منافي المثقفين: لماذا يَخذلُ المثقفون العرب واقعهم!

آخر تحديث: 16 ديسمبر، 2025

الوقت اللازم للقراءة:

8 mins

عن التخمة الثقافية والانسحاب من الواقع والتنكر لمسؤولية الفكر

في منتصف عام 2023م وجدت نفسي في القلب من مجتمع ثقافي نابض. كتب جديدة، وإصدارات مختلفة، وندوات متنوعة، وصداقات تبدأ من وقائع التواصل الاجتماعية وتمتد إلى أرض الواقع. كان دخولي إلى هذا العالم غريباً، فقد أدخلني إليه كتابي الأول الذي جاءتني فكرته وأنا أقف في مطبخ بيتي أعد كوباً من الشاي، والذي كان عنوانه (تاريخ في خزانة المطبخ). 

ومن المطبخ دخلت إلى قلب ذلك المجتمع في صيف عام 2022م. كنت أتقدّم في هذا المجتمع بسرعة، وكنت سعيداً لأنني تواجدت -أخيرًا- في مجتمع يقدّر قيمة الكلمة ويعرف معنى الحياة بعيدًا عن اختزالها في المال والمتع الحسية والشهرة والسعي المحموم وراء تلك الأشياء.

مجتمع متصل من المغرب العربي إلى الخليج العربي مرورًا بمصر. تبدو الصورة وكأن انتعاشة ثقافية في طريقها لتأسيس هذا المجتمع ونمائه. وقد جاءت تلك الانتعاشة -برأيي- بعد التواجد الكثيف للقراء والكتاب والمثقفين ودور النشر وباعة الكتب ونوادي القراءة على وسائل التواصل الاجتماعي وظهور عدد من المشروعات الثقافية المدعومة من رؤى تنمية في أكثر من بلد وتنامي عدد الجوائز الأدبية والثقافية ونمو وتنوع منصات النشر. لكن ما حدث بعد قليل من تقدمي داخل هذا المجتمع كان مُروعًا!

بداية الحكاية … هزيمة وهروب!

بعد خريف عربي مرير كانت حقبة ما قبل الثورات، ثم أعقبها ربيعاً لكنه تبخر سريعاً، ثم جاء شتاء قاسِ من الخوف واللايقين ومرارة الهزيمة الثقيلة بداية من 2014م، وهو العام الذي استفحلت فيه الأزمة العربية وفي قلبها حالة الشباب الذي حلم بالتغيير والحرية، ثم أسلمت الهزيمة الثقيلة أكثرنا للهروب بدرجات متفاوتة وفي دروب شتى.

وكنت أنا من الذي هربوا وإن تشبّثوا بما نشأوا عليه من معانٍ وآمال، اخترت الأدب لأهرب في دروبه، وبعدما كان اهتمامي منصباً على الكتب الفكرية والتاريخية خاصة تلك التي تتناول ظروف تشكّل بلداننا العربية الحديثة وفق خطط وبنى الاستعمار، أقبلت أقرأ الشعر والروايات، لعلَّ ذلك كان منبثقاً من رغبة عميقة في الغياب عن قسوة المشهد الذي نتجرّعه في واقعنا الجديد الذي بات أسوأ من ذلك الذي انتفضنا ضده.

لكني لم أبتعد كثيراً فقد أوقعتني قراءاتي الأدبية في طريق تجارب تشبه ذات ما نمر به، قرأت ليلة لشبونة لماريا ريمارك وبيت الأرواح لإيزابيل الليندي ومدن الملح لعبد الرحمن منيف والسيد الرئيس لآستورياس وغيرها من الروايات التي نقلت من الفواجع ما يشبه ما عشناه، وعلى الرغم أنه قد يبدو أنني سيء الحظ إذ وقعت فيما أود الهروب منه، إلا أنني اكتشفت في تلك التجربة قدرة الأدب على منح التعافي من خلال حكي الفواجع المماثلة لما يعيشه المرء، كنوع من توسيع المشاركة مما يجلب المواساة، وأيضاً وضع التجبّر في سياقه التاريخي التدافعي وإخراجنا من الظن بأنه مقيم وأبدي.

عشّ المثقفين!

ساقني الأدب للاهتمام بالنقد الأدبي، الذي وسع بدوره نظري ناحية الخطابات والظواهر الثقافية المنتشرة في الفضاء العام من المحيط إلى الخليج، شيئاً فشيئاً ولإيماني بالمجموع وأثره، اقتربت من مجتمع المثقفين، الكتاب والشعراء والنقاد والقراء، تمدّدت علاقاتي بهذا العالم الذي يُعرف بـ “الوسط الثقافي”.

أناس رائعون، وفي الظاهر يهتمون بأشياء لا تتصل بما يهتم به العامة المصابون بحمى الاستهلاك، فهم يحدّثونك عن الأدب والشعر والتاريخ والأخلاق والمأساة، تتشارك معهم في حمى الأفكار.

ومع انخراطي في متابعة الشأن الثقافي والتفاعل مع عموم المثقفين بدأت أتوسّع في الاهتمامات المعرفية، وسهوت قليلاً عن القضايا التي آمنت بها ونذرت جهدي وعمري لها، أعترف أني في لحظة ما ضعفت أمام الفرص والوعود التي بدت لي في أفق الأوساط الثقافية، ما جعلني انخرط بقوة في أنشطة وماجريات تلك الأوساط، وبعد قليل من التواجد في تلك الدائرة، أصابتني الصدمة، ينقشع الضباب الجميل، وأرى الصورة على حقيقتها، شيئاً فشيئاً بت أرى حقيقة هؤلاء المثقفين، وأنفر منهم. لقد رأيت أناسًا لا يحملون أي هم حقيقي.

