على الطريق: عن مواصلات دمشق

آخر تحديث: 1 يوليو، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

10 mins

بدأت القصة يوم ٢٥ شباط عندما كنت متأخّراً أريد اللحاق بالإفطار عند أقاربي، وأنا من ساكني التل وأركب من نقطة بداية الخط عند موقف المستشفى. طال الانتظار حتى وجدت نفسي أقف أكثرَ من نصف ساعة مع أكثر من 20 رجل وسيدة وطفل، في البداية اعتقدت أنه زحام طبيعي لكن بدأت أسمع كلاماً متناثراً عن إضراب وعن تغيير ما حصل لتعريفة الركوب، بعد قليل وقف بجانبنا باص صغير خاص يتسع لثمان ركاب وطلب منا أجرة مضاعفة لكي يقلنا إلى كراجات القابون، وقد كان. بعد أن حوى عشر ركاب.

خلال شهر آذار ونيسان بدأت أجور المواصلات تنخفض بشكل ملاحظ مع وضع لافتات تسعير جديدة، لكن بعد هذا التخفيض عادت المحافظة لرفع الأجرة هذه التحولات التي حصلت خلال أقل من خمسة أشهر وأنتجت ثلاث تعريفات مختلفة هي موضوع هذا التقرير الذي سيحاول رصد ردات الفعل المختلفة من أصحاب الميكرو باصات والركاب والسائقين من خلال مقابلات ومقارنات ورحلات تمت على خطوط مختلفة من مواصلات دمشق. 

ما قبل إضراب شباط

مرّ تغيير التعريفات بمراحل مختلفة. أول هذه المراحل عندما قرّر السائقون تغيير تعريفة الركوب بخطوط مختلفة من تلقاء أنفسهم بعد سقوط النظام البائد على سبيل المثال بحسب من قابلناهم من ركاب على الطريق. ولعل أغرب هذه الزيادات خط المعضّمية الذي ارتفع من 5000 ليرة سورية إلى 11000 بنسبة زيادة فاقت الضعف. 

الخط قبل التحرير بعد التحرير نسبة الزيادة
حرستا 1,500 3,000 100%
مزة جبل كراجات 1,500 3,000 100%
المعضمية (ضواحي دمشق) 5,000 11,000 120%
قصاع باب توما (النقل العام) 2,000 4,000 100%
خطوط أخرى لا تقل عن 80%

بعيداً عن الزيادات، شاركنا بعض الركاب ملاحظات مهمة عن الأوضاع المتعلقة بصعوبة التنقّل قبل التحرير والتي كانت تزيد من التعريفة للاضطرار لركب التكاسي مشاركة مع ركاب آخرين أو ركب الفانات/الباص الذي يتسع لثمان ركاب والذي اضطررت لركوبه عند حدوث الإضراب، وذلك لأسباب كثيرة من قلة توافر المحروقات المدعومة أو لقيام بعض السائقين ببيع مخصصاتهم من المحروقات وعدم العمل على الميكرو باص.

ردّا على هذه الزيادات التي أرهقت المواطن بدأت رحلة التغييرات التي كما هو مشاهد ما زالت غير محسومة. فقامت محافظة دمشق بنهاية سنة 2025 بتعديل التعريفات بالتزامن مع انخفاض أسعار المحروقات وشهدت وقتها خطوط دمشق إضرابات مختلفة للاعتراض على هذه التعريفات، ومن ثم عادت الخطوط للعمل ولكن بالأسعار القديمة من غير أي تعديل مبني على القرار

ما بعد إضراب شباط

بعد انتهاء الإضراب الذي لم يلقى أي استجابة ولم يدم إلا يومين اثنين بحسب السائقين وتثبيت التعريفة على خط التل 3500/35 بعد أن كانت 5000/50 سألت أحد ملاك الميكرو باصات على خط التل عن السبب وراء هذا التخفيض وكان برأيه أن هذا التخفيض سببه المشاكل التي نشبت بينهم وبين مراقبي الميكرو باصات حول ما يأخذ المراقبون من تعريفة على كل ميكرو وجراء ذلك اشتكوهم للمحافظة وسعوا بخفض التعريفة لمضايقتهم. والحقّ أن هذا التفسير بدا لي منطقياً حينها، حيث لم يكن هنالك أي تخفيض آخر بحسب ما سألت في الكراجات والخطوط التي أركبها بشكل يومي، ثم خلال الشهر بدأ التخفيض يطال خطوط أخرى على سبيل المثال خط آداب كفرسوسة الذي تم تخفيضه من 3000/30 إلى 2000/20.

