السياسة بين الثقافات: لماذا تبدو السياسة حقل ألغام في الشرق وأداة تنظيم في الغرب؟

الوقت اللازم للقراءة:
7 minsكيف يتحوّل المفهوم ذاته إلى ترياق يصنع الحياة في مجتمع، وسمّ ناقع يهددها في آخر؟
يكمن خلف هذا التساؤل فجوة عميقة تفصل واقعنا السياسي عن الواقع الغربي؛ فالسياسة هناك أداة تنظيم تحمي الدولة، أما في المشرق فهي ذاتها حقل ألغام يفجر الأزمات المتلاحقة.
ينعكس هذا التناقض بدقة في الوعي الإنساني، وقبل ذلك الاشتقاق اللغوي، فهي مشتقة من جذر ساس يسوس، أي قاد يقود ورعى وأصلح، وهو المعنى الذي يحمل على مفهوم السياسة فن إدارة الناس وتحقيق المصلحة العامة وبناء الاستقرار والتنظيم.
وهي مشتقة من جذر آخر هو السوس، وهي تلك الحشرة الصغيرة المعروفة التي تنخر الخشب بصمت حتى تفسده من الداخل، فيكون المعنى هنا رمزاً للإفساد وتخريب القيم ومصالح الدول والمجتمعات.
لذلك تختلف صورة السياسة من مجتمع إلى آخر ومن شخص إلى آخر، فمن مارس السياسة باعتبارها مسؤولية وإصلاحاً وخدمة للناس، رآها أداة بناء وتنظيم وتقدم.
أما من جعلها وسيلة للهيمنة والخداع والفساد وتصفية الخصوم، تحوّلت لديه السياسة إلى حقل ألغام مليء بالشبهات والالتفافات، وحتماً بعد ذلك الأزمات والخيبات المتتالية.
السياسة، إذن، في جوهرها ليست خيراً كاملاً ولا شراً كاملاً، وإنما انعكاس لأخلاق من يمارسها ويطبّقها، فيراها الناس عبر هذه الممارسة سواء كانت واعية أم لا واعية، إيجابية أم سلبية.
ولا غرابة أن نلاحظ التفوّق الغربي في مضمار العمل السياسي، وتحوّل السياسة هناك إلى أداة تنظيم فاعلة مقارنة بتعثّرها الملحوظ في الشرق، فذلك يٌعزى إلى إلى مسار تاريخي طويل من التراكم المعرفي وبناء المؤسسات، وهو مسار شاق تطلب دفع أثمان باهظة عبر حروب أهلية وصراعات، أسفرت في نهايتها عن بلوغ المجتمعات الغربية صيغتها السياسية المستقرة الحالية.
بالعودة لواقعنا، يستدعي تفكيك أزمة العقل السياسي المشرقي القيام برحلة عكسية نحو الجذور التاريخية والفقهية التي وجّهت مساره، ففي تلك الحقبة التأسيسية للدولة الإسلامية، برز مبدأ «الشورى» كقاعدة جوهرية تشكّل النواة الأولى لنهج سياسي يعزّز المشاركة، ويوزع مراكز القرار، ويُخضِع السلطة للمساءلة.
وتحت وطأة الفتن المتلاحقة واحتدام الصراعات، تراجع هذا المسار التشاركي تدريجياً، تاركاً الساحة لتنظير فقهي أملته ضرورات المرحلة وعُرف بـ «فقه التغلب»، الذي قدّمَ غطاءً شرعياً لمن ينتزع السلطة بحد السيف، مستنداً إلى أولوية درء المفاسد وحقن الدماء، ما أنتجَ تحوّلاً همّش إرادة الأمة، وكرّس احتكار مقاليد الأمور بيد المتغلّب الأقوى.
وتأسيساً على ذلك، تجذّرت أسس شخصنة الدولة، وأضحت القوة هي الضامن الأوحد للبقاء، لتنتهي مسيرة السياسة بالتحوّل من أداة تنظيم وبناء، إلى حقل ألغام مستمر يهدد الاستقرار.
أولاً: الأسباب الرئيسية للتباين السياسي بين الشرق والغرب
تشكّل مساران مختلفان بينهما فجوة عميقة بين الثقافتين، تتجسّد معالمها بوضوح عبر خمسة عوامل رئيسية ومترابطة:
1- قيام الدولة على المؤسّسات في الغرب وتجاوز الفردية «مأسسة الدولة»
يأتي في طليعة هذه العوامل إعلاء سيادة القانون والمؤسسات؛ ففي المنظومة الغربية تتربّع القوانين في موقع السيادة المطلقة كمرجعية عليا تحكم الجميع، ويؤدّي الرؤساء والوزراء أدوارهم كموظفين عامين بصلاحيات دستورية محددة، ليعودوا بانتهاء ولايتهم إلى صفوف المواطنين بسلاسة واعتيادية.
