ماذا يحدث في إيران؟

آخر تحديث: 14 يناير، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

15 mins

ليست إيران بغريبةٍ على الاحتجاج والدم، بدءً من الاحتجاجات الطلابية المطالبة بالإصلاحات السياسية عام 1999، واحتجاجات 2003، مروراً بالاحتجاجات التي قامت عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009، واحتجاجات عام 2012 التي زامنت الربيع العربي، واحتجاجات 2017-2018، ومن ثم كان ما عُرف بنوفمبر الدامي نهاية عام 2019، وانتهاءً باحتجاجات خورستان عام 2021، والاحتجاجات التي اندلعت عقب مقتل مهسا أميني عام 2022

فصحيحٌ إذن أن الاحتجاجات ليست حدثاً مستغرباً في إيران، ولكن احتجاجات 2025-2026 محمولة بمضامين مختلفة، سياسيةٍ منها واقتصادية، دون إغفال تضعضع طهران الجيوسياسي في السنوات الأخيرة والمناخ الدولي العام، حتى أن استخبارات الاحتلال الإسرائيلي تقول إنّ النظام الإيراني بلغ أقصى درجات ضعفه منذ عام 1999. ويُضاف إلى ذلك مشهد الاحتجاجات نفسه من ناحية هوية الاحتجاجات، ومن ناحية القوة التي يستخدمها النظام الإيراني لقمع هذه المظاهرات.

هذا هو السؤال الأول الذي تتناوله هذه المقالة، ماذا يختلف في هذه الاحتجاجات؟، وسؤالها الثاني هو أين سترسو إيران بعد عاصفة الاحتجاجات هذه؟

إلى أين تأخذنا جذور أزمة إيران؟

كان مطلع عام 2026 لحظة فارقة في التاريخ السياسي للنظام الإيراني، حيث تجد الدولة نفسها أمام تحد وجودي لم تشهده منذ ثورة عام 1979، ولعلها كانت تتويجاً تراكمياً لعقود من التناقضات البنيوية بين نظام ثوري يسعى لتصدير أيديولوجيته للخارج ومجتمع يتطلع للرفاه والحرية في الداخل. لقد دخلت إيران عام 2026 وهي مثقلة بتبعات عام 2025 الذي كان “عاماً صعباً” بكل المقاييس، واجهت فيه اختبارات أمنية وعسكرية واقتصادية غير مسبوقة، بدأت تداعياتها تتفاقم لتصل إلى مرحلة لا يمكن معالجتها بالأدوات التقليدية.

تاريخياً، اعتمد النظام الإيراني على ثلاث ركائز أساسية للبقاء: الشرعية الأيديولوجية المستمدة من ولاية الفقيه، القوة القمعية المتمثلة في الحرس الثوري والباسيج، والقدرة على المناورة الإقليمية عبر “محور المقاومة”. ومع ذلك، فإن هذه الركائز بدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى، فالشرعية الأيديولوجية تآكلت بفعل الفجوة الجيلية والفساد المستشري، والقوة القمعية تواجه اليوم مجتمعاً كسر حاجز الخوف، أما النفوذ الإقليمي فقد تلقى ضربات قاصمة في سوريا ولبنان واليمن. 

وعلى ذلك، فإن ما نشهده أمامنا في شوارع طهران ومشهد وتبريز قد يكون تجلّياً لحالة من “كسر العظم” بين الدولة والمجتمع مع مجتمعها، حيث لم تعد أنصاف الحلول أو الوعود الاقتصادية الهزيلة كافية لاحتواء الغضب الشعبي.

ما الذي يحدث تماماً في شتاء 2026؟

بدأت الشرارة الفعلية للموجة الحالية من الاحتجاجات في أواخر ديسمبر 2025، وتحديداً في الثامن والعشرين منه، عندما أغلقت الأسواق التجارية في طهران، بما في ذلك محلات الصاغة والصيرفة، أبوابها احتجاجاً على الانهيار المتسارع لقيمة الريال. هذا الإضراب التجاري سرعان ما تحول إلى حراك شعبي واسع شمل جميع المحافظات الإيرانية الـ 31 في غضون 12 يوماً فقط. وتوسّعت رقعة التظاهرات لتشمل ليس فقط العاصمة طهران، بل ومدن دينية كبرى مثل مشهد وقم، بالإضافة إلى المناطق الحدودية في كردستان وسيستان وبلوشستان.

