بنو أمية.. الشماعة والدرع

آخر تحديث: 27 مارس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

5 mins

هل تساءلتَ يوماً إذا ما دار في خلَدِ عبد الملك بن مروان صورةٌ عن المستقبل، لمّا شرع في بناء دولةٍ قويّة يواجه بها الروم؟ ليجد دولته – الفرع المرواني- هذه التي ما استمرّت سوى 65 سنةً درعاً يستقوي أهل الشام بذكرها والتغني بها بعد عقودٍ وقرونٍ، فيجعلونها نتاج مفاخرهم، وصورةً عن مجدهم الغابر التليد. وهي التي في ميزان الأمم والحضارات لا تعدل إلا مقدار الدقيقة أمام يومٍ كاملٍ!

ربما لم يكن ليبلغ به الظن هذا القدر، فحساب كلّ فترةٍ من فترات البشر تكون مختلفةً عما بعدها، فالزمان الذي عاشه مليء بالفتن كقطع الليل، إذ يقاتل من جانبٍ الخليفةَ عبد الله بن الزبير في مكة، وأخاهُ مصعب في العراق، وقبله المختار الثقفي، وبعده عبد الرحمن بن الأشعث، حتى إنه لم يسلم من أبناء عمومته، فكان عمرو بن سعيد بن العاص (الأشدق) أعدى أعدائه الذي كاد أن يحوز دمشق دونه. وانتصر عبد الملك بها جميعها! فهل وجد السوريون في قصّته ضالتهم المنشودة وقد داهمتهم -كإياه- ألواناً من الفتن والحروب؟

أم أنّ ذاك الاتساع الذي وصلت إليه دولة بني أمية، حتى بلغت ما بين المشرق والمغرب، فمحمد بن القاسم الثقفي في الهند والسند، والمهلّب في جنوب خرسان، وقتبية بن مسلم الباهلي في آسيا الوسطى، ومسلمة بن عبد الملك في آسيا الصغرى (الأناضول)، وموسى بن نصير في أفريقية والأندلس. هل أغرى بهم ذلك الاتساع، ليحلموا بدولةٍ قومية وطنيةٍ جامعة، وهويةٍ تعبّر عنه، عن مادة العرب وأصلهم، ويتخيّلوا أنفسهم أعادوا أمجاد تلك الدولة، كما يستحضر اليونان الإسكندر ودولته، ومصر الفرعونية، والعراق السومرية، وتركيا العثمانية والطليان الرومانية؟ 

غير أنّ -وللإنصاف- الاعتزاز بهذا التاريخ لا ينبغي أن يُردّ كلّه إلى باب ردّة الفعل الطائفية. فثمة من يُجلّ الحضارة الأموية لأسبابٍ تتجاوز الجرح، يجدها في الديوان العربي الذي أسّسته، وفي تعريب النقود التي وحّدت الأسواق، وفي المعمار الذي لا يزال يرفع رأسه في القدس ودمشق وحلب. فدولةٌ شقّت طريقها من الأندلس إلى السند، لها من الثقل الحضاري ما يتجاوز عمرها الزمني تجاوزاً كبيراً، ولا يُنصفها من يقيسها بمقياس الدقائق.

على أنّ الناس -في بعض أمرهم- يتباهون في غابر مجدهم إن كان الحاضر لا يسعهم، أو ربما كان فخارهم به في سبيل النكاية بعدوٍّ كان يبغض ذلك التاريخ. ففي الوعي الجمعي للرافضة يُنظر لدولة بني أمية بنظرة العداوة والبغضاء، فالسجالات التي دارت بين الهاشميّين وبني عمومتهم من الأمويّين أوغرت في صدور هؤلاء حقداً دفيناً.

وبما أنّ الشام كان عقر دار بني أميّة لمّا تولّى معاوية بن أبي سفيان الإمارة ثم الخلافة التي نقل عاصمتها إلى دمشق، أصبح أهل الشام حاضنتهم؛ وصار الوعي الجمعي الرافضي يرى في أهل الشام العدو الأوحد، فحتى لو مضى على تلك الأحداث ما يقرب من 1400 عام، وحتى لو لم يستذكر السوريون قبل الثورة ذاكرة الأمويّين، مكتفين فقط بمسجديهم في دمشق وحلب؛ فليس هذا برادعٍ للميليشيات الرافضية من أن تُحمّل السوري الذي ذاق ويلات حكم نظام الأسد البائد الويلات؛ جريرة كربلاء واستشهاد الحسين، وملاحقة الطالبيّين وأهل البيت!

