ذكاء اصطناعي برتبة عسكري: كيف قاتل الذكاء وأعاد تشكيل الحرب؟!

آخر تحديث: 15 مارس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

7 mins

في مساء السبت 7 آذار 2025، كتبت كيتلين كالينوفسكي (Caitlin Kalinowski) المسؤولة عن قسم الروبوتات في شركة OpenAI استقالتها على منصة إكس (تويتر سابقاً) احتجاجاً على الاتفاق الذي وقعته الشركة مع وزارة الحرب الأمريكية والذي بموجبه سيستخدم البنتاغون نماذج وخدمات الذكاء الاصطناعي التي تقدمها OpenAI وأشهرها نموذج ChatGPT في العمليات العسكرية، وجاء هذا التعاون بين الطرفين بعد رفض شركة Anthropic السماح باستخدام نموذجها (Claude) في الأسلحة ذاتية التشغيل، ومراقبة المواطنين الأمريكيين، ومع ذلك، أبقى البنتاغون، لحاجته، على استخدام النموذج في الحرب الأخيرة على إيران بحسب تقرير لصحيفة Wall Street Journal.

قبل هذه الحرب، ارتبط التفوق العسكري بحجم ترسانة الدولة وفي مقدمتها السلاح النووي، إضافة إلى ما تملكه من طائرات وصواريخ وأنظمة دفاعية متطورة، لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كشفت عن تحول جديد في الحروب سيعيد تعريف مركز الثقل في القوة العسكرية على الأغلب، فمع حضور نماذج الذكاء الاصطناعي في عمليات القصف، وتزايد دورها في دعم عملية اتخاذ القرار العسكري؛ لم تعد هذه التقنيات تقتصر على مهام الرصد أو تصفية البيانات الاستخباراتية وتحليلها، وإنما أخذ دوراً “أعلى رتبة” داخل المؤسسة العسكرية.

بدا هذا ظاهراً منذ اليوم الأول للحرب، فبدل دورة القرار التقليدية التي كانت تمر بسلسلة بشرية طويلة من التحليل والتقدير قبل إصدار الأوامر، أصبحت الخوارزميات قادرة على دمج البيانات الاستخباراتية وتشغيل سيناريوهات العمليات واقتراح خيارات الاستهداف في زمن وجيز، ولنتذكّر ما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في اليوم الثاني للحرب عن استهدافها أكثر من ألف موقع إيراني خلال اليوم الأول فقط، وهو حجم عمليات غير مسبوق في بداية أي حرب، ولا يقتصر أثر هذا التسارع على زيادة وتيرة العمليات العسكرية فحسب، لكنه أيضاً يمنح ميزة عملياتية في تحديد الأهداف وترتيب أيها أهم وأولى على سلّم الاغتيال والقتل.

إذاً دخل الذكاء الاصطناعي الحرب كعسكري وصانع قرار، وهذا ما يدفعنا إلى إعادة التفكير عن أشكال الحروب في المستقبل، وفي حين أن طبيعة الحرب نفسها لا تتغيّر: عنيفة، ودموية وسياسية، إلا أن أسلوب الحرب متغيّر من الرماح والسيف إلى البنادق والطائرات والدبابات كما يقول شون ماكفيت في محاضراته “عن الحرب والفكر الاستراتيجي”، وفي هذه الحرب رأينا شكلاً جديداً يمكن أن نسميه «القوة الخوارزمية»؛ أي قدرة الدولة على تحويل البيانات الضخمة إلى قرارات عملياتية بسرعة تفوق الإدراك البشري. 

تنطلق هذه المادة من فكرة أن السيطرة على نماذج الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والبنية التحتية للبيانات ستكون أحد المحددات الرئيسية للتفوق العسكري في القرن الحادي والعشرين.

القوة الخوارزمية

يُقصد بالقوة الخوارزمية قدرة المؤسسات العسكرية على دمج التدفقات الضخمة من البيانات من صور الأقمار الصناعية واعتراض الاتصالات وأجهزة الاستشعار المختلفة، وتحويلها إلى تقديرات عملياتية وخيارات لاتخاذ قرار خلال ثوان أو دقائق على أبعد تقدير، على عكس ما كان عليه الأمر في السابق حين كانت دورة القرار العسكري تقليدياً تمر بسلسلة بشرية طويلة من الرصد والتحليل والتقدير قبل إصدار الأوامر. 

