المسلمون السُّنَّة في لبنان بين النفوذ المفقود والتحدِّيات الإقليميَّة

آخر تحديث: 23 مارس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

17 mins

لطالما شكَّل المسلمون السُّنَّة أحد الأعمدة الأساسيَّة في المعادلة السياسيَّة اللبنانيَّة منذ نشأة الدولة الحديثة، إذ ارتبط حضورهم السياسي تاريخيًّا بدورٍ محوريٍّ في إدارة السلطة التنفيذيَّة وفي صياغة توازنات النظام الطائفي في البلاد. غير أنَّ السنوات الأخيرة حملت تحوُّلات عميقة طالت هذا الدور، سواء بفعل التغييرات الداخليَّة التي شهدها لبنان، أو نتيجة التحوُّلات الإقليميَّة التي أعادت رسم خريطة النفوذ في “الشرق الأوسط”.

فمع تراجُع بعض القيادات التقليديَّة وتبدُّل موازين القوى السياسيَّة، برزت تساؤلات متزايدة حول موقع المسلمين السُّنّة في المشهد اللبناني ومستقبل دورها في الحياة السياسيَّة. وفي ظلِّ الأزمات الاقتصاديَّة الخانقة والانقسامات السياسيَّة المتفاقمة، بات المشهد أكثر تعقيدًا، ما يفتح الباب أمام نقاشٍ أوسع حول طبيعة التحوُّلات التي يشهدها الدور السُّنِّي في لبنان، وكيف يمكن أن يتشكَّل هذا الدور في المرحلة المقبلة في ظلِّ المتغيِّرات المحليَّة والإقليميَّة المتسارعة.

ومع تتابُع التحوُّلات التاريخيَّة والسياسيَّة في لبنان، شهد الدور السُّنِّي تقلُّباتٍ عدَّة بين الشراكة والتموضع الدفاعي، انعكست في مواقع النفوذ، وصعود وهبوط القيادات، وتأثُّرها بالمشهد الإقليمي المتغيِّر. ويبقى السؤال الأكبر: هل سيستعيد الدور السُّنِّي موقعه التاريخي في لبنان، أم أنَّ التحوُّلات الإقليميَّة والداخليَّة ستُعيد صياغة معادلة الوجود على نحوٍ جديد؟

صدمة التأسيس وتوازنات الهويَّة السُّنِّيَّة

لم يكن إعلان “لبنان الكبير” في الأوَّل من أيلول 1920 حدثًا إداريًّا عابرًا، بل لحظةً مفصليَّةً في وعي المسلمين السُّنَّة في المدن الساحليَّة، خصوصًا طرابلس وبيروت وصيدا. فهذا المكوِّن الذي كان جزءًا من مركز الدولة العثمانيَّة وجد نفسه فجأة داخل كيانٍ سياسيٍّ ناشئٍ تحت الانتداب الفرنسي، تُعاد فيه صياغة الحدود والهويَّات والولاءات السياسيَّة، وقد غيَّر هذا التحوُّل نظرة السُّنَّة إلى موقعهم داخل الدولة الجديدة [1].

جاء تأسيس لبنان الكبير في سياق ترتيبات ما بعد الحرب العالميَّة الأولى، حين أعادت القوى المنتصرة رسم خريطة المنطقة، وعلى رأسها اتِّفاقيَّة سايكس–بيكو التي وضعت المشرق العربي ضمن مناطق النفوذ الأوروبي. وفي هذا الإطار، تمَّ توسيع متصرِّفيَّة جبل لبنان عبر ضمِّ مناطق ساحليَّة وبقاعيَّة إليها، الأمر الذي أدخل أعدادًا كبيرةً من المسلمين السُّنَّة ضمن حدود دولةٍ جديدةٍ رأى بعضهم أنَّها صُمِّمت لتكون امتدادًا لمشروعٍ سياسيٍّ مارونيٍّ تحت رعايةٍ فرنسيَّة [2].