شهدت وتيرة الاحتجاجات تصعيداً دراماتيكياً منذ السابع من يناير 2026، حيث سُجلت أكثر من 156 حالة احتجاج في يوم واحد عبر 27 مقاطعة. هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد تجمّعات صغيرة، بل ضمت 60 مظاهرة متوسطة الحجم (أكثر من 100 مشارك) في مختلف أنحاء البلاد، وهو ما يعكس قدرة تنظيمية متنامية رغم التضييق الأمني. وما يميّز هذه اللحظة هو تحول الهتافات من المطالب المعيشية الصرفة إلى المطالب السياسية الجذرية، حيث دوت شعارات «الموت للديكتاتور» و«الموت لخامنئي» في أحياء طهران المختلفة مثل سعادة آباد وپونك.

تسارع تصاعد الاحتجاجات في إيران
تسارع تصاعد الاحتجاجات في إيران

رد النظام الإيراني على هذا الزخم الشعبي باستخدام أداته التقليدية والوحيدة المتبقية، وهي القمع العنيف. ففي حين كانت قوات إنفاذ القانون “فراجا” والباسيج هي المسؤولة تاريخياً عن فضّ الشغب، اضطر النظام في يناير 2026 إلى اتخاذ خطوة نادرة وخطيرة بإشراك القوات البرية التابعة للحرس الثوري الإيراني لقمع الاحتجاجات في بعض المحافظات، ولا سيما في المناطق الكردية مثل كرمانشاه. ويشير هذا الانتقال إلى أن النظام بات ينظر إلى الاحتجاجات لا بوصفها اضطرابات مدنية، ل باعتبارها تمرداً داخلياً يتطلب استخدام قوة عسكرية غاشمة.

احتجاجات إيران: من خلف خطوط النيران 
احتجاجات إيران: من خلف خطوط النيران 

لماذا تختلف هذه الموجة عن سابقاتها؟

لفهم خطورة اللحظة الراهنة، تبرز الحاجة إلى مقارنة تحليلية بين احتجاجات 2025-2026 والانتفاضات السابقة، ولا سيما احتجاجات عام 2022 المرتبطة بقضية الحجاب ومقتل مهسا أميني. فبينما كانت موجة 2022 ذات طابع اجتماعي وثقافي في جوهرها، تأتي احتجاجات 2026 بوصفها حراكاً اقتصادياً وسياسياً متكاملاً، نابعاً من عمق المعاناة اليومية للمواطن الإيراني ومن تدهور شروط العيش والاستقرار. هذا التحول في طبيعة الدوافع يعكس انتقال الاحتجاج من مستوى الاعتراض الجزئي إلى مستوى الطعن الشامل في قدرة الدولة على الاستمرار بوظيفتها الاقتصادية والسياسية.

ويتجلّى أحد أخطر أبعاد هذا التحول في كسر التحالف التاريخي بين المؤسسة الدينية وطبقة البازار، التي شكّلت تقليدياً ركيزة أساسية في شرعية النظام وفي إنجاح ثورة عام 1979. فمشاركة التجار التقليديين في الإضرابات وإغلاق الأسواق  هو بحد ذاته مؤشّرٌ على تآكل الثقة بالمنظومة الاقتصادية للدولة. فعندما يعمد التاجر المحافظ إلى إقفال متجره، فإن ذلك يعكس قناعة متزايدة بأن النظام لم يعد قادراً على توفير الحد الأدنى من الاستقرار المالي الضروري لاستمرار النشاط التجاري، ما يدفع هذه الشريحة، التي طالما مالت إلى الحذر، نحو تبنّي خيار التغيير السياسي الشامل بوصفه مخرجاً وحيداً من الأزمة.