ذات المالك كان غاضباً جداً من القرار فهو يملك باصبن على الخط نفسه لكنه اضطر لتوقيف أحدهما بسبب هذا التخفيض. فبحسابات ذاك الرجل، فإن هذه التعريفة ظالمة حيث أن المحروقات بازدياد وبدل أن تثبت الأجرة أو يحصل لها زيادة تقوم المحافظة بتخفيضها من أجل إرضاء المواطن مع عدم وضع أي اعتبار لأصحاب الرزق على حسب تعبيره، حاولت أن أصل معه لنسبة واضحة انخفض بها دخله فلم يجب بشكل واضح، لكنه قال بأن العائد لا يكفي أن يعمل على الباص مالك وسائق، فالعائد يذهب جزءٌ منه إلى المالك، وجزءٌ آخر إلى إيجار السائق وإصلاحات الباص، حتى قبل حساب كلفةالمحروقات المتزايدة، وعند السؤال عن الأجرة العادلة من وجهة نظره قال أن تعود كما كانت بلا زيادة أو نقصان..

عند التوجّه للركاب وسؤالهم عن رضاهم بحسب تعبير المالك عن انخفاض التعريفة كلهم أبدى استحسان القرار ولكن المفاجيء أنه ومع هذا التخفيض مازالت تكاليف المواصلات تشّل لهم عبئاً يومياً. 

سألنا أكثر من ٢٠ راكب يستخدمون خطوط مختلفة منهم عاملين طلاب أو موظفين عن النسبة التي تشكلها أجرة المواصلات من دخلهم الشهري، وكان الجواب متبايناً بشكل ملحوظ حيث لم تقل النسبة -حتى مع تخفيض أجرة بعض الخطوط في دمشق- عن 30% من الدخل الشهري على المواصلات العامة فقط، بل و وصلت النسبة من 50^ حتى راتب رب الأسرة كاملاً الذي يصرف على المواصلات بشكل خاص إن كان لديه طلبة جامعيين وعلاوة على ذلك إن كانوا من سكان ضواحي دمشق.

ولو كان لنا أن ننظر للموضوع من زاوية علم الاقتصاد، تُوصف الأسرة بأنها في مرحلة فقر المواصلات إذا كانت تكاليف تنقلها الشهري تستهلك خُمس دخلها (20% أو أكثر) من منظور البنك الدولي.

وصحيح أننا لا نملك بين أيدينا دراسات في السياق السوري عن علاقة الدخل الشهري للأسر مع أجور المواصلات لكن هناك دراسة حديثة في لبنان عن سلوك التنقّل في لبنان بعد 2019 يمكن الاستئناس بها. وما يهمنا من تلك الدراسة، التي تمّ نشرها منتصف العام السابق، النسبة التي خلصت لها حيث تشير نتائجها إلى أن غالبية الأسر اللبنانية تخصص بين 11-25% من دخلها للنقل، بينما تتجاوز هذه النسبة  الربع عند أكثر من 22% من العائلات اللبنانية وهذه نسبة مرتفعة لكنها أقل مما عبر عنه الركاب الذين قابلناهم بطرقات دمشق.

استراتيجيات السائقين مقابل خفض التعريفات

بعد تخفيض التعريفات كنت أريد الذهاب من شارع الثورة للمزة وكالعادة وقت الذروة يقوم السائقون بتقسيم الخط.

فتراني أقف، وغيري من الركاب، أكثر من نصف ساعة بانتظار ميكروباص ليأخذنا ولكن كل من يقف يخبرنا بأن آخر نقطة سيذهب لها هي البرامكة وكما ذكرنا هذه المسافة لا تتجاوز ٢ كم مع أن الخط المسجل على الفانوس مزة جبل كراجات، وحين توجّهنا لأحد عناصر شرطة المرور قال بأن خط هذه الباصات هو برامكة كراجات وهذا الخط موجود وله نفس التعريفة 3500/35 لس فأخبرناه بأن الفانوس مكتوب عليه المزة قال الورق المسجل لهم حتى البرامكة.

وهذا ليس بصحيح حتى بسؤال عدة سائقين عن هذا الخط أخبروني بأن هنالك خطان مختلفان برامكة كراجات ومزة جبل كراجات بنفس التعريفة ولكن ما يكتب على الفانوس هو الخط وليس غير ذلك، هذه الاستراتيجية يتبعها الكثير من السائقين بشكل خاص مع الخطوط ذات الطابع المزدحم وقابلية التبديل العالية.