في هذا السياق برز توتُّرٌ تأسيسيٌّ في العلاقة بين المسلمين السُّنَّة والكيان الجديد؛ فقد ارتبط الوعي السياسي السُّنِّي تاريخيًّا بفكرة الانتماء العربي والسوري، ما جعل تأسيس لبنان الكبير يُنظر إليه لدى بعض النخب السياسيَّة والشعبيَّة باعتباره فصلًا قسريًّا عن المحيط الطبيعي. لذلك شهدت مدن مثل طرابلس مواقف رافضةً للانتداب وللكيان الجديد، عبَّرت عنها شخصيَّات سُنِّيَّة بارزة مثل عبد الحميد كرامي، الذي ارتبط بالمشروع العربي الفيصلِّي ورفض التعاون مع سلطات الانتداب الفرنسي [3].

مع اقتراب لحظة الاستقلال، برز تفاهم عام 1943 بين بشارة الخوري ورياض الصلح، المعروف بالميثاق الوطني غير المكتوب، كمرحلةٍ انتقاليَّةٍ في موقف السُّنَّة من الكيان اللبناني. فقد قبل السُّنَّة بفكرة الدولة اللبنانيَّة مقابل تثبيت عروبة لبنان والتخلِّي عن فكرة الوحدة الفوريَّة مع سوريا، في حين تخلَّى الموارنة عن الرهان على الحماية الغربيَّة المباشرة، وقد شكَّل هذا التفاهم أساس الصيغة السياسيَّة التي حكمت البلاد خلال العقود اللاحقة [4].

لاحقًا، ومع تصاعد المدِّ القومي العربي في منتصف القرن العشرين، تأثَّر الوعي السياسي السُّنِّي في لبنان بالحركة الناصريَّة ومشروع الوحدة العربيَّة. وقد ظهر ذلك في أحداث عام 1958 عندما شارك عددٌ من السُّنَّة في احتجاجاتٍ رافضةٍ لسياسات الرئيس كميل شمعون، ومؤيِّدةٍ للتيَّار القومي العربي؛ إذ رأت المدن الساحليَّة مثل طرابلس وبيروت في هذا المدِّ السياسي فرصةً لتأكيد انتمائها العربي، بينما بقي التوازن بين الهويَّة اللبنانيَّة والانتماء العربي عنصرًا دائم الحضور في النقاش السياسي اللبناني [1].

ومع اندلاع الحرب الأهليَّة عام 1975، انخرطت فئاتٌ من السُّنَّة في عددٍ من التنظيمات السياسيَّة والعسكريَّة المرتبطة بالتيَّارات القوميَّة واليساريَّة أو بالحركة الفلسطينيَّة، ومن أبرز هذه التنظيمات حركة “المرابطون” والتنظيم الشعبي الناصري وحزب “النجادة”. ويكشف هذا التعدُّد التنظيمي غياب بنيةٍ عسكريَّةٍ سُنِّيَّةٍ موحَّدة، بينما واصلت الهويَّة السياسيَّة السُّنِّيَّة التأرجح بين الانخراط في الدولة اللبنانيَّة والتشبُّث بالبعد العربي في تعريف موقعها السياسي [1].

هذه التحوُّلات التاريخيَّة أسهمت في تشكيل موقع السُّنَّة داخل النظام السياسي اللبناني؛ فالتسوية التي بدأت مع الميثاق الوطني عام 1943 لم تحسم بشكلٍ كاملٍ مسألة الهويَّة السياسيَّة للبنان، بل أرست صيغة توازنٍ طائفيٍّ استمرَّت لاحقًا في إعادة إنتاج نفسها خلال الأزمات، وصولًا إلى اتِّفاق الطائف عام 1989 الذي أعاد توزيع الصلاحيات داخل النظام السياسي وكرَّس دور رئاسة الحكومة التي يتولَّاها السُّنَّة ضمن معادلة السلطة في الدولة اللبنانيَّة [5].