فالسوري الذي كان يرى ألوان التعذيب والألم، ويرى عنق أخيه تحزّ، وعرضه ينتهك، وبيته يهدّم وأرضه تغتصب تحت شعاراتٍ طائفيةٍ فيها ما فيها من سب الصحابة، وشتم بني أمية، فحين يسمع ذلك، يبيت على حبٍّ عظيمٍ، زائدٍ عن الحد لمن يكره عدوه؛ فيعلي من قامة معاوية وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف، حتى ليطغى فيحسّن من سيئات الحجاج ويزيد، ويرى أن كثيره مكذوبٌ عليهما، أخبارٌ مدسوسةٌ في عصر العباسيّين المعادين لهم.

بل يزيد على ذلك، فيرى عليّاً رضي الله عنه ليس على خير وذلك لأن الميليشيات الرافضية تجلّه، كذلك الحسن والحسين. فيصبح وقد واجه الرفض بالنصب، فيميل إلى بغض آل البيت على الجملة.

وهنا تكمن المفارقة المُرّة: أن العدو لمّا يفرض عليك خطابه، يسرق منك شيئاً أثمن من أرضك ومالك، يسرق منك حرية أن تختار هويتك من داخلك. فيمسي السوري يسأل نفسه: ماذا يكره خصمي؟ ليُجيب بعدها: هذا ما أحبّه. فتُصاغ هويته في مطبخ عدوّه، وتُرسم ملامحه بريشة خصمه. وهذا ضربٌ من العبودية الخفية التي لا تُرى، لأن صاحبها يظنّها ثورةً وعزّةً ونخوة. والأخطر من ذلك أن هذه الهوية لا تعيش إلا بوقود الصراع، فهي ابنة الجرح لا ابنة القناعة، وما إن يبرد الجرح حتى تبدأ بالتساؤل: هل كنتُ أحبّ هذا حقاً، أم كنتُ أكره ذاك فحسب؟

ونعم، إن كان صانع بادئ مجد الشام في عهد الإسلام؛ بنو أمية، لكنّ أول من فتحاها كانا خيراً منهم، خالد بن الوليد المخزومي وأبي عبيدة عامر بن الجراح الفهري رضي الله عنهما، اللذان فتحا بخيرٍ، وحكما بخير، وأقاما شرع الله دون تحويلٍ ولا تبديلٍ، ودون استئثارٍ لمال المسلمين، وصرفه في غير محلّه على الشعراء والأدباء والملذّات.

وفي ظنّي لو حكم بنو أمية في هذا الزمن لما رضيه السوريون، فكيف يرضون بحكم توارثي من الأب للابن وهم الذين يرفضونه وقد ثاروا عليه؟ وكيف يرتضونه وهم الذين لا يبيحون التصرف بمال الدولة بغير وجه حق؟

لا أقول أن نزيل تلك العصبية التي فينا عن بني أمية، فهم والله قد أبلوا في سبيل الله بلاءً حسناً، وفتحوا البلاد، وعمّروها، وأقاموا الدين وحفظوه، وبهم قام مجد الإسلام، لكنّ المؤمن الحصيف يطلب لنفسه أعلى خامات العز والمجد، ولا أخير ولا أعزّ من دولة الراشدين، من دولة الخليفة عمر الذي نام مستظلاً تحت شجرة، ومن أبي عبيد الوالي الذي ما وجد خليفته في بيته غير إناء ماءٍ وكسيرات خبزٍ يابس، ولا أخير من قائدٍ كأبي سليمان خالد بن الوليد الذي سمع لأمر خليفته وأطاع ونزل من رتبة إمارة الجيش إلى جنديٍ كغيره من جند الإسلام.

والحق أن من يُطالَب بألّا يردّ الكيل بمكيالين، ينبغي أن يُدرك الثقل الهائل لما يُطلب منه. فالتجاوز عن أذىً ماديٍّ شيء، والتجاوز عن اتهامٍ يمسّ هويتك الدينية ويُحمّلك وِزر التاريخ وأنت تنزف شيءٌ آخر بالكلية. فالمطلوب إذن شيءٌ أصعب من تجاهل الألم ووضع الملح على الجرح: أن تبني موقفك من داخل قيمك أنت، لا من داخل ردّة فعلك على خصمك؛ فتكون حراً في رأيك ببني أمية وفي رأيك بآل البيت، حرّيةً لا يملك مفاتيحها خطاب الطرف الآخر.

فإن كان الرافضة قد صنعوا ما صنعوا، وانتهكوا حرمات الدين والدماء والأعراض بمظلوميةٍ واهية، فلا يدفعنا هذا لأن يلزمونا أخلاقهم، فتكون ردّة فعلنا على قدر فعلهم. فكلّه تاريخك، لا تنقص منه شيئاً لحالٍ نعيشه الآن، لو عشته يومها لأنكرته.