في المقابل، يرتكز المشهد في بلادنا على شخص الحاكم مع تغييب للمؤسسات، بما يكرّس ظاهرة «الدولة في شخص»، وتتماهى في هذا النموذج صورة الدولة مع شخصية القائد، ليصبح استقرار البلاد وبقاء النظام مرتبطين حصراً بوجوده، مما يعرّض الأوطان لخطر الفوضى والانهيار بمجرد غيابه، أو زعزعة حكمه.
2- عقلية الساسة بين الصراع الصفري والتعاوني
يدبدو ذلك جلياً على العقلية السياسية، إذ تُمارس السياسة في الغرب بوعي يتجه نحو المحاسبة الموضوعية، مع التعاون في الملفات الوطنيّة الكبرى، وحصر الخلاف في مسائل خدمية كالضرائب والرعاية الصحية، بمنأى عن تهديد أمن البلاد واستقراره، لتغدو المعارضة شريكاً يتنافس في خدمة الشعب.
وعلى النقيض من ذلك، يتحوّل الخلاف في بعض دول الشرق إلى حرب صفرية وجودية وتخوينية، ويجعل من الخسارة السياسية بوابة للموت أو السجن، مما يؤدّي إلى تشويه هذا المفهوم ونشوء الفساد منه. (1)
3- تطبيق العدالة عبر سيادة القانون والقضاء
يأتي تطبيق العدالة كعامل أشد بروزاً في المنظومة الغربية، حيث يخضع المسؤولون في الغرب لمساءلة دورية عبر البرلمان والقضاء والإعلام، وتسهم هذه الرقابة في تقويم الأداء والحد من الانحراف، لِعلم المسؤول التام بخضوع قراراته للمراجعة والمحاسبة. (2)
وتؤدّي حالة الضعف الرقابي في الشرق إلى تفشّي سوء الإدارة والفساد، ومع توالي التجارب المخيبة، يتنامى شعور الإحباط لدى المواطن، وتتوارى عنه حقيقة براءة السياسة كمفهوم مجرد من علل الممارسة التطبيقية الخاطئة. (3) (4) (5)
4- حسم قضية القيادة وتداول السلطة
يقترن استقرار العدالة وسيادة القانون بحسم قضية القيادة وتداول السلطة كمعيار جوهري؛ فبعد مخاض تاريخي طويل، توصًل الغرب إلى آليات سلمية تضمن انتقال الحكم عبر صناديق الاقتراع، وتتجاوز حقبة العنف السياسي. وتجلّت متانة هذا البناء حين واجهت مؤسسات الدولة، وفي مقدّمتها وزارة الدفاع الأمريكية، محاولة ترامب رفض نقل السلطة بإجراءات دستورية صارمة، في وقت تستمسك فيه العقلية المشرقية بأدوات العنف والقهر والاغتيال لإزاحة الخصوم واعتلاء سدة الحكم. (6) (7)
5- الأنظمة القمعية والرعاية الدولية لها
تكتمل هذه الفروقات بأثر السياسات الخارجية، إذ سعى الغرب عبر سياساته إلى دعم الدكتاتوريات والحكومات القمعية في بلادنا ومنع أي يقظة فكرية ونهضة سياسية ليحافظ على تقدمه وسيطرته على مقدّرات بلادنا الأمر الذي انعكس سلباً على مفهوم السياسة في عالمنا العربي، وما أكثر هذه المحاولات بدءاً من إبقاء المجرم الأسد رغماً على الشعب السوري إلى الإطاحة بمرسي في مصر ومحاولة الانقلاب الفاشل على الرئيس أردوغان قبل سنوات قليلة. (8) (9) (10) (11)
ثانياً قصص تجسّد حقل الألغام وأداة التنظيم بين العالمين الشرقي والغربي في عالم السياسة
لتوضيح الفارق العملي بين السياسة هنا وهناك، ونقل هذه المقاربات من حيز التنظير إلى واقع الممارسة، نستعرض محطات فاصلة، انطلاقاً من متانة المؤسسة الغربية، وصولاً إلى تعقيدات المشهد في بلادنا:
قصة عزل مارغريت تاتشر 1990 (أولوية المؤسسة)
تتصدّر المشهد الغربي تجارب تؤكد سيادة الكيان الحزبي والدستوري، وتتجلّى هذه الحقيقة في قصة عزل مارغريت تاتشر «المرأة الحديدية» التي حقّقت إنجازات ضخمة لبريطانيا عسكرياً واقتصادياً خلال ثلاث ولايات متتالية، وبمجرّد تعارض سياساتها الضريبية الأخيرة مع المصالح الانتخابية لحزبها، بادر الحزب لعزلها برلمانياً، لتضطر في النهاية للاستقالة باكية. لتبيّن هذه الحادثة تقديم مصلحة الحزب وصندوق الاقتراع على القائد الرمز، متجاوزة أي شخصنة للسلطة، لتظل المأسسة هي قائدة التقدم. (13)
أزمة انتقال السلطة الأمريكية عام 2021 (مناعة المؤسسات):
يكتسب هذا المسار المؤسّسي صلابة إضافية عند اختبار الأزمات الكبرى، وهو ما جسّدته أزمة انتقال السلطة الأمريكية في وجه الانحراف الفردي.