الثلث المعطِّل: المحاصصة الطائفيَّة وعرقلة الحكم

شكَّل اتِّفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة عام 1989، واستُكمل دستوريًّا عام 1990، نقطة تحوُّلٍ في إعادة توزيع السلطة بين الطوائف اللبنانيَّة. فقد نصَّ الاتِّفاق على مشاركة جميع المكوِّنات السياسيَّة في الحكم، مع اعتماد آليَّات تصويت تقوم على قاعدة أكثريَّة الثلثين في بعض القرارات الأساسيَّة داخل مجلس الوزراء، وهو ما فتح الباب لاحقًا أمام ما عُرف سياسيًّا بقاعدة “الثلث المعطِّل” [6].

يُقصَد بالثلث المعطِّل قدرة فريقٍ سياسيٍّ يمتلك ثلث عدد الوزراء زائد واحد على تعطيل قرارات الحكومة أو إسقاطها عبر الاستقالة الجماعيَّة. وقد أشار عددٌ من الباحثين الدستوريِّين، ومنهم حسن الرفاعي، إلى أنَّ هذه الآليَّة لم تكن منصوصًا عليها بشكلٍ صريحٍ في نصِّ الطائف، بل نشأت نتيجة ممارساتٍ سياسيَّةٍ وتفسيراتٍ دستوريَّةٍ لاحقة منحت الأقليَّات داخل الحكومة نفوذًا واسعًا على عملها [7].

خلال السنوات اللاحقة، تحوَّلت هذه القاعدة إلى أداةٍ سياسيَّة تُستخدم في الصراع على السلطة داخل النظام اللبناني؛ فقد ظهرت بوضوح خلال الأزمات الحكوميَّة المتكرِّرة، ومنها استقالة وزراء في حكوماتٍ متعاقبة، أو الخلافات التي رافقت تشكيل الحكومات بعد عام 2005. وتُبرز هذه الممارسات هشاشة التطبيق العملي لاتِّفاق الطائف، إذ بقي النظام السياسي قائمًا إلى حدٍّ كبيرٍ على مبدأ التوازن الطائفي وتقاسم النفوذ بين القوى السياسيَّة المختلفة [8].

إلى جانب ذلك، نصَّ اتِّفاق الطائف على حلِّ الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانيَّة، في محاولةٍ لإعادة بناء مؤسَّسات الدولة بعد سنوات الحرب. وبالفعل، قامت معظم الفصائل المسلَّحة بتسليم سلاحها تدريجيًّا، بما في ذلك “القوَّات اللبنانيَّة” و”الحزب التقدُّمي الاشتراكي” و”حركة أمل”، في إطار عمليَّة إعادة تنظيم الحياة السياسيَّة والأمنية في البلاد [9].

مع ذلك، بقي حزب الله حالةً استثنائيَّة ضمن هذا المسار، إذ احتفظ بسلاحه تحت مبرِّر مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. وقد أدَّى ذلك إلى نشوء وضعٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ معقَّد تمثَّل في وجود قوَّةٍ عسكريَّةٍ خارج إطار الدولة، ما عزَّز حالة الازدواجيَّة بين مؤسَّسات الدولة الرسميَّة والقوى السياسيَّة المسلَّحة، وأثار نقاشاتٍ متكرِّرةً حول سيادة الدولة وقدرتها على احتكار استخدام القوَّة [10].

كما ساهمت التدخُّلات الإقليميَّة والدوليَّة، إضافةً إلى الانقسامات الداخليَّة بين القوى السياسيَّة اللبنانيَّة، في إبطاء تنفيذ عددٍ من بنود اتِّفاق الطائف، فبقي الاتِّفاق إطارًا سياسيًّا لتنظيم السلطة أكثر منه مشروعًا مكتملًا لإعادة بناء الدولة؛ إذ استمرَّت الخلافات حول تفسير بعض مواده وآليَّات تطبيقها، خصوصًا ما يتعلَّق بتوازن الصلاحيَّات بين المؤسَّسات الدستوريَّة [11]. وتشير هذه التطوُّرات إلى أنَّ العلاقة بين الدولة والطوائف في لبنان ما تزال محكومةً بدرجةٍ كبيرةٍ بالتوازنات الطائفيَّة والسياسيَّة؛ فالنظام الذي نشأ بعد الحرب الأهليَّة اعتمد على صيغةٍ توافقيَّةٍ بين المكوِّنات المختلفة، إلا أنَّ هذه الصيغة نفسها ساهمت أحيانًا في تعطيل عمل المؤسَّسات الحكوميَّة وإبطاء عمليَّة صنع القرار، وهو ما انعكس على قدرة الدولة اللبنانيَّة على إدارة أزماتها السياسيَّة والاقتصاديَّة بشكلٍ فعّال [7].