أما اليوم، تدمج النماذج الخوارزمية هذه المراحل في منظومات رقمية قادرة على تحليل البيانات متعددة المصادر وتشغيل سيناريوهات العمليات، واقتراح أولويات الاستهداف بسرعة عالية، ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل في العمليات العسكرية من المنصة القتالية نفسها إلى المنظومة الخوارزمية التي تدير استخدام المنصة القتالية، بمعنى أن التفوق العسكري لم يعد يعتمد فقط على الترسانة العسكرية التقليدية، وإنما أيضاً على المنظومات الخوارزمية التي تنظم استخدام (المنصات القتالية) وتحدد أولوياتها العملياتية.

من أداة مساندة إلى جزء من منظومة القرار العسكري 

في الواقع، لا يعد إشراك الذكاء الاصطناعي في الحرب أمراً مفاجئاً أو جديداً؛ فقد سبق استخدامه في نزاعات من بينها الحرب الروسية-الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة عام 2023، وكذلك في الهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال رئيسها، غير أن التحول الجوهري في الحرب الأخيرة لا يكمن في مجرد استخدام هذه التقنيات، وإنما في طبيعة الدور الذي أُنيط بها؛ إذ لم تعد نماذج الذكاء الاصطناعي تقتصر على مهام المساندة مثل التحليل والفلترة والرصد، وإنما بمشاركتها في صناعة القرار العسكري.

وقد انعكس هذا التحول بوضوح على ما يُعرف بدورة القرار العسكري، أي العملية التي تُصنع من خلالها القرارات العملياتية، وتبدأ هذه الدورة عادةً بمرحلة الملاحظة وجمع البيانات، تليها مرحلة التوجيه وتحليل السياق، لتنتهي بمرحلة اتخاذ القرار وتنفيذ الفعل. في الحروب التقليدية كانت هذه العملية تمر عبر سلسلة بشرية متعددة، تبدأ بالجندي وقد تنتهي عند وزير الدفاع أو رئيس الدولة، وبطبيعة الحال تستغرق على الأقل ساعات، إن لم يكن أياماً، أما في الحرب الأخيرة فقد تقلصت هذه الدورة الزمنية إلى ثوانٍ معدودة، نتيجة دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحلها.

في هذا السياق، اضطلع نظام «مايفن الذكي» بدور محوري في استخدام الذكاء الاصطناعي أثناء الحرب، فهذا النظام، المطوّر من قبل شركة Palantir، يعتمد على معالجة كميات ضخمة من البيانات الاستخباراتية المستمدة من الأقمار الصناعية ومنصات المراقبة ومصادر متعددة أخرى، ويستخدمها في توليد الأهداف المقترحة، وتلخيص المعلومات الاستخباراتية الواردة من ساحة المعركة، إضافة إلى تتبع البيانات اللوجستية المرتبطة بالعمليات العسكرية/ وبهذا يتيح للقادة العسكريين إنتاج رؤى استهداف فورية وتحديد أولويات الأهداف في زمنٍ قياسي.

أيضاً، أشار تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، إلى استخدام الجيش الأمريكي نموذج «كلود» التابع لشركة Anthropic، وعلى الرغم من أن النموذج استُخدٍم سابقاً في عمليات أمنية، من بينها مهام مكافحة الإرهاب والعملية العسكرية التي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع هذا العام، فإن الحرب الأخيرة تمثل أول استخدام له في عمليات عسكرية واسعة.

بهذا الشكل ساعد الذكاء الاصطناعي الأمريكيين والإسرائيليين في توليف كميات ضخمة من المعلومات الاستخباراتية، وترتيب الأهداف وفق أولويات عملياتية، فضلاً عن تشغيل سيناريوهات «ماذا لو» التي كانت تتطلب تقليدياً ساعات طويلة من الرصد والتحليل والتفكير البشري، والمفارقة أن هذا الاستخدام جاء في وقت كانت فيه إدارة ترامب تعلن انتقادها العلني لتكنولوجيا شركة «أنثروبيك» ومنحت الوكالات الاتحادية مهلة ستة أشهر للتخلص منها تدريجياً.

مسيّرة لوكاس المطورة عن شاهد -136 الإيرانية

شكّلت الموجة الأولى من ضربات الجيش الأمريكي على طهران أول استخدام مؤكد لطائرات هجومية انتحارية بعيدة المدى أمريكية الصنع، ويعكس هذا الاستخدام تحوّلاً في طبيعة الأدوات القتالية التي تعتمد عليها واشنطن فالمسيّرات الانتحارية أصبحت أحد أعمدة التحول في العقيدة العسكرية الأمريكية نحو ما يُعرف بمفهوم «الكتلة القتالية منخفضة الكلفة»، أي الاعتماد على أعداد كبيرة من الأدوات القتالية الرخيصة نسبياً بدل الاقتصار على الأنظمة المتطورة ذات التكلفة العالية.

