رفع العقوبات لا يكفي: لماذا يتردد المستثمرون في دخول سوريا؟

الوقت اللازم للقراءة:
5 minsتفاءل السوريون وهلّلوا بقرار رفع العقوبات عن سوريا خلال النصف الثاني من عام 2025، في ما وُصف بأنه خطوةٌ كبيرة على طريق إدماج البلاد في النظام الدولي، وفتح الباب أمام احتمالات إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، ومع ذلك فإن هذه الخطوة رغم أهميتها لم تنعكس حتى الآن على شكل استثمارات حقيقية ملموسة.
رفع العقوبات بوصفها تحوّلاً سياسيّاً لا اقتصاديّاً
يُعدّ رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية خطوة سياسية بالدرجة الأولى، إذ جاء نتيجة تقييم دولي إيجابي نسبي لأداء الحكومة السورية في ملفات محدّدة، مثل مكافحة الإرهاب والحد من تهريب المخدرات والتعامل مع ملف الأسلحة الكيميائية، واعتُبر هذا القرار بمثابة فرصة لإعادة بناء الدولة السورية سياسياً واقتصادياً، غير أن هذا التحوّل لم يُترَجم تلقائياً إلى انتعاش اقتصادي، إذ إن رفع العقوبات لا يعني بالضرورة توافر بيئة استثمارية جاذبة، فالعقوبات كانت أحد العوائق لكنها لم تكن العائق الوحيد، إذ لا تزال عوامل مثل الاستقرار الأمني وفعالية المؤسسات ووضوح القوانين تلعب دوراً حاسماً في قرارات المستثمرين.
مسار الانتقال السياسي وتحدياته
منذ سقوط نظام الأسد يوم 8 كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية اتسمت بمحاولات إعادة بناء مؤسّسات الدولة، ثمّ تشكيل حكومة انتقالية وإقرار إعلان دستوري مؤقّت والعمل على تنظيم انتخابات برلمانية غير مباشرة تهدف إلى دعم التشريعات خلال هذه المرحلة، وجهوداً لدمج فواعل ما دون الدولة ضمن مؤسسات الدولة مثل قسد، في محاولة لإعادة توحيد السلطة المركزية وضبط الموارد، إلا أن هذه العملية لم تكن سهلة، إذ واجهت تحدّيات ميدانية وسياسية، تجلّت في أحداث الساحل والسويداء خلال عام 2025، والتي أظهرت هشاشة الاستقرار في بعض المناطق.
رغم نجاح الحكومة نسبياً في احتواء بعض الأزمات، عرّى استمرار التوتر في مناطق ومعتركات أخرى الجوانب غير المكتملة من عملية الانتقال السياسي، فضلاً أن الدولة لم تصل بعد إلى مستوى الاستقرار المؤسسي المطلوب.
الدعم الدولي بين الانفتاح المشروط والاختبار السياسي
حظيت الحكومة السورية بدعم سياسي ملحوظ من عدة أطراف إقليمية ودولية، فقد لعبت تركيا دوراً بارزاً في دعم القدرات الأمنية، بينما قدّمت دول الخليج تعهّدات مالية واستثمارية، إلى جانب دعم محدود للقطاع العام، وشهدت العلاقات الدبلوماسية نشاطاً ايجابياً، تمثّل في تبادل الزيارات وإعادة الانخراط في المنظمات الدولية.
إلا أن هذا الدعم لا يزال مشروطاً، حيث تربط الولايات المتحدة وأوروبا استمرار انفتاحهما بمدى التزام الحكومة السورية بملفات مثل حماية الأقليات وحقوق الإنسان، هذا الطابع المشروط يعكس أن سوريا لا تزال في مرحلة الاختبار الدولي، وليست شريكاً كاملاً في النظام الدولي.
فجوة بين التعهدات الاستثمارية والواقع
رغم الإعلان عن تعهدات استثمارية تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، لم تُترجم هذه الأرقام بعد إلى مشاريع حقيقية على الأرض، ويعود ذلك إلى عدة أسباب أبرزها ارتفاع مستوى المخاطر وعدم وضوح البيئة القانونية وضعف البنية التحتية، وتشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز 200 مليار دولار، وهو رقم ضخم يتطلب استقراراً طويل الأمد وضمانات قانونية ومؤسساتية قوية وهي شروط لم تتحقق بعد ومن الصعب تحقيقها بشكل كامل.