أخبرنا عصام وهو عائد حديثاً من مصر ويسكن منطقة التل بأنه خلال يومان فقط دفع ثلاث تعريفات مختلفة حيث أنه كلما سأل سائق أخبره تعريفة مختلفة حتى شاهد بطاقة محافظة دمشق التي كتبت عليها التعريفة الرسمية، دفع مرة 5000 ومرة 4000 ومرة 3500، وهو زوج وأب تحتاج عائلته لثلاث كراسي في كل رحلة هذا يجعل الفارق كبير بالنسبة له أخبرنا بأنه عندما شاهد البطاقة وجد عليها رقماً للاستعلامات فاتصل عليه ليفهم سبب هذا الاختلاف فوصلته رسالة بأن الخط يعمل على تطبيق الدردشات الواتس أب فقط وبأقل من 48ساعة كانت قد سجلت شكواه، وهذا الاختلاف لم يقتصر على خط التل فمثلاً عند قياس خط كفرسوسة آداب والذي حددت تعرفته الرسمية ب2000/20 ل.س، قام السائقين بتعديل التعرفة يدوياً على البطاقات لتكون 2500/25.

خلال المقابلات مع الركاب طرحنا سؤالاً متعلّقاً بأكثر طلب يمكن أن يقلل عنهم العبء وقد كانت الإجابات جميعاً تتجه نحو جعل التعريفة مقسّمة وهذه كانت طريقة تقسيم الخطوط بحسب تعبيرهم منذ سنين مضت، حيث هذه الآلية تضع تسعيرات مختلفة لنفس الخط حيث مثلاً خط مثل أداب كفرسوسة عندما يقل راكب من البرامكة إلى الفحامة بما يقارب 1 كم لا تكون تعريفته كاملة وأيضاً خط مزة جبل كراجات الذي يقسم الخط ويأخذ الركاب نحو البرامكة فقط سيوقفه تقسيم تعريفة الخط عن هذا السلوك.

كيف تحسب التعريفة؟

سألت سائق على خط التل عن كيفية حساب التعريفة فكان جوابه متطابق مع سائقيين آخريين من الساقة الذين كانوا في مشاركين في الإضراب عند مرحلة التخفيض الأولى حيث تحسب الأجرة بحسب الكيلومترات التي يقطعها الميكرو باص بحسب تعبيرهم كانت الأجرة لخط التل 4800 ل.س وتجبر ل5000 ل.س لأن الكيلومتر الواحد يحسب بـ 400 ل.س والخط 12 كم، وبحسب ما أخبروهم بالمحافطة فأجرة الكيلومتر نزلت إلى 300 ل.س، وبقياس التكلفة على المساحة، تبلغ الكلفة 3450 تجبر إلى 3500 لقطع مسافة تبلغ 11.5 كم.

نشرت وكالة الأنباء سانا بتاريخ 25 تشرين الثاني 2025 مقابلة مع مدير عام المؤسسة العامة لنقل الركاب عمر قطان حيث حدّد المعايير التي تقوم اللجنة المسؤولة عن التسعير باتباعها وهي على الشكل الآتي:

  • المسافة المقطوعة
  • تكاليف التشغيل من وقود وزيوت وصيانة يومية
  • تكاليف الإهلاك
  • طبيعة مسار الخط ونسبة التبديل

وللوقوف عند هذه المعايير، قمنا بالقياس الميداني للمسافات التي تقطعها بعض الخطوط باستخدام تطبيق خرائط جوجل، مع ملاحظة المعايير الأخرى وسؤال السائقين للمقارنة فيما بينها وبين التسعيرات التي تخضع لها، وكانت النتائج على الشكل التالي:

الخط المسافة قبل الإضراب بعد الإضراب الحالية
التل 11.7 كم 5000/50 3500/35 5000/50
دوما 14 كم 5000/50 3500/35 5500/55
حرستا 6.9 كم 3000/30 2500/25 3500/35
الديابية 11 كم 5000/50 5000/50 5000/50
حمورية 11.3 كم 5000/50 3500/35 5500/55
مزة جبل كراجات 13 كم 3000/30 2500/25 3500/35
آداب كفرسوسة 5.3 كم 3000/30 2000/20 3000/30

بالمقارنة بين الخطوط السابقة نجد عدم توازن بين تسعيرات الخطوط بالنسبة للمسافة والتبديل، فخط مثل خط حرستا أقل من نصف مسافة خط التل ويقارب تعريفته، وخط مثل خط الديابية فيه تبديل ومسافته متقاربة من خط التل وتعريفته.

خط التل

المسافة: 11.7 كم

التعريفة:

  • قبل الإضراب: 5000\50
  • بعد الإضراب: 3500\35
  • الحالية: 5000

وهو خط ذو طبيعة جبلية مما يزيد من الهالك وتكاليف التشغيل، وفيه نقاط تبديل بشكل خاص (عش الورور/معربا)، وبسبب وجود خط نقل داخلي تحدد تسعيرة الخط داخل التل بـ 20/2000 ل.س بما يوازي تعريفة خط النقل الداخلي، وهذا تطبيق عملي لفكرة تقسيم الخط فرضه وجود خط داخلي في التل.

