سوريا، دخلت الحكومة الجديدة مسار الانتخابات التشريعية بصيغة هجينة، وفق آلية خاصة حدّد أطرها الإعلان الدستوري 2025 وما قرّرته لاحقاً اللجنة العليا للانتخابات، وبمقتضى تلك الآلية، تقوم اللجنة العليا بتعيين هيئات ناخبة تنتخب من بينها ثلثي الأعضاء ويعيّن رئيس الجمهورية الثلث المتبقي من الأعضاء، وذلك بحسب الإعلان الدستوري.
وحوّلت المراسيم اللاحقة بنود الإعلان الدستوري المتعلّقة بالمجلس التشريعي إلى جدول زمني عملي، أفضى إلى حدوث عملية اختيار لأعضاء المجلس، رغم العقبات الأمنية واللوجستية، مع ترحيل الاختيار فيما يتعلق بالسويداء لأسباب أمنية. وعُقِدَت الانتخابات على دفعات خاصة لأسماء الثلثين المختارين، كونها في الغالب ما ارتبطت بالتطورات الأمنية والسياسية والإجرائية آخرها كان في الجزيرة السورية. لكن الثابت خلال تلك الموجات هو وجود ثغرات حقيقية في التمثيل، تمثلت في ضعف تمثيل النساء والشباب وبعض المكونات والمناطق الجغرافية.
ولم يكن ذلك ناتجًا عن الآليات الانتخابية وحدها، بقدر ما ارتبط بضعف الثقافة الانتخابية، واستمرار أنماط التصويت القائمة على الولاءات التقليدية، الأمر الذي حدّ من قدرة العملية الانتخابية على إنتاج تمثيل أكثر شمولًا وتوازنًا. وقد يبرر ذلك لحداثة فكرة الانتخاب الحر في سورية بكون هذه الانتخابات هي ناشئة غير مسبوقة في سورية. وقد عزز ذلك، غياب الأحزاب السياسية والقوى المدنية المنظمة، وحملات التنافس البرامجية، حيث لم تؤدِّ الانتخابات لنتائج أيديولوجية واضحة أو تحالفات منظمة داخل البرلمان.
لعل هذه من الأسباب المركزية التي أدتّ لتأخير إعلان الرئيس عن القائمة الخاصة به، وذلك منذ انعقاد أول جلسة انتخابية في 5 تشرين الأول 2025 وحتى تاريخ 1 تموز 2026 أي حوالي عشرة أشهر، ولا يعتبر ترحيل الإعلان عن القائمة الرئاسية بحدود شهرين إلى ثلاثة أشهر من انعقاد الانتخابات الأولى خارج المألوف، لكن طول المدة تشير لحسابات حساسة وتعقيدات سياسية وإجرائية وأمنية عديدة.
فقد تحول السؤال بسبب الآلية نحو الثلث الخاص برئيس الجمهورية من أجل تحقيق التوازن المطلوب، فالنظام الانتخابي الحالي يجمع بين أدبيات التمثيل النيابي الديمقراطي غير المباشر، عبر الانتخاب وبين فلسفة التعيين. وهي سابقة في تاريخ سورية بالنظر إلى آليات الانتخابات سابقًا. ولعل الدافع وراء اختيار هذه الآلية هي صعوبات إنجاز انتخابات طبيعية، نتيجة غياب منظومة إحصائية دقيقة وتآكل المؤسسات الحكومية وغياب المتطلّبات البنى التحتية الإجرائية لإجراء انتخابات بالمعنى الفني والتقني، وتعذّر الوصول إلى جميع السوريين، وعدم تحقيق احتكار العنف الكامل على كامل الجغرافيا السورية.
لكن، تعكس هذه الخطوة محاولة للانتقال من إدارة المرحلة الانتقالية بمنطق القوة إلى إدارتها بمنطق المؤسسة، إذ لم تعد شرعية الحكومة الجديدة تستند إلى واقع السيطرة العسكرية أو الدور الثوري فقط، وإنما بدأت تبحث عن أدوات مؤسسية تمنح عملية صنع القرار قدرًا أكبر من التمثيل والقبول السياسي، رغم القيود التي ما تزال تفرضها المرحلة الانتقالية.
وبشكل مفصل أكثر، يُظهر الإعلان رغبة دمشق الجديدة في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار الأمني ومقتضيات التمثيل السياسي الجامع، بما يعكس إدراكًا بأن إدارة المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تستند إلى السيطرة الأمنية أو الشرعية الثورية وحدهما، وإنما تحتاج كذلك إلى بناء شرعية مؤسساتية تحظى بقبول أوسع داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق، تمثل الآليات التي تضمنها الإعلان خطوة نحو ترميم الشرعية من خلال أدوات قانونية ورمزية، تسعى إلى إشراك فئات اجتماعية وسياسية متنوعة في العملية السياسية، رغم القيود التي تفرضها المرحلة الانتقالية.
لذا، يمكن فهم الإعلان بوصفه محاولة لتأسيس ما يمكن تسميته بـ “الشرعية الوطنية المركبة”، وهي شرعية تجمع بين المشروعية المستمدة من الثورة ودورها في إحداث التغيير، وبين الشرعية المستمدة من المؤسسات والتمثيل السياسي والمشاركة العامة. مما يعكس إدراكًا بأن استقرار النظام السياسي الجديد لن يتحقق بالاعتماد على أحد المصدرين بمعزل عن الآخر، بل من خلال إيجاد صيغة توازن بين شرعية الثورة بوصفها لحظة تأسيس، وشرعية الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لجميع المواطنين.