العوامل الأمنية وتأثيرها على الاستثمار
لا يزال الوضع الأمني أحد أبرز معوقات الاستثمار في سوريا، فرغم تحسّن نسبي في بعض المناطق، تبقى هناك بعض التحدّيات مثل الهجمات التي تشنّها التنظيمات المعادية للحكم الجديد ووجود توترات محلية مجتمعية، إلى جانب الضغوط الإقليمية مثل الضربات الإسرائيلية، وفي كلِّ ذلك عوامل تزيد من حالة عدم اليقين. كما أن غياب السيطرة الكاملة على بعض المناطق، خصوصاً في الشمال الشرقي، يعزّز من مخاوف المستثمرين الذين يبحثون عن بيئة مستقرة تضمن استدامة استثماراتهم.
الإشكاليات القانونية والإدارية
تعاني سوريا من إرث ثقيل من البيروقراطية القديمة غير القابلة للتطوير والفساد المتجذّر وهو ما يشكل عائقاً كبيراً أمام جذب الاستثمارات، فالإجراءات المعقّدة وضعف الشفافية وصعوبة إنفاذ العقود، كلها عوامل تقلّل من جاذبية السوق السورية، وأيضاً النظام القضائي الذي لا يزال يواجه تحديات في معالجة قضايا الملكية وهو أمر حيوي للمستثمرين، يضاف إلى ذلك غياب نظام مصرفي حديث قادر على تسهيل العمليات المالية، خاصة التحويلات الدولية.
ضعف البنية التحتية بكونها عامل معرقل
تشكّل البنية التحتية المدمَّرة تحدّياً رئيسياً أمام أي محاولة لجذب استثمارات كبيرة، فارتفاع تكاليف الكهرباء وضعف شبكات النقل وغياب الخدمات الأساسية، كلها عوامل ترفع من كلفة الاستثمار وتقلل من جدواه الاقتصادية، وتركيز الحكومة على تطوير مناطق محددة مثل دمشق وحلب، يخلق نوعاً من التفاوت الجغرافي ويحد من فرص التنمية المتوازنة ما قد يثني المستثمرين المحليين والدوليين عن الدخول في مشاريع كبرى طويلة الأمد.
هواجس عودة العقوبات
لا تزال المخاوف من إعادة فرض العقوبات قائمة، إذ إن الطابع المشروط لهذا الرفع واستمرار المراقبة الدولية يجعلان البيئة الاستثمارية عرضة للتقلبات السياسية وهذا العامل يشكل رادعاً أساسياً للمستثمرين، الذين يفضلون الأسواق المستقرة قانونياً وسياسياً، حيث لا تكون استثماراتهم مهددة بقرارات سياسية مفاجئة.
الحاجة إلى رؤية إصلاحية شاملة
تحتاج سوريا في هذه المرحلة إلى تبنّي رؤية استراتيجية واضحة، تركز على إصلاح المؤسسات وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد والعمل على تطوير الإطار القانوني للاستثمار وتحديث النظام المصرفي وتحسين البنية التحتية، وتعزيز الثقة من خلال إشراك الفاعلين المحليين والدوليين في حوار اقتصادي شامل، يهدف إلى وضع خارطة طريق واضحة لإعادة الإعمار.
يمثّل رفع العقوبات عن سوريا خطوةً مهمّة لا شكّ، لكنه ليس كل الحل لمشكلات معقّدة تراكمت على مدى سنوات، فالتحديات التي تواجه البلاد اليوم تتجاوز البعد الخارجي، لتشمل بنية الدولة نفسها، من حيث مؤسساتها وقوانينها وقدرتها على توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار، وإن نجاح سوريا في هذه المرحلة يتوقف على قدرتها على الانتقال من منطق استغلال الفرصة الذي تحدّث عنه الرئيس الأمريكي ترامب إلى منطق تعزيز بناء الشراكة من خلال المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة، وذلك عبر تنفيذ إصلاحات حقيقية تعزّز الثقة داخلياً وخارجياً، وفي ظلّ ما يجري من تحولات إقليمية ودولية متسارعة، فإن عامل الوقت يصبح حاسماً، ما يفرض على صناع القرار التحرك بسرعة وكفاءة لوضع البلاد على مسار التعافي المستدام.
يمكن القول إن سوريا تقف اليوم عند مفترق طرق، إما أن تنجح في استثمار هذه اللحظة التاريخية لبناء دولة حديثة ومستقرة أو أن تستمر في الدوران ضمن حلقة من التحديات التي تعيق نهوضها.