يتقاطع هذا التصدع الداخلي مع تآكل واضح في صورة القوة الأمنية والعسكرية للدولة، وهو تآكل تسارع بعد المواجهة العسكرية في يونيو 2025 مع إسرائيل. فقد دخل النظام عام 2026 وهو مثقل بإرث هزيمة خارجية نسبية، تمثّلت في تضرر منظومات دفاعية ومنشآت سيادية حساسة، الأمر الذي انعكس مباشرة على الداخل. فالصورة التي طالما سعى النظام الإيراني ترسيخها عن قوة عسكرية قادرة على الردع والحماية اهتزت في الوعي العام، ما أسهم في كسر حاجز الخوف لدى قطاعات واسعة من الشباب. هذا التراجع في الردع النفسي جعل المواجهة مع القوات الأمنية في الشارع أكثر جرأة وأقل رهبة، وحوّل الاحتجاج من فعل مكبوت إلى صدام مفتوح.

وفي موازاة ذلك، يبرز عامل لا يقل أهمية يتمثل في غياب أي صمام أمان دبلوماسي يمكن للنظام الإيراني الاتكاء عليه. ففي موجات الاحتجاج السابقة، استفادت طهران من الانقسام الدولي أو من وجود مسارات سياسية تتيح امتصاص الضغوط. أما في عام 2026، فقد وجد النظام نفسه في بيئة دولية أكثر تشدّداً، مع عودة سياسة الضغط القصوى وتراجع هوامش المناورة السياسية. هذا السياق زاد من شعور العزلة والاختناق، ودفع السلطة إلى المفاضلة بين التراجع الذي قد يُفسَّر كضعف وجودي، أو المضي في القمع الشديد تحت غطاء التعتيم الإعلامي، في محاولة أخيرة لاستعادة السيطرة ومنع انهيار منظومة الحكم.

الاقتصاد هو العامل الحاسم

لا يمكن فصل الغضب الشعبي عن الحالة الكارثية التي وصل إليها الاقتصاد الإيراني في عام 2025 ومطلع 2026. لقد فقد الريال الإيراني أكثر من نصف قيمته في عام واحد، حيث قفز سعر صرف الدولار من 820 ألف ريال في أواخر 2024 إلى أكثر من 1.46 مليون ريال في يناير 2026

العامل الاقتصادي وراء الاحتجاجات
العامل الاقتصادي وراء الاحتجاجات

تُعزى هذه الأزمة المتفاقمة إلى فشل بنيوي عميق في نمط الإدارة الاقتصادية المعتمد، حيث لم تعد موارد الدولة تُوجَّه نحو الإنتاج أو تحسين معيشة السكان، بل باتت تُستنزف في تمويل شبكات اقتصادية موازية خارجة عن أي رقابة فعلية. هذه الشبكات، التي تشكّل ما يمكن وصفه باقتصاد ظل واسع، ترتبط بهياكل عسكرية وأمنية تدير نشاطها عبر منظومة معقدة من الشركات الواجهة والقنوات المالية غير الشفافة، ما حرم الخزينة العامة من مواردها الطبيعية وعمّق اختلالات السوق، وأضعف قدرة الدولة على التدخل لضبط الأسعار أو حماية العملة الوطنية.

وفي مواجهة هذا الانهيار المتسارع، لجأت السلطة التنفيذية إلى إجراءات وُصفت بأنها محاولات إسعافية أكثر منها إصلاحات حقيقية. فقد أعلن الرئيس مسعود بزشكيان في الخامس من يناير 2026 عن حزمة سُمّيت إصلاحات اقتصادية، تضمنت إلغاء الدعم عن الواردات الأساسية واستبداله بمنح نقدية زهيدة لا تتجاوز بضعة دولارات شهرياً للفرد. غير أن هذه الخطوة لم تُقابل بأي ترحيب شعبي، بل فجّرت موجة واسعة من السخرية والغضب، إذ رأى فيها المواطنون دليلاً إضافياً على انفصال صانع القرار عن الواقع المعيشي، واعتبروها أقرب إلى صدقة رمزية لا تكفي لتأمين أبسط الاحتياجات، ولا تغطي كلفة الخبز لأيام معدودة.