من الشراكة إلى الانكشاف

شكَّل اغتيال رفيق الحريري عام 2005 نقطة تحوُّلٍ مفصليَّة في موقع السُّنّة داخل النظام السياسي اللبناني. فقد أدَّى خروج الجيش السوري من لبنان في العام نفسه إلى إنهاء المظلَّة الإقليميَّة التي ساهمت لعقودٍ في ضبط التوازنات السياسيَّة الداخليَّة، ما كشف محدوديَّة قدرة رئاسة الحكومة على التأثير في موازين القرار السياسي، في ظلِّ استمرار وجود قوى مسلَّحة خارج إطار الدولة [12].

في هذا السياق، دخل لبنان مرحلة صراعٍ سياسيٍّ حادٍّ بين معسكري 8 آذار و14 آذار، وهو ما انعكس في أزماتٍ حكوميَّةٍ متكرِّرةٍ وتوتُّراتٍ سياسيَّةٍ وأمنيَّةٍ بلغت ذروتها في أحداث 7 أيَّار 2008، وانتهت إلى اتِّفاق الدوحة الذي أعاد تنظيم التوازنات السياسيَّة داخل السلطة التنفيذيَّة ورسَّخ عمليًّا قاعدة “الثلث المعطِّل”، ما منح قوى المعارضة القدرة على تعطيل قرارات الحكومة أو إسقاطها عبر الاستقالة الجماعيَّة للوزراء [13].

بالتوازي مع ذلك، توسَّعت المقاربة الأمنيَّة تجاه بعض البيئات السُّنيَّة؛ إذ أُحيل عددٌ من القضايا المتعلِّقة بمدنيِّين إلى المحكمة العسكريَّة، وبرز ملفُّ الموقوفين الإسلاميين كمصدرٍ دائمٍ للاحتقان السياسي والاجتماعي. كما عانت مناطق شمال لبنان، ولا سيَّما طرابلس وعكار، من معدَّلات فقرٍ مرتفعةٍ وصلت في بعض التقديرات إلى نحو 40–45%، إلى جانب استمرار التهميش التنموي وضعف الاستثمار في البنية التحتيَّة والخدمات العامَّة [14].

وتفاقمت هذه الأوضاع مع تصاعد التوتُّرات الإقليميَّة المرتبطة بالحرب السوريَّة منذ عام 2011؛ حيث انعكست التطوُّرات الإقليميَّة على الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان، وازدادت حدَّة الانقسامات الداخليَّة بين القوى السياسيَّة المختلفة، ما أدَّى إلى تفاقم التوتُّرات المحليَّة في عددٍ من المناطق، خصوصًا في مدينة طرابلس التي شهدت جولاتٍ متكرِّرةً من الاشتباكات المسلَّحة خلال تلك الفترة [12].

ابتداءً من عام 2016، بدأت ملامح تراجُع الدعم الإقليمي لبعض القوى السياسيَّة اللبنانيَّة بالظهور، ولا سيَّما مع تبدُّل أولويَّات عددٍ من الدول الخليجيَّة في المنطقة. وقد تعمَّقت هذه الأزمة بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من الرياض في تشرين الثاني 2017، وهي الحادثة التي عكست حجم التعقيدات التي باتت تحيط بالموقع السُّنِّي في المعادلة السياسيَّة اللبنانيَّة، بين ضغوط الداخل وتحولات البيئة الإقليميَّة [15].

