بين الاعتراف وعدمه: معاناة آلاف الطلاب مع شهادات الجامعات التركية في شمال سورية

الوقت اللازم للقراءة:
7 minsفي شمال سوريا، حيث اشتدت وطأة الحرب وتعددت وجوه المعاناة، لم يكن التعليم رفاهية بل كان مقاومة في وجه آلة القتل التي لا تميّز بين طفل وشيخ، بين مدرسة ومستشفى.
واليوم وبعد مرور أكثر من عام على انتصار ثورة الشعب، ترقد في أدراج آلاف الشابات والشبان السوريين أوراقٌ كُتب عليها بعرق التحدي والسهر، لكنها تفتقر إلى ختم يمنحها الاعتماد. شهادات جامعية من مؤسسات تعليمية نبتت في أرض الثورة، تحمل بين طياتها قصص صمود في وجه الحرب وصبر على مرّ التهجير، لكنها تتحول أمام أبواب الاعتراف إلى حبر لا لون له.
تشير الإحصاءات التقريبية لوجود 4000 طالب و2300 خريج يحملون أحلاماً معلّقة تحت سماء وطن تعرقل بيروقراطيته الاعتراف بها.
نشأة الجامعات التركية في الشمال السوري
صدر قرار تركي عام 2019 باستجابةً لحاجة المنطقة الملحّة لرفدها بخبرات محلية. كان ذلك بموجب المرسوم الرئاسي التركي رقم 1616 لعام 2019، حيث تمّ افتتاح فروع لجامعة غازي عينتاب تضم الكليات التالية:
- – كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية في مدينة الباب.
- – كلية التربية في مدينة عفرين.
- – كلية العلوم الإسلامية في مدينة اعزاز.
- – معاهد جرابلس العليا في مدينة جرابلس.
تبعتها لاحقا جامعة العلوم الصحية ساغلِك بيليملار في مدينة الراعي 2021 ضمت كلية للطب البشري ومعاهد صحية متخصصة.
تحديات تعقّد عملية الاعتراف
أكّد رئيس الهيئة الطلابية في جامعة العلوم الصحية ساغلِك بيلملار محمد ملاذ حوريه، في حديثه لوتد، أن العوائق التي تحول دون الاعتراف بالجامعة لا تتعلق بعدم استيفاء الشروط الفنية، مشيراً إلى أن الجامعة تحقّق بالفعل معايير المساحة المطلوبة، وتضمُّ مشفىً تعليمياً جامعياً، كما أن كادرها الأكاديمي هو الكادر الذي يدرّس في جامعتي أنقرة واسطنبول.
من جهة أخرى، يَكْمُنُ سبب تردُّد وزارة التعليم العالي في الاعتراف بهذه المؤسسات في إشكالياتٍ قانونيةٍ، أبرزُها أن إنشاء هذه الفروع تمّ بموجب مرسوم تركي يقابله فراغ تشريعي سوري ينظِّم عمل الجامعات الأجنبية على الأراضي السورية. وفي هذا الصدد، أخبر رئيس اتحاد الطلبة في محافظة حلب عبد الله العلي النايف منصة وتد أن الحل، في ظلّ غياب الأرضية القانونية لوجود فروع جامعات أجنبية على الأراضي السورية وآلية التعامل معها، هو إنشاء بروتوكول ناظم لتقنين الحالة لا معاملتها كحالات استثنائية. ويُضيف أن هذا الملفّ، على الرغم من أهميته، لا يحظى بالأولوية المُفترضة على أجندة صنّاع القرار، في ظلِّ غياب جهة تتحمّل مسؤولية التأخر الحاصل.
تحديات يواجهها الخريجون والطلاب
تواجه الشهادات الصادرة عن الفروع الجامعية التركية في شمال سوريا تحديات تنعكس سلباً على حامليها، أبرزها:
1. عائق أمام إكمال الدراسات العليا: ترفض الجامعات السورية الاعتراف بهذه الشهادات كشرط أساسي للالتحاق ببرامج الماجستير أو الدكتوراه، مما يحرم سوق العمل من كوادر متخصصة قد تكون ذات أهمية حيوية في مرحلة إعادة الإعمار.
2. مغالطة التصنيف وعواقبها العملية: يؤكّد عبد الله النعسان، خريج إدارة عامة، في حديثه لوتد أنه يتم التعامل مع هذه الفروع في السياق السوري على أنها “جامعات خاصة”، في حين أنها في أصلها التركي جامعات حكومية. وينسحب هذا التصنيف غير الدقيق سلباً على فرص الخريجين، حيث تُفضّل الوظائف في القطاع الحكومي ومقاعد الدراسات العليا في الجامعات الحكومية السورية بشكل كبير حاملي الشهادات الصادرة عن الجامعات الحكومية الرسمية، مما يضع خريجي هذه الفروع في موقع تنافسي غير متكافئ رغم أنهم من الناحية النظرية خريجو جامعات حكومية (تركية).