برزت مسيّرة «لوكاس» بوصفها أحد أبرز الأمثلة على هذا التوجه، فقد طورتها شركة SpektreWorks بالتعاون مع وزارة الدفاع الأمريكية، بعد دراسة تقنية للطائرة الإيرانية «شاهد-136» والتي حصلت الولايات المتحدة على نسخة منها خلال الحرب الروسية-الأوكرانية، وأعيد تصميم الفكرة لإنتاج نسخة منخفضة الكلفة، وتعتمد على الخوارزميات للتعرّف على الأنماط لتحديد الأهداف، حتى في حال انقطاع الاتصال بالمشغّلين نتيجة التشويش، مما يمنحها قدرة على مواصلة المهمة بصورة ذاتية.

حرب البيانات: البنية الرقمية هدفاً عسكرياً

أيضاً، مما كشفته هذه الحرب، ولم نعهده في حروب سابقة، استهداف البنية الرقمية بوصفها هدفاً عسكرياً، فقد استهدفت مسيّرات إيرانية مراكز بيانات تجارية تابعة لخدمة الحوسبة السحابية لشركة أمازون في الإمارات والبحرين، إذاً لم تعد المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية ومنازل القادة هي الأهداف الرئيسية، بل أُضيف إليها مراكز البيانات التي سيكون لها نفس أهمية مستودعات الذخيرة في العقود القادمة على ما يبدو. 

أهمية مراكز البيانات تأتي من السيادة الرقمية، والدولة التي تعجز عن حماية بنيتها المعلوماتية أو تعتمد بشكل رئيس على جهات خارجية لإدارة بياناتها ستجد نفسها مسلوبة القرار وفي وضع هش خلال الأزمات، إذ تصبح قدرتها على إدارة المعلومات والاتصالات والبنى الرقمية الحيوية عرضة للتعطيل أو الاختراق، ويشبه هذا الوضع الدول التي تعتمد في إمدادات الطاقة الأساسية على خصومها؛ إذ تبقى قدرتها على التشغيل بمن يملك التحكم في تلك الموارد، وعند اشتعال الحرب أو أي مواجهة ستجد نفسها خاسرة إذا جعلت أمرها بيد عدوها.

خاتمة

تغيب إيران عن المادة، كما يغيب استخدامها للذكاء الاصطناعي بكثافة وقوة في الحرب، غير أن هذا الغياب هو أحد ملامح الصراع بين الطرفين، وميزة تميّزت بها أمريكا والكيان على طهران، فبينما وظّف الطرفان منظومة متكاملة من نماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمة المعالجة اللحظية في إدارة العمليات العسكرية، بقيت القدرات الإيرانية في هذا المجال محدودة النطاق، وعلى الرغم من إعلان طهران العام الماضي إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في بعض أنظمة توجيه الصواريخ، فإن تطور هذه القدرات يظل مقيداً بعوامل عدة، من بينها القيود التقنية والعقوبات الدولية، وهو ما جعل الفارق الخوارزمي بين الطرفين يتحول إلى عامل حاسم في مسار العمليات.

أختم بسؤال طرحه شون ماكفيت، أستاذ الشؤون الاستراتيجية والأمنية، في محاضراته عن الحرب والفكر الاستراتيجي والعسكري، والتي تُرِجمت وجُمِعت لاحقاً في كتاب بعنوان “السياسة المسلحة” ، ويدور سؤاله عما إذا كان مستقبل الحرب سيحدده الخداع الاستراتيجي أم قوة السلاح. غير أن ملامح الحرب الأخيرة يدفعني إلى طرح سؤال مختلف: هل يتشكّل مستقبل الحرب أساساً بمن يملك أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي وأكثرها تقدماً؟ 

فإذا كانت السيادة العسكرية في القرن الماضي تُقاس بحجم الترسانة النووية أو التفوق الجوي، فهل سيكون معيار التفوق الاستراتيجي القادم مرتبطاً بجودة الخوارزمية أكثر من ارتباطه بعدد الصواريخ وسرعتها ومدياتها؟

يرى بعض المحللين أن دخول الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية سيعد «الثورة الثالثة في الحروب»، بعد ثورتي البارود والسلاح النووي، وفعلاً سيشكّل الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية وكبيرة في الحرب، ومع ذلك، علينا ألّا نبالغ وننبهر كثيراً، فكما لم يُلغِ السلاح النووي الأسلحة التقليدية، فمن غير المحتمل أن يقلب الذكاء الاصطناعي منطق الردع العسكري رأساً على عقب، على الأقل خلال العقود القادمة.