ومع اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأوَّل 2019 وما رافقها من انهيارٍ ماليٍّ واقتصاديٍّ غير مسبوق، تعرَّضت الطبقة الوسطى اللبنانيَّة لتراجُعٍ كبير، وهي الطبقة التي شكَّلت تاريخيًّا القاعدة الاجتماعيَّة الأساسيَّة للمشروع السياسي المرتبط بـ”تيَّار المستقبل”. وقد انعكس ذلك في تراجُع القدرة التنظيميَّة والماليَّة لهذا التيار، ما أدَّى تدريجيًّا إلى إضعاف الزعامة السياسيَّة الموحَّدة داخل المسلمين السنّة [15].

بلغ هذا المسار ذروته مع إعلان سعد الحريري عام 2022 تعليق عمله السياسي وعدم خوض الانتخابات النيابيَّة، الأمر الذي ساهم في بروز عددٍ من النوَّاب المستقلِّين من دون إطارٍ سياسيٍّ جامع، وتشتُّت الصوت السُّنِّي داخل البرلمان. وبذلك انتقل الدور السياسي للطائفة السُّنيَّة خلال الفترة الممتدَّة بين 2005 و2024 من موقع الشريك المركزي في معادلة الطائف إلى موقعٍ أكثر هشاشة، يتَّسم بتراجُع النفوذ السياسي وتزايد التحدِّيات المرتبطة بالانكشاف الإقليمي والأزمة الاقتصاديَّة والانقسامات الداخليَّة [13].

الانعطافة الكبرى – تحدِّيات النفوذ الإيراني والتحوُّلات اللبنانيَّة بعد سقوط نظام الأسد

شكَّل سقوط نظام بشَّار الأسد في 8 كانون الأوَّل 2024 إحدى أبرز التحوُّلات الاستراتيجيَّة في المنطقة خلال العقود الأخيرة؛ فقد انهار النظام خلال هجومٍ خاطفٍ قادته فصائل معارضة مسلَّحة سيطرت على دمشق ودَفعت الأسد إلى الفرار إلى روسيا، منهيةً أكثر من نصف قرنٍ من حكم عائلته لسوريا [16].

كان لهذا الحدث أثرٌ تجاوز الداخل السوري ليطال بصورةٍ مباشرةٍ التوازنات الجيوسياسيَّة في المشرق العربي وطبيعة التفاعلات السياسيَّة والطائفيَّة داخل لبنان. فعلى مدى عقود، شكَّلت سوريا حلقةً مركزيَّةً في ما يُعرَف بمحور النفوذ الإيراني في المنطقة؛ إذ مثَّلت الجسر الجغرافي الذي يربط إيران بحلفائها في لبنان، ولا سيَّما حزب الله، وقد أتاح هذا الموقع لطهران تعزيز حضورها العسكري والاستراتيجي في شرق المتوسِّط ضمن ما يُعرف باستراتيجيَّة “الردع الأمامي” القائمة على استخدام الحلفاء الإقليميِّين كخطِّ دفاعٍ متقدِّمٍ في مواجهة خصومها [17].

أدَّى انهيار نظام الأسد إلى إضعاف هذا البناء الاستراتيجي بدرجةٍ ملحوظة، إذ فقدت إيران إحدى أهمِّ قواعد نفوذها في المنطقة، وتعرَّضت خطوط الإمداد العسكريَّة واللوجستيَّة بين إيران ولبنان لاضطراباتٍ كبيرة. ووفق تقديرات عددٍ من مراكز الأبحاث، تأثَّرت البيئة العملانيَّة للحزب وشبكات إمداده، وتزايد اعتماد طهران على مساراتٍ بديلةٍ أكثر كلفةً ومخاطرة [18].

تزامنت هذه التطوُّرات مع تصاعُد المواجهات غير المباشرة بين إيران وإسرائيل في سياق الحرب على غزَّة وما بعدها؛ حيث كشفت بعض الضربات العسكريَّة التي استهدفت مواقع مرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني عن اختلالٍ نسبيٍّ في ميزان الردع الإقليمي، خصوصًا مع اتِّساع نطاق العمليَّات العسكريَّة وتزايد الضغوط الدوليَّة على طهران [19]. كما أنَّ تدمير أجزاء كبيرة من منظومات الدفاع الجوي السوريَّة خلال سنوات الصراع فتح المجال أمام إسرائيل لهوامش أوسع في الحركة الجوِّيَّة فوق سوريا، ما زاد من تعقيد البيئة الأمنيَّة المحيطة بلبنان [18].

