الآثار والمحددات لقرار مصرف سورية المركزي بشأن الحوالات الخارجية

آخر تحديث: 26 يونيو، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

6 mins

تواجه الاقتصادات الناشئة في مراحل التصحيح الهيكلي والمالي معضلة أساسية تتمثّل في إدارة النقد الأجنبي وذلك لتعاظم الحاجة لاستقطاب تحويلات المغتربين والتدفقات المالية الخارجية لدعم استقرار سوق الصرف. ويأتي ذلك في الوقت الذي تعاني فيه البيئة الاقتصادية المحلية من تحديات ترتبط بكفاية الاحتياطيات الرسمية. 

تواجه سوريا بعد سقوط نظام الأسد هذه المعضلة، وفي سياق ذلك، أصدر مصرف سورية المركزي بتاريخ 21 نيسان 2026 القرار رقم (235/ل) الذي قضى بفرض استلام المستفيدين من الحوالات الخارجية لأموالهم بالليرة السورية حصراً. ولكن عاد المصرف بتاريخ 7 حزيران 2026 وأصدر قراراً تعديلياً يتيح للمستفيد خيار استلام الحوالة إما بالليرة السورية أو بالنقد الأجنبي (الدولار)، مع إدراج شرط تقييدي ينص على أن يكون ذلك “بحسب الإمكانيات المتاحة لدى الجهة المسلّمة”.

يعكس هذا التعديل البنيوي السريع حاجة السياسة النقدية إلى التكيّف مع محدّدات العرض والطلب في السوق، بدلاً من الاعتماد على الأطر الإلزامية التي غالباً ما تولّد تشوهات سعرية في قنوات النقد الأجنبي. وفي حين يستهدف الإجراء التعديلي استعادة دورة التدفّقات المالية داخل القنوات الرسمية، فإن كفاءته الفعلية تظل مشروطة بمدى توفر السيولة الكافية لتلبية الطلب.

يكتسب هذا التطور أهمية حاسمة في سياق إعادة الاندماج المالي الدولي، حيث استعادت سوريا الاتصال بنظام التحويل الدولي (SWIFT) وأُلغيت العقوبات الاقتصادية الكبرى التي عرقلت تدفقات النقد الأجنبي. وبدوره يعكس هذا التحوّل ضرورة اقتصادية أساسية في سعيها لإعادة توجيه تحويلات المغتربين نحو القنوات الرسمية، بدلاً من الأسواق الموازية التي تستنزف حصة كبيرة من الأموال المرسلة عبر عمولات الوسطاء وتنمية السوق السوداء. يجسّد القرار التعديلي الصادر عن المصرف المركزي بخصوص آلية تسليم الحوالات هذه الحتمية التي تُفضي لضبط السيولة عبر القنوات الرسمية، مع الحاجة إلى إعادة توظيف مورد تمويلي حيوي بما يخدم استقرار سوق الصرف ويدعم الاحتياطيات الرسمية.

وبين القرارين، تحاول هذه المقالة تفكيك سياسات البنك المركزي وفهمها، وتحديد مرتكزات نجاح القرار، مع شيء من الاستشراف للتحدّيات المقبلة.

الأساس الاقتصادي للقرار الأول والفرضيات الكامنة وراءه

استند القرار الأول الصادر في نيسان 2026 إلى فرضية نقدية مفادها أن إلزام مستلمي الحوالات بالعملة المحلية يسهم في تقليص الطلب المباشر على النقد الأجنبي، ويحمي الاحتياطيات الرسمية، مع تحفيز الطلب المستمر على الليرة السورية للحدّ من ضغوط انخفاض سعر الصرف. ولكن تتجاهل هذه الفرضية رد فعل السوق إذ إن القيمة الفعّالة للعملة تتوقّف على قوى العرض والطلب ومستويات التضخم، وليس على القرارات الإدارية الملزمة.