أعلن ترامب بعد خسارته رفض الالتزام بنقل السلطة مدعياً حصول تزوير، وبلغت الأحداث ذروتها باقتحام أنصاره لمبنى الكونغرس. وتدخّلت المؤسسات السيادية بحزم، بوصف قيادة مجلس النواب الحدث بالتمرّد ومطالبتها بالعزل الفوري، وبتعهد المؤسسة العسكرية بتنفيذ انتقال آمن ومحترم للسلطة لصالح الرئيس المنتخب جو بايدن. وأثبتت هذه الأزمة قدرة واستقلالية المؤسسات على تشكيل حائط صد يحمي اختيار الأغلبية الشعبية من محاولات الهيمنة الفردية. (16)
صراع الأخوة في بغداد (غياب المأسسة)
وبالانتقال إلى الضفة الأخرى، تكشف صفحات التاريخ عن الجذور العميقة للأزمة مجدّداً، لتضعنا حادثة صراع الأخوة في بغداد أمام نموذج مبكر لفداحة غياب المأسسة.
ففي أعقاب وفاة هارون الرشيد، انقسمت الخلافة العباسية بين ابنيه الأمين في بغداد والمأمون في خراسان، وسرعان ما تحول الخلاف بينهما إلى صراع مفتوح على السلطة. ونتيجة لافتقار الدولة إلى قواعد تحسم انتقال الحكم وتنظمه، انتقل الخلاف من ميدان السياسة إلى ساحة السلاح، وانتهى الحال بحصار بغداد ومقتل الأمين وتدمير واسع للمدينة. (12)
حافظ الأسد ومجزرة حماة 1982 (تغييب المساءلة)
وامتداداً لهذا الخلل الهيكلي نحو العصر الحديث، استمر إنتاج الكوارث بأشكال أشد قسوة نتيجة انعدام المساءلة، لتمثل أحداث حماة عام 1982 شاهداً دموياً على ذلك.
شنّت قوات المجرم حافظ الأسد آنذاك حملة عسكرية واسعة، أسفرت عن إبادة 40 ألفاً من المدنيين ودمار واسع في المدينة. وتبرهن هذه الواقعة على الآثار الكارثية لغياب آليات الرقابة والمحاسبة، مما يولّد قطيعة بين الشعوب والعمل السياسي نتيجة ممارسات المجرمين وهيمنة القوة على مؤسسات الدولة. (14)
صعود صدام حسين ومجزرة الخلد (الإقصاء الجذري):
وفي السياق ذاته، يعكس صعود صدام حسين إلى رئاسة العراق عام 1979 نهجاً جذرياً للتصفية؛ فبعد وصوله عبر انقلاب أُجبر خلاله سلفه على التنحي، نفذ مجزرة قاعة الخلد.
شملت الواقعة انتزاع اعترافات تحت الضغط من قيادات بارزة في حزبه وتصفيتهم لضمان تفرّده بالمشهد القيادي، ليجسد نهج التصفية الداخلية لرفاق الحكم جذور الأزمة السياسية في المنطقة، المتمثّلة في استخدام القوة والإبادة للوصول للسلطة، مع التجاهل التام لقيمة صندوق الاقتراع والناخب العربي. (15)
الخاتمة
يقوم المشهد السياسي مرآةٍ تعكس عمق الوعي وطبيعة الممارسة لدى الشعوب والأحزاب، وتترجم صراعاً مستمراً بين نهج المؤسسة وعقلية التغلب.
فبقبول الاختلاف واحترام آليات تداول السلطة، ترتقي السياسة لتصبح أداة تنظيم وبناء فاعلة، مستمدة روحها من قيم الشورى والعدل، وتأدية الأمانة، وحفظ كرامة الإنسان كأصل أصيل في التشريع الإسلامي.
ويؤدي طغيان منطق الإقصاء وتحكيم القوة إلى انحدار المسارات وتحولها إلى ساحة توتّر مستمر وحقل ألغام يستنزف مقدرات الأمم ويهدر مستقبل أجيالها. ويبقى تجاوز هذا المأزق التاريخي مرهوناً بإعادة الاعتبار للمفاهيم التشاركية الأصيلة، والانتقال الواعي من ارتهان الدول لأشخاص حكامها، إلى إعلاء سيادة القانون والمؤسسات، تجسيداً حقيقياً لمقاصد العمران ومفهوم الاستخلاف الرشيد.
1 – كتاب قواعد الممارسة السياسية، د. جاسم سلطان، 73
3- كتاب الجيش والسياسية، عزمي بشارة، 134
4- سورية الاقتراع أم الرصاص، التوازن السلبي، 160
8- سورية الاقتراع أم الرصاص، سياسات الولايات المتحدة المتناقضة، 326
9- كتاب الجيش والسياسية، عزمي بشارة، الرهانات الدولية على الجيش في السياسة، 91
12- مروج الذهب ومعادن الجوهر، جزء 4، الصفحة 5