الأخطر من ذلك أن هذه السياسات عكست اعترافاً غير مباشر بعجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية. فالعجز عن حماية العملة الوطنية، وضمان الحد الأدنى من الأمن الغذائي، والسيطرة على الأسواق، يشير إلى تفكّك العلاقة التعاقدية التي طالما ربطت المواطن بالدولة، حتى في ظل أنظمة سلطوية، في ظلّ عجز الدولة عن توفير الخدمات كما سبق. 

البيئة الاستراتيجية المنهكة – تداعيات حرب يونيو 2025

يُعدّ الصراع العسكري الذي دار في يونيو 2025 بين إيران وإسرائيل، بمشاركة أمريكية غير مباشرة في بعض المراحل، المتغير التفسيري الأهم لحالة الضعف التي يبديها النظام حالياً. فقد كانت تلك الحرب المرة الأولى التي تتعرض فيها الأراضي الإيرانية لضربات جوية وصاروخية مكثفة استهدفت ما يمكن وصفه بعصب النظام.

نتائج حرب يونيو 2025 الاستراتيجية:

  1. تدمير البنية التحتية الدفاعية: فقدت إيران جزءً كبيراً من راداراتها المتطورة وبطاريات الصواريخ من طرازات مختلفة، بما فيها منظومات مستوردة وأخرى محلية، ما جعل سماءها أكثر انكشافاً أمام أي هجوم مستقبلي.
  2. استهداف البرنامج النووي: شُنت ضربات دقيقة على منشآت نووية حساسة في فوردو ونطنز وأصفهان، الأمر الذي أعاد البرنامج النووي سنوات إلى الوراء وأفقد النظام إحدى أهم أوراقه التفاوضية على المستوى الدولي.
  3. انهيار مفهوم الردع المتبادل: في حين كانت طهران تروّج لقدرتها على إحداث دمار واسع في العمق الإسرائيلي، أظهرت المواجهة اتساع الفجوة التكنولوجية، وعجز الصواريخ ومنظومات الدفاع الإيرانية، رغم كثرتها، عن منع استهداف مواقع سيادية داخل البلاد.

أدّت هذه الهزيمة العسكرية، التي حاول النظام تسويقها داخلياً بوصفها صموداً، إلى شرخ واضح داخل مؤسسات صنع القرار. فقد ظهرت مؤشرات على خلل في التنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة خلال الحرب، كما تعرضت سلسلة القيادة لاضطرابات حادة نتيجة اغتيال قادة كبار من الحرس الثوري في الأيام الأولى للمواجهة. هذا الفشل العسكري قوض صورة القوة الإقليمية التي سعى النظام إلى ترسيخها في الوعي العام، وأسهم في تعزيز شعور الداخل بضعف السلطة ودفعه نحو الانتفاض.

من يمسك بزمام الشارع؟

تتميز احتجاجات عام 2026 بظهور تحالف غير معلن بين قوى اجتماعية متعددة المشارب، وهو ما يمنحها زخماً غير مسبوق ويجعل احتواءها أكثر تعقيداً مقارنة بالتحركات الفئوية التي شهدتها البلاد في مراحل سابقة. فالحراك لم يعد محصوراً في شريحة اجتماعية أو جغرافية بعينها، بل بات يجمع بين طلاب الجامعات والشباب من جهة، والعمال والقطاعات النقابية من جهة ثانية، إضافة إلى امتداده نحو المعارضة في الخارج وتفاعله مع مطالب الأقليات القومية في الداخل.

