أنفاق قسد: مدن تحت المدن

آخر تحديث: 17 ديسمبر، 2025

الوقت اللازم للقراءة:

5 mins

ما لا تراه الكاميرات في الجزيرة السوريّة أخطر مما دار فوق الأرض طوال سنوات الحرب؛ فمع السجال الحاصل بين الحكومة السورية وبين ميليشيا قسد، تطفو على السطح قضية الأنفاق العسكرية التي حفرتها قسد في مناطق الجزيرة السورية وفي حلب، لتكون إحدى أعقد الملفات التي كثر حولها الجدل السياسي. 

كانت الأنفاق الجواب الذي اتكأت عليه وحدات حماية الشعب الڪردية «YPG»، المنبثقة من حزب العمال الكردستاني «PKK»، وقت ظهورها العلني عام 2014 في بيئة معادية لها من جهتين: الجيش التركي وفصائل الثورة السورية.

كانت تجربة الأنفاق هذه مستمدة من ذات الأسلوب الذي يتخذه حزب العمال في معاقله بجبال قنديل. كطريقة دفاعية تحميه من الضربات الجوية التركية، وتتيح لمقاتليه التنقّل بحرية ضمن حيز جغرافي محدد. تأسيس قسد كان انتقالاً نوعياً في كلّ ذلك، إذ أن المجموعة قامت على قيادة كردية وكوادر حزب العمال، ضمن بنية شبيهة ببنية YPG، واستطاعت أن تستميل دعم التحالف الدولي، وهو ما مكّنها من السيطرة على مساحات شاسعة من سوريا شملت غالبية الجزيرة السورية ومناطق من محافظة حلب، حيث واصلت حفر الأنفاق فيها.

أخذت سياسة حفر الأنفاق منحنىً أكثر حدةً حتى بعد التحرير، فمع تبلور صورة الدولة الجديدة، وبقاء قسد العثرة الأخيرة أمام الحكومة الجديدة لبسط سيطرتها على كامل الجغرافية السورية، عمدت قسد، مرةً أخرى وهي تشعر باقتراب الخطر التركي من ناحية وتمدّد الثوار من ناحية أخرى، إلى التصعيد في حفر الأنفاق بعد التحرير مباشرة. فوصلت شبكات أنفاق قسد لمدينة الرقة وأجزاء من جنوب الحسكة كجبل عبد العزيز ولشمال دير الزور كذلك. 

الأنفاق تفتّت الجغرافيا والإنسان

تمكّنت قسد خلال أقل من عام من إنشاء مدينة تحت الأرض في مدينة الرقة مشابهةً لما عليه الحال في الحسكة. وفي هذه المرحلة الثانية، سخّرت قسد تمويلاً ضخماً لهذا المشروع تجاوز ملايين الدولارات المستمدة من إيرادات النفط والغاز والدعم الخارجي، لتتحوّل هذه الأنفاق إلى شبكة لوجستية إقليمية تربط مساحات كبيرة من مناطق سيطرتها، وصولاً إلى الحدود العراقية والتركية، وتتنوّع هذه الأنفاق بين ممرات للأفراد وأخرى واسعة للمركبات وملاجئ قيادة متطورة مزودة بأنظمة تهوية وإنترنت وشاشات مراقبة، إلا أن هذا التوسّع العسكري ألقى بظلال كارثية على الواقع الاجتماعي والبيئي، إذ اعتمدت عمليات الحفر على «نظام السخرة» وذلك عبر استغلال العمال المدنيين والفقراء وغالبيتهم من المكون العربي، على نقيض ما كان عليه الحال خلال الفترة بين 2014- 2019، التي كانت تستعين فيها بمتعهّدين أكراد غير سوريين، غالبيتهم أتراك من كوادر حزب العمال الكردستاني «PKK»، وكذلك عمال الحفر كانوا حصراً من الموالين للجماعة. 