في ظلِّ هذه المتغيِّرات، وجدت إيران نفسها أمام مرحلةٍ تتطلَّب إعادة صياغة بعض عناصر عقيدتها الدفاعيَّة، ولا سيَّما مع تراجُع فعاليَّة استراتيجيَّة الاعتماد على الوكلاء الإقليميِّين بالصيغة التي سادت بعد عام 2003. وفي هذا السياق، تشير تقارير الوكالة الدوليَّة للطاقة الذريَّة إلى ارتفاع مستويات تخصيب اليورانيوم في إيران خلال السنوات الأخيرة، في خطوةٍ تُفسَّر غالبًا على أنَّها محاولةٌ لتعزيز أوراق القوَّة في مواجهة الضغوط الدوليَّة المتزايدة [20].

أمَّا على المستوى اللبناني، فقد انعكست هذه التحوُّلات الإقليميَّة بصورةٍ مباشرةٍ على المشهد السياسي الداخلي؛ فمع تراجُع موقع دمشق ضمن محور طهران، برزت مؤشِّرات على إمكان إعادة تموضع لبنان ضمن محيطه العربي بعد سنواتٍ من التوتُّر في علاقاته مع عددٍ من الدول الخليجيَّة، وأعاد ذلك طرح مسألة استعادة لبنان لدوره التقليدي داخل الفضاء العربي سياسيًّا واقتصاديًّا [21].

وفي موازاة ذلك، تجدد النقاش حول مستقبل التوازنات الطائفيَّة داخل النظام السياسي اللبناني، ولا سيَّما حيّز المسلمين السنة التي شهد دورها السياسي تراجُعًا خلال السنوات الماضية. ومع تغيُّر البيئة الإقليميَّة، برزت توقُّعات بإمكان إعادة التوازن إلى الحياة السياسيَّة اللبنانيَّة، إلا أنَّ الساحة السُّنيَّة ما تزال تعاني حالةً من التشتُّت في ظلِّ غياب قيادةٍ سياسيَّةٍ موحَّدة، ويتوزَّع التمثيل السياسي السُّنِّي اليوم بين شخصيَّات وقوى متعدِّدة تعكس طبيعة التركيبة الاجتماعيَّة والسياسيَّة للطائفة التي اتَّسمت تاريخيًّا بتعدُّد الزعامات المحليَّة. وفي ظلِّ هذه المعطيات، يبقى مستقبل التوازنات الداخليَّة في لبنان مرتبطًا بمدى قدرة الدولة اللبنانيَّة على إدارة التحوُّلات الإقليميَّة واستعادة دورها كمؤسَّسةٍ قادرةٍ على تنظيم الحياة السياسيَّة في بلدٍ شديد التأثُّر بالصراعات المحيطة به [21].

تحوُّلات الإقليم وآفاق المشهد اللبناني حتَّى عام 2026

تشير التحوُّلات المتسارعة في المنطقة العربية إلى أنَّ المرحلة الممتدَّة حتَّى عام 2026 قد تشهد إعادة تشكيلٍ ملحوظةٍ لموازين القوى الإقليميَّة، وهو ما سينعكس بصورةٍ مباشرةٍ على لبنان وتركيبته السياسيَّة الداخليَّة. فقد اعتمد النفوذ الإيراني خلال العقدين الماضيين على استراتيجيَّة التمدُّد عبر الفراغات السياسيَّة والأمنيَّة في المنطقة، كما حدث بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وخلال سنوات الربيع العربي، حين تمكَّنت طهران من ترسيخ حضورها في عددٍ من الساحات الإقليميَّة من خلال شبكاتٍ سياسيَّةٍ وعسكريَّةٍ حليفة [22].