خط دوما

المسافة: 14 كم

التعريفة:

  • قبل الإضراب: 5000\50
  • بعد الإضراب: 3500\35
  • الحالية: 5500

خط ذو مسافة طويلة لكنه طريق مستوٍ قليل الزحام لاستخدام الأوتوستراد، ولا يوجد تبديل إلا بداخل دوما أو عند المستشفى العسكري.

خط حرستا

المسافة: 6.9 كم من كراجات القابون

التعريفة:

  • قبل الإضراب: 3000\30
  • بعد الإضراب: 2500\25
  • الحالية: 3500\35

خط قصير فيه تبديل داخل حرستا، يطول الخط ما يقارب 2 كم إذا بدأ من موقف مستشفى الحياة.

خط الديابية

المسافة: 11 كم

التعريفة:

  • قبل الإضراب: 5000\50
  • بعد الإضراب: 5000\50
  • الحالية: 5000

هو خط يبدأ من كراج الست زينب، وله طريقان: طريق داخلي يمر ببيلا، وطريق المطار الذي يرفع التعريفة إلى 60\6000، وهذا الخط فيه تبديل ولكنه قليل كخط التل.

خط حمورية

المسافة: كامل من الكراجات حتى حمورية 11.3 كم

التعريفة:

  • قبل الإضراب: 5000\50
  • بعد الإضراب: 3500\35
  • الحالية: 5500\55

وهو خط يمر على مناطق مختلفة بمسافات مختلفة:

  • عين ترما: 6.5 كم
  • كفر بطنا: 8.6 كم
  • سقبا: 10.1 كم

خط مزة جبل كراجات

المسافة: الخط كامل 13 كم

التعريفة:

  • قبل الإضراب: 3000\30
  • بعد الإضراب: 2500\25
  • الحالية: 3500\35

وهو من أكثر الخطوط تبديلاً التي قمنا بقياسها، حيث لقياس الخط كاملاً نركب من نقطة الانطلاق حتى نقطة الوصول. هذا الخط الوحيد الذي كنت الوحيد الذي أكمل الخط كاملاً من ساحة الهدى حتى كراجات القابون.

نقاط التبديل الرئيسية:

  • من الكراجات لشارع الثورة: 5.5 كم.
  • من شارع الثورة للبرامكة: 1.7 كم.
  • من البرامكة لمستشفى المواساة: 3 كم.

خط آداب كفرسوسة

المسافة: الخط كامل 5.3 كم

التعريفة:

  • الحالية: 3000\30
  • قبل الإضراب: 3000\30
  • بعد الإضراب: 2000\20

هذا الخط قصير وفيه تبديل عالي حيث من بداية الخط هنالك تبديل عند نزول الركاب في الفحامة من البرامكة والتي لا تتجاوز المسافة بينهما ١كم، ثم في كفرسوسة عدة مواقف أشهرها مول شام ستي سنتر حتى يصل الخط إلى كلية الأداب.

بالمقارنة بين الخطوط السابقة نجد عدم توازن بين تسعيرات الخطوط بالنسبة للمسافة والتبديل فخط مثل خط حرستا أقل من نصف مسافة خط التل ويقارب تعريفته، وخط مثل خط الديابية فيه تبديل ومسافته متقاربة من خط التل وتعريفته 

في النهاية يمكننا تلخيص ما وقفنا عليه  خلال المقابلات إن كان مع الركاب أو السائقين، توجيه وتحميل عبء هذا التوتر الحاصل من التغيرات السريعة بالتسعيرات بشكل أكبر نحو بعضهم البعض بالرغم من الاضرابات التي قام بها السائقون لكن في النهاية لحظة الحقيقة تظهر عندما يطلب السائق الأجرة التي يريد مقابل اعتراض الراكب، هذا ومع وجود الملصق الحكومي الذي يحضر بينهم كمرجع لفض هدا النزاع، هذه اللحظة التي يدور حولها الحديث الأكبر حيث يشتكي السائق من أسعار المحروقات وتكاليف الصيانة وعدم واقعية الحكومة بالتسعير، ويشتكي الراكب من ارتفاع الأسعار وقلة الأجور وعدم رفعها من الحكومة، كما رأينا هناك ستجابة سريعة للشكاوي لكن  عملية التسعير والتعريفات هي عملية تقع تحت مسؤولية الحكومة لتقوم بتنظيمها وإقرار العمل بها لتنظم العلاقة بين الراكب والسائق لتوازن بين هذا وذاك فالسائق يريد الربح، والراكب يريد آن يدفع أجرة تناسب دخله، التخبط بالتعريفات ملاحظ ومفهوم في ظل التغيرات السريعة على سعر الصرف بما يؤثر مباشرة بسعر المحروقات، لكن أيضاً تحتاج العملية لتنظيم أكثر وضوحاً ومراعاة للمعايير التي وضعتها اللجنة المشرفة على هذا الملف، وتراعي احتياجات المواطنين.