وفي غياب البيانات الإحصائية الرسمية، فالراجح أن يؤدي فرض سعر صرف رسمي يقل عن قيمته السوقية إلى اتساع الفجوة السعرية مع السوق الموازية، مما يحفّز مستلمي الحوالات على تجنّب القنوات الرسمية. هذا الانتقال نحو شبكات التحويل غير الرسمية يتسبّب في فقدان السلطة النقدية القدرة على رصد وتوثيق تدفّقات النقد الأجنبي في ميزان المدفوعات، وحرمان الجهاز المصرفي من عوائد العمولات. كما يسهم هذا التحول في تعميق نشاط الأسواق الموازية، وتحفيز وتيرة الدولرة الجزئية كآلية لحفظ قيمة الأصول المالية.

والأهم من ذلك أن إلزام المستفيد باستلام الحوالات بالعملة المحلية ينعكس سلباً على مستوى الثقة بالقنوات الرسمية ذاتها. فالمغترب الذي يحوّل أمواله بعملة أجنبية يتوقع وصول قيمتها الفعلية إلى المستفيد دون اقتطاع أو تآكل ناجم عن فروقات سعر الصرف أو آليات التسليم. ولكن في هذه الحالة يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ إما القبول بخسارة جزء من القوة الشرائية لأمواله نتيجة فرق سعر الصرف وآلية التسليم، أو اللجوء إلى قنوات غير رسمية تتيح له الاحتفاظ بالقيمة الأصلية لتحويلاته. وعند هذه النقطة لا تعود المسألة مقتصرة على حسابات الربح والخسارة الاقتصادية فحسب، قد تمتد إلى البعد المؤسسي المرتبط بالثقة، وهي من الأصول غير الملموسة التي يصعب استعادتها بمجرد تآكلها أو فقدانها.

التقييم الاقتصادي للقرار التعديلي وآليات عمله

يستهدف القرار التعديلي الحد من تسرب السيولة خارج القنوات الرسمية عبر مواءمة الإجراءات مع آلية العرض والطلب. ويؤدي إلغاء الإلزام بالعملة المحلية إلى تحييد الميزة التنافسية للسوق الموازية وخفض مخاطر المعاملات، مما يحفّز إعادة توجيه تدفقات النقد الأجنبي نحو القطاع المصرفي. حيث تتيح هذه الاستجابة رصداً دقيقاً للكتلة النقدية الوافدة في ميزان المدفوعات، وتدعم كفاءة التنبّؤ بالمعروض النقدي، فضلاً عن تقليص الطلب المضاربي وتحقيق استقرار نسبي في التوقعات التضخمية.

ويتعزّز أثر هذا التوجه مع استعادة الاتصال بشبكة SWIFT العالمية، التي تمثل العمود الفقري للمدفوعات والتحويلات العابرة للحدود بين المؤسسات المالية. إذ يتيح هذا الاتصال للمصارف التجارية والمصرف المركزي تنفيذ التحويلات الخارجية عبر قنوات مصرفية مباشرة وأكثر كفاءة، بما يخفض تكاليف المعاملات ويقلص زمن تنفيذها، ويعزّز قدرة القطاع المصرفي الرسمي على منافسة القنوات غير الرسمية التي استفادت سابقاً من القيود المفروضة على التحويلات.

كما يوفر الارتباط بالشبكة للمصرف المركزي رؤية أوضح للتدفقات النقدية الأجنبية، بما يحسن جودة البيانات النقدية ويرفع من كفاءة إدارة السيولة والاحتياطيات الأجنبية. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر أثر القرار على تعديل آلية تسليم الحوالات فقط، وإنما يتكامل مع تحسن البنية التحتية المالية وقدرة النظام المصرفي على الاندماج مجدداً في شبكة المدفوعات الدولية، الأمر الذي يزيد من فرص استقطاب التحويلات عبر القنوات الرسمية وتعزيز دورها في دعم الاستقرار النقدي وسوق الصرف.

مرتكزات نجاح القرار والتحديات القائمة 

على الرغم مما يحمله القرار التعديلي من اتجاه إيجابي، فإن فاعليته التطبيقية تصطدم بإشكال بنيوي يمكن وصفه بفجوة المصداقية والتنفيذ التي تجسّدها عبارة “بحسب الإمكانيات المتاحة لدى الجهة المسلّمة”. يوازن المتعامل بين أمان القناة الرسمية مع خطر عدم توفر السيولة الفورية بالدولار، وبين كفاءة السوق الموازية في التسليم الفوري رغم مخاطرها القانونية. وتشير العبارة ضمنياً إلى محدودية معروض النقد الأجنبي وضيق الاحتياطيات الجاهزة للتسييل. ومع تواتر اعتذارات التسليم بالعملة الأجنبية قد يدفع ذلك نحو ارتداد عكسي سريع ومضاعف إلى الأسواق غير الرسمية. ويُعزّز هذا السيناريو استمرار الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، مما يعكس ندرة نسبية في توفر القطع الأجنبي وتُضعف الأثر الكمي المرتجى من القرار.