إلا أنَّ التطوُّرات الأخيرة، وفي مقدِّمتها سقوط نظام الأسد وتشديد العقوبات، تشير إلى أنَّ هذه الاستراتيجيَّة باتت تواجه تحدِّياتٍ متزايدة، سواء نتيجة الضغوط الدوليَّة والعقوبات الاقتصاديَّة المفروضة على إيران، أو بسبب الضربات التي استهدفت قيادات ومواقع مرتبطة بـ”الحرس الثوري” الإيراني، وقد انعكس ذلك على قدرة طهران على إدارة نفوذها الإقليمي بالفاعليَّة نفسها التي ميَّزت مرحلة ما بعد عام 2011 [23].

في هذا السياق، يبرز لبنان بوصفه إحدى الساحات الأكثر تأثُّرًا بهذه التحوُّلات؛ فـحزب الله، الذي شكَّل لعقودٍ أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، يواجه ضغوطًا متزايدة على المستويين العسكري والسياسي، خصوصًا بعد المواجهات الأخيرة مع إسرائيل وما خلَّفته من تداعياتٍ أمنيَّةٍ واقتصاديَّة [24]. كما أنَّ تراجُع خطوط الإمداد التقليديَّة عبر الأراضي السوريَّة، إلى جانب تنامي النقاش الداخلي حول موقع سلاح الحزب ودوره السياسي داخل الدولة، يضيف بُعدًا جديدًا إلى المشهد السياسي اللبناني [23] [24].

في المقابل، تشير بعض المؤشِّرات إلى احتمال بروز دورٍ عربيٍّ أكثر فاعليَّة في لبنان خلال المرحلة المقبلة، ولا سيَّما مع عودة الاهتمام الخليجي بالملفِّ اللبناني، واستئناف بعض قنوات الدعم المالي والدبلوماسي بشكلٍ حذر [25]. وقد لعبت المملكة العربيَّة السعوديَّة تاريخيًّا دورًا مهمًّا في دعم استقرار لبنان، سواء عبر الوساطات السياسيَّة أو من خلال رعاية اتِّفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب الأهليَّة، ويجعل هذا الإرث السياسي إعادة تفعيل العلاقات اللبنانيَّة–العربيَّة عاملًا مهمًّا في أيِّ مسارٍ محتملٍ لإعادة بناء مؤسَّسات الدولة اللبنانيَّة [25].

وفي موازاة هذه المتغيِّرات الإقليميَّة، يبرز تساؤلٌ حول مستقبل التوازنات الطائفيَّة والسياسيَّة داخل لبنان، ولا سيَّما الدور السُّنِّي الذي شهد تراجُعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة بعد غياب القيادة السياسيَّة الموحَّدة التي كانت تمثِّلها “الحريريَّة السياسيَّة” في مراحل سابقة. وتشير بعض التقديرات إلى أنَّ المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تشكُّل هذا الدور ضمن صيغةٍ أكثر تعدُّديَّة تقوم على بروز قياداتٍ محليَّةٍ متعدِّدة بدل الزعامة المركزيَّة الواحدة [26].

في المحصِّلة، يقف لبنان اليوم أمام مرحلةٍ انتقاليَّةٍ حسَّاسة تتقاطع فيها التحوُّلات الإقليميَّة مع الأزمات الداخليَّة العميقة التي يواجهها؛ فمستقبل البلاد خلال السنوات القليلة المقبلة سيبقى مرتبطًا بمدى قدرة القوى السياسيَّة اللبنانيَّة على إعادة بناء توازنٍ سياسيٍّ ومؤسَّساتيٍّ يحدُّ من تأثير الصراعات الخارجيَّة على الداخل اللبناني.

وبين تراجُع مراكز نفوذٍ تقليديَّة ومحاولات بروز أدوارٍ إقليميَّةٍ جديدة، يقف لبنان مجدَّدًا أمام مفترق طرقٍ قد يحدِّد ما إذا كان سيتَّجه نحو استعادة استقراره السياسي والانفتاح على محيطه العربي، أم سيبقى ساحةً مفتوحةً للتجاذبات الإقليميَّة [25] [26].