في قلب هذا المشهد، يبرز جيل جديد من الطلاب والشباب، ولا سيما في جامعات كبرى في طهران، بوصفهم القوة المحرّكة للحراك الميداني. هذا الجيل تجاوز سقف المطالب الإصلاحية المحدودة، وذهب نحو رفع شعارات تطعن في شرعية نظام الجمهورية الإسلامية نفسه، معبّراً عن قطيعة نفسية وسياسية عميقة مع مؤسساته وأدواته القمعية. كما يتميّز هؤلاء الشباب بقدرتهم العالية على توظيف التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة لتجاوز القيود المفروضة على الإنترنت، ما سمح بنقل صور الاحتجاجات وشهادات المشاركين إلى الخارج، وكسر العزلة الإعلامية التي حاولت السلطات فرضها.

ويتقاطع هذا الزخم الشبابي مع عودة واضحة للحراك العمالي والنقابي، في تطور نوعي يدمج بين المطالب المعيشية المباشرة والاحتجاج السياسي العام. فالتنسيق الذي بدأ يتبلور بين قطاعات العمال، ولا سيما في مجالات حيوية كالصناعة والطاقة، يعكس إدراكاً متزايداً بأن الأزمة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن بنية النظام السياسي نفسه. ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة مع التلويح بالإضرابات في قطاعات استراتيجية تشكل العمود الفقري لميزانية الدولة، ما يرفع من كلفة المواجهة على السلطة ويهدد قدرتها على الاستمرار في إدارة الاقتصاد.

وفي موازاة الداخل، لعبت المعارضة في الخارج دوراً رمزياً متزايد التأثير، حيث برزت شخصيات سياسية تاريخية بوصفها نقاط تجمّع معنوية لقطاعات من المحتجين. وقد انعكس ذلك في الشعارات والرموز التي رُفعت خلال التظاهرات، والتي استحضرت مرحلة ما قبل عام 1979، في تعبير عن بحث شريحة من الشارع عن بدائل رمزية للنظام القائم، حتى وإن بقي هذا الدور في إطار معنوي أكثر منه تنظيمياً مباشراً.

أما على الأطراف، فقد واصلت المناطق ذات الغالبية القومية أو المذهبية المختلفة، مثل كردستان وبلوشستان، لعب دور محوري في توسيع رقعة الاحتجاج. ففي هذه المناطق، ترافقت التظاهرات مع أشكال متقدمة من العصيان المدني والإضرابات العامة، مستفيدة من شبكات تنظيم محلية وخبرات سابقة في مواجهة السلطة. ورغم محاولات النظام إعادة فرض السيطرة عبر سياسات أمنية قاسية واستهداف شخصيات محلية لضمان الولاء، فإن الاحتجاجات استمرت، مؤكّدة أن الأزمة تجاوزت حدود المركز، وأصبحت تعبيراً شاملاً عن اختلال العلاقة بين الدولة ومجتمع متعدد الهويات والمطالب.

مآلات الزلزال الإيراني على الإقليم

إن ضعف إيران أو سقوط نظامها يحملان تداعيات عميقة من شأنها إعادة تشكيل الشرق الأوسط بصورة جذرية. فهذه التحولات لا تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية، بل تمتد مباشرة إلى ساحات النفوذ الإقليمي التي شكّلت طوال عقود مجالاً حيوياً للسياسة الإيرانية، وفي مقدمتها الساحة السورية، إضافة إلى شبكة التحالفات الإقليمية، ثم إلى طبيعة التعاطي الدولي مع طهران.

في هذا السياق، مثّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 ضربة استراتيجية قاصمة للمشروع الإيراني في المشرق. فقد شرعت الإدارة السورية الجديدة، منذ عام 2025، في انتهاج سياسة واضحة تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني وتفكيك البنى العسكرية والأمنية المرتبطة بطهران، ولا سيما في ريف دمشق والجنوب السوري. وترافق ذلك مع توجّه سياسي وقانوني يطالب إيران بتعويضات مالية ضخمة عن الدور الذي لعبته خلال سنوات الحرب وما ترتّب عليه من دمار واسع لمؤسسات الدولة والبنية التحتية. هذا المسار عكس تحوّلاً نوعياً في العلاقة بين الطرفين، إذ فقدت إيران فعلياً ما كان يُعرف بالجسر البري الذي استثمرت فيه مليارات الدولارات، وبات تدخلها السابق عبئاً سياسياً واقتصادياً يُطالب بثمنه بدل أن يُكافأ عليه.