3. عائق أمام التوظيف: تُقابل هذه الشهادات بالرفض أو التهميش من قبل مؤسسات حكومية وخاصة، حيث تفضل الجهات التوظيفية الشهادات المعتمدة رسمياً.
4. تأثير سلبي على الدرجة والراتب: في حال التوظيف ومع عدم الاعتراف بالشهادة ستنخفض الدرجة الوظيفية مما سينعكس مباشرة على الراتب والترقيات المستحقة.
5. عائق أمام الانتقال إلى جامعة أخرى: لا يُسمح للطلاب بنقل ساعاتهم الدراسية المعتمدة أو الالتحاق بالجامعات السورية، مما يطيل أمد تهجير الكثير.
6. عبء نفسي: فإن هذا القلق الذي يعيشه الطالب مرهق ويستهلكه نفسياً وجسدياً، ويدفع بعضهم للتخلي عن الدراسة والبحث عن بدائل أخرى.
متابعة الوزارة للملف وتصاعد الاحتجاجات
تصاعدت وتيرة المطالبات بتاريخ 11 تشرين الأول 2025 حيث نظّم طلاب وخريجو جامعة غازي عينتاب في مدينة الباب وقفة احتجاجية بدعوة من الهيئة الطلابية، حدد فيها المحتجون مطلبين أساسيين:
– رفع أولوية ملف الاعتراف بالشهادات إلى أعلى سلّم اهتمامات وزارة التعليم العالي السورية، والسعي لإيجاد حل عاجل يقطع الانتظار والتردد.
– مطالبة الجانب التركي بتحمّل مسؤوليته كاملةً تجاه هذه الفروع الجامعية، والوفاء بالشروط الفنية التي تطلبها الوزارة السورية (كالمباني والمرافق اللائقة).
وبتاريخ 27 تشرين الأول، نشرت وزارة التعليم العالي السورية بياناً أكّدت فيه أنها تتابع ملف فروع الجامعات التركية العاملة ضمن الأراضي السورية في مناطق الشمال السوري باهتمام بالغ للوصول إلى حلول تضمن استمرارية التعليم، وتحقق العدالة لجميع الطلبة المسجلين في تلك المؤسسات.
وأوضحت الوزارة أنه لم يتم تقديم الطلبات المطلوبة من قبل إداراة تلك الجامعات، ولم تصل أي استجابات رسمية من رؤسائها إلى الوزارة. رغم تسلّمها للأوراق وهذا ما أثار حفيظةً واستياءاً شديدين بين الطلاب فقاموا في اليوم التالي بتنظيم احتجاج على أبواب الوزارة في دمشق، وعلى إثره تلقى الطلاب وعوداً بمتابعة الموضوع واعتباره أولوية.
بعد مرور شهرين تم تنظيم مؤتمرمن قبل الهيئات الطلابية وبحضور عدد من الكادر الإداري في مدينة الباب وأفرز عن مطالب واضحة: الاعتراف بالشهادات، وتيسير عمليات النقل للجامعات السورية، وتحديداً جدول زمني لحل الأزمة، وتوضيح السياسة الحكومية بما يخص هذا الملف.
وقد أكّد رئيس الهيئة الطلابية في جامعة غازي عينتاب بدر الأمين أنهم يتابعون الملف عبر قنوات متعددة، بتنسيق حثيث مع كل من وزارة التعليم العالي وإدارة الجامعة وإدارة المنطقة، كما يعملون على تقديم عريضة رسمية إلى الأمانة العامة تطالبها بالعمل على الاعتراف بالشهادات ومعادلتها بالشهادات الصادرة عن الجامعات السورية الحكومية.
الأزمة تتفاقم
مؤخراً، تصاعدت وتيرة الاستياء مع انتشار تسجيلات صوتية يُفهم منها تبنّي مسؤول في وزارة التعليم العالي خطاباً يُحمّل جزءاً من المسؤولية الطلاب أنفسهم، أثارت هذه التصريحات موجةً من الغضب والحيرة بين آلاف الطلاب المتضررين.
وفي بيانٍ رسمي صادر عن اتحاد الطلبة في محافظة حلب بتاريخ 13 كانون الثاني 2026، تمّ التأكيد على أن المطلب بـ “اعترافٍ كامل بالشهادات” يعد حقاً مشروعاً وضرورة أكاديمية، مع الإعلان عن رفع توصيات رسمية إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والتواصل المستمر مع الجهات المعنية لإيجاد حلول عاجلة وعادلة تضمن تكافؤ الفرص للجميع.