لاحقاً وبعد خسارة قسد لمناطق هامة مثل رأس العين وتل أبيض خلال عملية نبع السلام التي شنها الجيش التركي وفصائل «الجيش الوطني». وسعت قسد مشروعها ليشمل كامل محافظة الحسڪة، وباتت تعتمد على متعهدين من أكراد سوريا الموالين لها، وبدأ هؤلاء باستخدام ورشات حفر قوامها السكان العرب، وذلك بأجور زهيدة وسط ظروف عمل تفتقر لأدنى معايير السلامة مما أدّى لوقوع ضحايا بانهيارات أرضية وانفجار ألغام. ولم تكترث قسد حتى بأرواح هؤلاء العمال الذين فقد العشرات منهم لحياته تحت الردم، ولم تعوض ذويهم بأي شيء.  كان آخر ما سُجّل من هذه الحوادث يوم 8 تشرين الثاني الماضي حيث أُصِيبَ عدد من عمال الحفر جراء انهيار نفق عسكري تابع لقسد شمال سكة القطار في مدينة الرقة أثناء عمليات الحفر. 

وسبق ذلك في أيلول الماضي وفاة عاملين بانهيار نفق لقسد في ريف الحسكة بقرية مجرجع شمال غربي الحسڪة، وقبل ذلك في آب لقي عاملان بالحفر حتفهما واصيب ثالث في شهر آب من العام الجاري، وذلك إثر انهيار نفق كانت تقوم قسد بحفره في منطقة جبل عبد العزيز قرب قرية مغلوجة بريف الحسڪة. استمرت عمليات البحث وقتها العمال لثلاثة أيام، ولم تتدخل فيها قسد. 

بالإضافة إلى الكلفة البشرية غير المقبولة لحفر الأنفاق، ولامبالاة قسد الصارخة بحياة الناس، تسبّبت هذه الأنفاق بتصدّعات خطيرة في الأبنية السكنية وتلوث المياه الجوفية نتيجة تداخل الأنفاق مع شبكات الصرف الصحي. حيث شهدت مدينة الرقة والحسكة خلال العام الجاري 2025 حدوث أكثر من 30 حالة انهيار أرضي موثّقة في أحياء مكتظة. أنفاق قسد هذه لم تقتصر على الأحياء السكنية فقط، بل وصلت بعض فتحاتها لداخل منشآت حيوية، مثل مشفى الأطفال في الرقة، وبعض الحدائق، وفي الحسڪة يتشابه الحال أيضاً.

في تموز الماضي وجّه ناشطون وحقوقيون مناشدات عاجلة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع والمجتمع الدولي والمنظمات الدولية للتدخل فوراً لوقف أنشطة قسد بحفر الأنفاق في مدينة الطبقة غربي الرقة، حيث تقع المنطقة ضمن حوض رسوبي يتميز بتربة رخوة وهشة، ما يجعلها بيئة ذات قابلية شديدة للانهيار. وأبدوا تخوفهم من حصول انهيارات أرضية مفاجئة وتصدعات في المباني، إضافة إلى احتمال تعرض شبكات البنى التحتية إلى أضرار جسيمة، كما يتحدثون عن أن استمرار هذه العمليات يهدد استقرار سد الفرات القريب من المدينة، ما ينذر بكارثة بيئية وإنسانية. 

وبحسب مصادر وتد تراقب استخبارات قسد جميع المتعهّدين العاملين عندها، وتفرض شروطاً واجراءات أمنية مشددة حول عمليات الحفر، ويتعرّض الكثير منهم للاستجواب والملاحقة في حال تسّربت صور أو معلومات عن نفق ما. في شهر آب الماضي عُثر على جثتين لشخصين هما “لوند حاج موسى وعادل أميناكي” مرميتين في مكب للنفايات على أطراف مدينة الحسكة، بعد يوم من اختفائهما أثناء توجههما من ريف الدرباسية إلى المدينة. وهما من أكبر متعهدي حفر الأنفاق العاملين مع قسد، ووجهت أصابع الاتهام حول مقتلهما لقسد. 

ورغم الاتفاق المبرم في 10 آذار 2025 مع الحكومة السورية لدمج قسد في مؤسسات الدولة، يعكس استمرار عمليات الحفر في مناطق بعيدة عن خطوط التماس كالأحياء السكنية في الرقة والحسكة تمسّك قسد باستراتيجية التحصين الدفاعي المزدوج وتوجّسها من أي صدام مستقبلي، مما يجعل من هذه الأنفاق محوراً رئيسياً يهدد وحدة الأراضي السورية واستقرارها الاجتماعي في ظل إصرار الحكومة السورية على استعادة السيادة الكاملة ورفض التنازل عن أي جزء من ترابها الوطني.