ومن ثم، فإن الإعلان لا يقتصر على تنظيم السلطة في المرحلة الانتقالية، بل يؤشر إلى محاولة إعادة بناء الثقافة السياسية في سورية، على مستوى ثقافة الانتقال والانتخاب والتغيير، أي تعريف مصادر الشرعية السياسية في سورية، والانتقال تدريجيًا من شرعية الفعل الثوري إلى شرعية الدولة والمؤسسات، دون القطيعة مع الإرث الذي أفرزته الثورة نفسها، من الناحية الرمزية والثقافية، عبر قيم: الحرية، الكرامة، العدالة، كمدخلات أساسية لكل قرار وسلوك سياسي واجتماعي.
دور المجلس في إعادة بناء السياسة في سورية
لا تقتصر التحديات التي تواجه مجلس الشعب السوري الجديد على الجوانب القانونية والإجرائية فحسب، بل تمتد إلى دوره في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات طويلة من الاستبداد. فالمجلس لا يدخل إلى مشهد سياسي مستقر يمتلك مؤسسات راسخة وقواعد دستورية متوافقاً عليها ولا فريق عمل مؤهل وصاحب خبرة سياسية بالمعنى الثقافة السياسية والعملية، بل يباشر عمله في مرحلة انتقالية معقدة تتشابك فيها القضايا السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية. ولذلك، فإن نجاحه من الصعب أن يُقاس فقط بعدد القوانين التي سيقرها أو أولياتها الرمزية، وإنما بقدرته على المساهمة في استعادة الثقة بالعمل العام والمؤسسات التمثيلية ولا سيما في إطار «تحصين مبادئ الثورة».
ومن أبرز التحديات التي ستواجه المجلس قضية التمثيل السياسي، فعلى الرغم من أهمية إجراء الانتخابات وتشكيل المؤسسة التشريعية، يبقى السؤال الأساسي متعلقّاً بمدى قدرة المجلس على التعبير عن التنوع السوري بمختلف مكوناته الجغرافية والاجتماعية والسياسية في ظل وجود صورة قاتمة حوله، تبدأ من التسمية وتنتهي بالمخرج، لذلك تمثّل جزئية العودة لتسمية «المجلس النيابي» خطوة مهمة وذات بعد رمزي عميق كونها تربط بين أباء بناة الدولة السورية وبين الحاضر الجديد.
ولعل ثلث الرئيس المثقل يعتبر غاية في الدقة والأهمية وهو من سيجعل هندسة المجلس أكثر توازناً، في حال التزام الدقة والحرفية في الاختيار، فقد أحدث الطريقة التي حكم بها النظام السابق، تحولات عميقة في البنية السكانية، وأفرزت واقعاً جديداً يتطلب آليات تمثيل أكثر شمولاً، بما يضمن مشاركة مختلف الفئات في صناعة القرار الوطني.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل الحاجة إلى بناء توافقات واسعة حول مستقبل الدولة الجديدة خلال المرحلة الانتقالية. كما سيكون المجلس أمام مهمة حساسة تتمثل في مراجعة الإرث التشريعي المتراكم خلال العقود السابقة، فالكثير من القوانين والمراسيم النافذة صدرت في ظروف سياسية متعلقة بمصالح منظومة الأسد نفسها، وبعضها ارتبط بمرحلة الاستثناءات الأمنية وتجبر السلطة التنفيذية. ومن هنا، فإن عملية المراجعة القانونية لا تقتصر على تعديل النصوص فحسب، بل تتطلب إعادة النظر في الفلسفة القانونية التي حكمت العلاقة بين الدولة والمواطن، بما ينسجم مع مبادئ سيادة القانون والمواطنة المتساوية.
إلى جانب ذلك، يبرز ملف العدالة الانتقالية بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية. إذ سيكون المجلس مطالباً بالمساهمة في وضع الأطر القانونية اللازمة لمعالجة آثار الانتهاكات السابقة، وتعزيز السلم الأهلي، وحماية حقوق الضحايا، وإيجاد آليات قانونية تضمن تحقيق العدالة من دون المساس بالاستقرار المجتمعي. وتعد هذه المهمة من أصعب المهام التي تواجه أي مؤسسة تشريعية في مراحل التحول السياسي، نظراً لما تتطلبه من توازن دقيق بين العدالة والمصالحة.
أخيراً، قد يكون التحدي الأهم أمام المجلس هو الانتقال من دوره التقليدي كمؤسسة تشريعية إلى دور الشريك في صياغة عقد اجتماعي جديد للسوريين. فكما ساهم المؤتمر السوري العام عام 1920 في وضع الأسس الدستورية لأول دولة سورية حديثة، يجد المجلس نفسه اليوم أمام فرصة تاريخية للمساهمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
وتنبع أهمية هذا الدور من الحاجة إلى معالجة حالة التشوش التي أصابت الوعي والإدراك المواطني خلال العقود الماضية، حيث ساهم النظام السابق في ترسيخ مفهوم الامتيازات المرتبطة بالاقتصاد والطائفة والنخب، على حساب مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون. ومن هنا، فإن بناء عقد اجتماعي يتطلب إعادة تعريف الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية، بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو أمنية أو فئوية.
وتعتبر هذه المهمة من أكثر التحديات تعقيداً، لأنها تمس جوهر الدولة وطبيعة توزيع السلطة فيها، وتدخل مباشرة في صلب العلاقة بين المؤسسات العسكرية والقوى المدنية. فالعقد الاجتماعي في الدول العادلة لا يحدد فقط شكل الحكم، بل يقدم أيضاً إجابات واضحة حول حدود السلطة وآليات الرقابة عليها. ومن هذا المنطلق تتميز الدولة المتقدمة عن غيرها في إجابتها على أسئلة سياسية كلاسيكية في مبدأ الحكم الرشيد وهو: «من يحرس الحراس؟» أي من يراقب أصحاب السلطة ويضمن خضوعهم للمساءلة القانونية والمؤسساتية.