غير أن توفّر النقد الأجنبي الفعلي لا يعتمد على القرار الإداري وحده. فالمصارف والوسطاء التجاريون بحاجة لوصول مستقر وفوري إلى سيولة الدولار عبر قنوات SWIFT، والالتزام الصارم بمعايير الامتثال الدولي لمكافحة غسل الأموال، وهي شروط تفرضها المؤسسات المالية بحزم. فإن تعطّل هذا الاتصال أو تشدّد المصارف المراسلة من سياساتها، وبالتالي ستجد المصارف المحلية نفسها عاجزة عن تسليم العملات الأجنبية حتى لو أقرّت القوانين بذلك. لذا، فإن عبارة “بحسب الإمكانيات المتاحة” تعكس حقيقة بنيوية أعمق مفادها أن استقرار سوق الصرف يرتبط بدرجة أساسية بقدرة المنظومة المالية الرسمية على ترسيخ قنوات اتصال فعّالة وموثوقة مع النظام المالي العالمي، بما يضمن نجاح الاندماج في البنية المالية الدولية ويعزز مقومات الاستقرار النقدي على المدى الطويل.

والأبعاد المؤسسية للامتثال الدولي تحمل درجة من التعقيد يتجاوز التشريع المحلي. المصرف المركزي والمصارف التجارية لا تتعامل فقط مع متطلبات قانونية، وإنما مع معايير حذرة من قِبل البنوك المراسلة التي قد تحجب السيولة لأسباب تتعلق بتقييم المخاطر الجيوسياسية أو اعتبارات أوسع حول الاستقرار. هذا يعني أن الخيار النظري بتسليم العملة الأجنبية قد يصطدم بعدم توفر فعلي، ليس بسبب نقص إرادة سياسية، وإنما بسبب قيود خارجة عن السيطرة المحلية.

الخلاصات والآفاق المستقبلية

تشير هذه القراءة لقرارات مصرف سورية المركزي إلى عدة حقائق جوهرية

فيمكن النظر أولاً إلى القرار التعديلي باعتباره خطوة نحو مواءمة أكبر بين الأهداف النقدية ومتطلّبات السلوك الاقتصادي للمتعاملين، بما يعزّز فرص توجيه التحويلات الخارجية عبر القنوات الرسمية والاستفادة منها في دعم التوازنات النقدية والمالية

الاتجاه الاقتصادي للقرار الأخير صحيح، لكن نجاحه النهائي يعتمد بشكل أساسي على القدرة الهيكلية للمنظومة المصرفية على توفير السيولة الفعلية بالنقد الأجنبي عند الطلب.

ويبقى العامل الحاسم في هذا السياق مرتبطاً بقدرة القنوات الرسمية على تقديم خدمة تحويل تتسم بالكفاءة والموثوقية. فكلما ارتفعت جودة الخدمة وسهولة الوصول إلى الأموال، ازدادت جاذبية النظام المصرفي الرسمي لاستقبال التحويلات، في حين تؤدّي القيود التشغيلية أو ضعف الكفاءة إلى تعزيز جاذبية القنوات البديلة. ومن ثم تكتسب عبارة “الإمكانيات المتاحة” أهمية خاصة بوصفها أحد المحددات الرئيسة لفعالية السياسة واستدامة نتائجها.

في نهاية المطاف، فإن نجاح هذا التطور يعتمد على ثلاثة محاور متوازية: استقرار الاتصال بالجهاز المالي الدولي (SWIFT وما يرتبط به)، وتوفّر السيولة الفعلية بالعملات الأجنبية، والثقة المؤسسية المستعادة لدى المغتربين. غياب أي من هذه الثلاثة سيحدّ من فعالية القرار، بغض النظر عن مستوى الالتزام السياسي بتطبيقه.