وسط دعوات لتنظيم وقفة احتجاجية في مدينة حلب قريباً، كتعبير عن رفض هذا التوجه ومطالبةٍ بإيجاد حل جذري يليق بمعاناتهم ويحفظ حقوقهم.
وفي بيان صادر يوم الخميس 15 كانون الثاني 2026 عن وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور مروان الحلبي نشره عبر حسابه على فيسبوك قال:
إلى أبنائنا الطلبة الدارسين في الجامعات التركية المتواجدة في الشمال السوري،
تؤكد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أنها تتابع ملف الجامعات التركية في الشمال السوري بكل جدية ومسؤولية، انطلاقاً من واجبها الوطني في حماية مستقبل طلابها وضمان استمرارية العملية التعليمية ضمن أطر قانونية واضحة.
وسيُدرَس الوضع القانوني لهذه الجامعات دراسةً شاملة خلال اجتماع مجلس التعليم العالي المزمع انعقاده خلال الأسبوع القادم، بما يتيح معالجة جميع الجوانب الأكاديمية والتنظيمية وفق القوانين والأنظمة النافذة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
كما تعمل الوزارة على تسوية أوضاع خريجي السنوات السابقة من هذه الجامعات، ودراسة واقع الطلبة في المراحل الدراسية الحالية، وصولاً إلى إغلاق هذا الملف بصورة نهائية وعادلة، تضمن حقوق الطلبة، وتحفظ جودة التعليم، وتؤمّن مستقبلهم الأكاديمي.
إن الوزارة إذ تطمئن أبناءها الطلبة، تؤكد أن كل ما يشغل بالهم هو موضع متابعة مباشرة من كافة المفاضلات والملفات وهي في حالة استنفار كاملة من الوزير والمعاونين وكامل فريق الوزارة، وأن القرارات التي ستصدر ستراعي المصلحة العامة، وتخدم استقرار التعليم العالي، وتكفل استمرار العملية التعليمية ضمن منظومة قانونية وتنظيمية راسخة.
إطار للعمل وآفاق للحل
في مواجهة هذه التحديات المعقدة، يبرز عدد من الاقتراحات العملية التي يمكن أن تشكل نواة لحلّ، منها:
- تشكيل لجان فنية مشتركة بين وزارة التعليم العالي السورية والجامعات التركية، لتنسيق معايير المعادلة والعمل على تطبيقها.
- سدّ الفراغ القانوني من خلال الوصول لمذكرة تفاهم ثنائية تُنظِّم عمل الفروع الجامعية الأجنبية على الأراضي السورية، وتحدد حقوق وواجبات كل طرف، مما يوفر أساساً قانونياً مستداماً للمستقبل.
- اعتماد آلية انتقال أكاديمية مرحلية كحلّ عملي عاجل، يمكن إنشاء آلية تسمح للطلاب الراغبين بالنقل المشروط إلى الجامعات السورية الحكومية، على أن يتم الاعتراف بالشهادات بعد استكمال متطلبات معادلة المتبقي من الساعات الدراسية.
- فتح قنوات حوار مباشرة مع ممثلي الهيئات الطلابية والخريجين للاستماع إلى مشكلاتهم مباشرة وإشراكهم في صياغة الحلول.
- وضع جدول زمني معلن مع تحديد مسؤوليات واضحة للجانبين السوري والتركي، ومراحل تنفيذ محددة، لإنهاء حالة الغموض وبناء الثقة.
- استيعاب الكفاءات من خلال برامج أو معايير تفضيلية لتسجيل خريجي هذه الجامعات في برامج الدراسات العليا داخل الجامعات السورية، بما يحقق الاستفادة من طاقاتهم في عملية إعادة الإعمار.
خاتمة
أخيراً، يتجاوز ملف شهادات آلاف الطلاب في شمال سوريا الجدل الأكاديمي ليصبح اختباراً حقيقياً لجدية الإرادة لخلق الحلول في مرحلة ما بعد الصراع. فهو لا يختبر قدرة النظام التعليمي على الاستيعاب والمرونة فحسب، بل يختبر أيضًا إرادة الجهات المعنية – السورية والتركية على حد سواء – بالقيام بخطوة ضرورية تضع مستقبل آلاف الشباب وحقهم في التعليم والعمل فوق أي اعتبارات أخرى، في إطارٍ يحفظ السيادة الوطنية ويضمن الجودة الأكاديمية في آنٍ معاً.