وبالتوازي مع هذا التراجع في الساحة السورية، أدّى انشغال طهران بأزمتها الداخلية إلى إضعاف قدرتها على إدارة شبكة الحلفاء الإقليميين التي عُرفت بمحور المقاومة. فقد تقلّص الدعم المالي واللوجستي المقدم لحزب الله والحوثيين وبعض الفصائل المسلحة في العراق، في وقت تواجه فيه هذه القوى ضغوطاً داخلية وإقليمية متزايدة تدفع باتجاه نزع سلاحها أو دمجها في أطر عسكرية وطنية. ويشير هذا المسار إلى أن استمرار ضعف النظام الإيراني، أو سقوطه، قد يعني عملياً نهاية نموذج الوكلاء بصيغته التقليدية، مع ما يحمله ذلك من احتمالين متناقضين: إما انفراج نسبي في بعض ساحات النزاع، أو نشوء فراغات أمنية قد تسعى قوى إقليمية ودولية أخرى إلى ملئها.

أما على المستوى الدولي، فتجد إيران نفسها في مواجهة بيئة أكثر تشدداً، مع إدارة أمريكية لا تكتفي بأدوات الضغط الاقتصادي، بل تلوّح صراحة بإمكانية التدخل المباشر. فالتصريحات الأمريكية في مطلع عام 2026، التي تحدثت عن الاستعداد للتحرك لحماية المحتجين، وضعت النظام الإيراني أمام معادلة شديدة القسوة: إما المضي في القمع وتحمّل خطر التصعيد الخارجي، أو التراجع وفتح الباب أمام اهتزاز السلطة من الداخل. وفي كلتا الحالتين، يتضح أن هامش المناورة الذي تمتّعت به طهران في مراحل سابقة بات أضيق من أي وقت مضى، وأن مستقبل النظام أصبح مرتبطاً ليس فقط بقدرته على ضبط الداخل، بل أيضاً بكيفية تعاطي القوى الدولية مع لحظة ضعفه التاريخية.

هل سقوط النظام الشيعي ممكن فعلاً؟ قراءة في احتمالات التغيير

لم يعد مستقبل النظام الإيراني قابلاً للقراءة من خلال مقاربات الاستقرار التقليدية، بل بات يخضع لتحليل سيناريوهات متعددة في ضوء التداخل غير المسبوق بين الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية. وتشير قراءات مطلع عام 2026 إلى أن الجمهورية الإسلامية تمرّ بمرحلة ضعف هي الأعمق منذ تأسيسها، ما يفتح المجال أمام ثلاثة مسارات رئيسية محتملة لمآلات النظام.

  1. سيناريو الانهيار التكتوني (الثورة الشاملة): يفترض هذا السيناريو عجز النظام عن كسر الإضرابات، وحدوث انشقاقات واسعة داخل القوات الأمنية، ولا سيما الجيش وقوات إنفاذ القانون، التي بدأت بالفعل تظهر بوادرها مع اعتقال ضباط رفضوا إطلاق النار. في هذه الحالة، قد نشهد لحظة شبيهة بعام 1979 ولكن بصورة معكوسة، حيث تنهار القيادة المركزية ويتم الإعلان عن حكومة انتقالية.
  2. سيناريو التحول العسكري (الانقلاب من الداخل): مع تدهور صحة المرشد علي خامنئي وغيابه المتكرّر عن المشهد، قد يتحرك الجناح العسكري في الحرس الثوري لإقصاء رجال الدين وتأسيس نظام عسكري صريح، تحت ذريعة إنقاذ الدولة من الفوضى. سيكون هذا النظام أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية، أو أكثر قمعية بطابع عسكري مباشر.
  3. سيناريو البقاء المشلول (التحول إلى دولة فاشلة): قد ينجح النظام في إخماد الاحتجاجات باستخدام القوة المفرطة، لكنه سيخرج من المواجهة منبوذاً دولياً وفاقداً لأي شرعية داخلية، مع اقتصاد منهار بالكامل. في هذا السيناريو، يستمر النظام شكلياً لكنه يفقد السيطرة الفعلية على أطراف البلاد، وتتحول إيران إلى ساحة صراع دائم.

ولتقييم مدى ترجيح كل من هذه السيناريوهات، لا بد من تفكيك معادلة الصراع الحالية بين عوامل القوة التي ما تزال بيد النظام، وعوامل الضعف البنيوية التي تنخر قدرته على الاستمرار. فمآلات المشهد الإيراني لا تُحسم عبر عامل واحد، بل عبر توازن ديناميكي بين أدوات الضبط والسيطرة من جهة، ومصادر التآكل والإنهاك من جهة أخرى. ويبيّن الجدول التالي أبرز هذه العوامل كما تتقاطع في لحظة مطلع عام 2026، بوصفها محددات مباشرة لمدى انزلاق النظام نحو أحد السيناريوهات الثلاثة السابقة، أو قدرته على تفاديها مؤقتاً.

النظام الإيراني: أوراق القوة وخواصر الضعف
النظام الإيراني: أوراق القوة وخواصر الضعف

لحظة التاريخ وحدود الاستمرار

إيران، كما سبق، تواجه اليوم تراكماً من الانكسارات البنيوية المتزامنة التي أصابت أسس النظام السياسية والاقتصادية والأمنية والإقليمية في آنٍ واحد. فالتقاء الانهيار النقدي مع تآكل الشرعية الأيديولوجية، واهتزاز أدوات القمع، وتراجع النفوذ الإقليمي، وانسداد الأفق الدبلوماسي، أعاد طرح سؤال بقاء النظام بوصفه سؤالاً بنيوياً يتعلق بقدرة الدولة نفسها على الاستمرار بوظيفتها الأساسية.

وتكشف المقارنة بين هذه اللحظة التاريخية ومراحل سابقة من عمر الجمهورية الإسلامية أن النظام يواجه اليوم خصماً مختلفاً. مجتمعاً أقل خوفاً، وأكثر اتصالاً، وأشد انفصالاً عن السردية الثورية التي شكّلت عماد الشرعية منذ 1979. وفي المقابل، تبدو أدوات النظام، رغم عنفها، عاجزة عن إنتاج تسوية مستدامة أو إعادة ترميم العقد الاجتماعي المتآكل، ما يجعل القمع خياراً مؤقتاً يحمل في طياته كلفة داخلية وخارجية متصاعدة.

لا يعني ذلك أن سقوط النظام بات حتمياً أو وشيكاً، بقدر ما يعني أن إيران دخلت مرحلة “هشاشة استراتيجية ممتدة”، حيث يصبح الاستمرار ذاته فعلاً مكلفاً ومعلّقاً على توازنات دقيقة وقابلة للاختلال في أي لحظة. فالسيناريوهات المطروحة، من الانهيار الشامل إلى التحول العسكري أو البقاء المشلول، ليست مسارات منفصلة بقدر ما هي احتمالات مفتوحة تتنافس داخل بنية نظام يواجه أخطر اختبار منذ تأسيسه.

في هذا السياق، تبدو إيران عالقة بين مطرقة الداخل الذي لم يعد يقبل بالعودة إلى ما قبل الأزمة، وسندان الخارج الذي يضيّق هامش المناورة ويُحوّل الضعف إلى عامل ضغط إضافي. وعليه، فإن السؤال المركزي لم يعد فقط إن كان “كسر العظم” قد بدأ فعلاً، بل ما إذا كان النظام قادراً على الخروج من هذه المواجهة من دون أن تتغير طبيعته أو تتفكّك بنيته، وهي معادلة تشير كل المؤشرات إلى أنها باتت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.