ثم جاء طوفان الأقصى ليثبت ذلك الظن، وينتشلني مما كنت على وشك السقوط فيه، لقد رأيتهم بعد الطوفان وفي خضم نازلة كبرى وحرب إبادة إجرامية لا تهدأ لا يكترثون ويواصلون في تهافتهم وسعيهم لتحقيق مصالحهم والوصول إلى أغراضهم، صور تسعى للشهرة والمجد أو ربما لتعويض النقص أو نيل الحظ، عقول مترفة تتداول المعرفة والأفكار كلعبة مسلّية، ونفوس مصابة بالتخمة لا سبيل لديها لمراجعة مواقفها وتصحيح بوصلتها.

كم هي مزيفّة هذه الثقافة، وكم كنت أضلُّ عن ذاتي والقيم التي آمنت بها كل يوم، فقد بدا لي أفراد تلك الأوساط الثقافية في صورتهم الجلية بعدما تقشّرت طبقة الثقافة المزيفة عن وجوههم ديكة متصارعين في حلبة على نيل رضا مستبد أو الفوز بصورة بطولة وهمية. 

بطولة من ورق

لقد تعاهد المثقفون على الظهور بمظهر البطولة الفكرية والوعي الجاد الذي يريد تحرير الإنسان، وعند الجد نجد كل ذلك قد تبخر، وبقت المصلحة الشخصية الحاكم للمواقف المختلفة. بعد صولات وجولات لـ”مفكر إسلامي” في التاريخ الإسلامي وصل فيها لمهاجمة عدد كبير من شخصياته وعلى رأسها الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بحجة مواجهة الاستبداد وتفكيك بناه في عقل الأمة، وجدنا ذات الشخص ينحاز كلياً وبلا أدنى خجل لأشد الأنظمة إجراماً وعمالة ويتحول إلى بوق يردّد دعايتها، بينما وجدنا تنظيرات لا تنتهي من مثقّفي اليسار واليمين حول قضايا اجتماعية صنع الغرب أولويتها على حساب قضايا حقيقية أشد إلحاحاً، لتظهر ذات التنظيرات الفارغة مرة أخرى ضد حركة تحرّر الشعب السوري من أسوأ أنظمة الاستبداد والإجرام، فينما كانت تتكشف فظائع صيدنايا كانت تلك النخبة تحدّثنا عن خوفها على سوريا وعن مصير الدولة القومية والسينما والبكيني فيها!

القضايا الآمنة المريحة

ينحى مثقفونا ناحية القضايا الآمنة المريحة أو المربحة، يتشمّمون مصادر التمويل، ورضا الحكام والمسؤولين، واتجاهات المؤسسات ومراكز الأبحاث، وعلاقات المصالح في الفضاء العام والإعلام، ثم يضعون خططهم وموضوعاتهم، ويروجون لأنفسهم، جراح الأمة تنزف، وتحولات كبرى تظهر، ومثقّفونا مصرون على نبش أي قضية بعيدة عن واجبات الوقت، المرأة في العصور الوسطى، المرأة عند الإسلاميين، الخلافات بين السلفية والأشاعرة، الصراعات الفقهية، هل مقدّمة ابن خلدون من فكره أم من عند غيره، النقد الثقافي والبيئي، تجربة الإسلاميين في الحكم “التي أُجْهِضَت من قبل أن تبدأ” بالطبع لا نريد أن تختفي مثل تلك الموضوعات من دائرة الاهتمام البحثي، لكن أين بقية الموضوعات من دائرة اهتمام مثقفينا؟

أين أس الداء ومركز العطب: الاستبداد الذي عطّل طاقات الأمة وأهدر إمكاناتها وسلمها إلى عدوها، أين التبعية ومخلفاتها، أين التخلف الاجتماعي والهدر العام؟

الانتفاخ الثقافي

نوع آخر من المثقفين ينتشر في الخليج العربي، تشعر وكأنه لا يعيش معنا في تلك المنطق، وليس فقط أنه لا ينتمي إلى قضايانا شعورياً وفكرياً. فحتى لو لم يكن ينتمي إلى فكرنا ديننا، فمن المؤكّد أن حال المنطقة التي نعيش فيها ستلفت انتباهه على أقل تقدير، وسيدفعه ذلك للاشتباك معها، لكن هذا المثقّف يعيش في فقاعة يلاحق فيها كتابات ديستوفيسكي وتولستوي وموباسان وفولتير وكانط وبعض الكتاب العرب، من أجل استعراض ثقافي يذهل الآخرين ويبهرهم، يتحدث دومًا عن دهشة الكتب ومتعتها وأهميتها وعالمها العجيب، دون أن يدلنّا أي شيء فيه عن أثر تلك الكتب!

هل من المعقول أن صاحبنا لم يستفد شيئاً مما قرأه؟ أم أن هذه الكتب لم تصوّر المآسى الإنسانية والمعضلات الاجتماعية التي نقع فيما يشبهها الآن؟ أم أننا نحن بني جلدته لسنا بشراً نستحق أن ينظر إلينا بالعين التي نظر بها في أبطال وشخوص وحيوات تلك الكتب؟

إنقاذ المثقف 

تبدو لي عملية إنقاذ المثقف من الاستلاب والسقوط في فخاخ التخمة والاحتراق والتدجين هدف في غاية الصعوبة والتمنّع، حتى لو اجتهدنا في إعادة تعريف المثقّف كل مرة من أجل إعادة وصله بقضايا الواقع والناس وقضية الإنسان ووجوده، لأن الأمر في وجهة نظري لا يعتمد على تحريف المفاهيم الذي يطرأ كل حين على الأشياء والممارسات، بل يعتمد على تهافت المعنى الذي يحمله المثقف بين جنبيه، وانفصاله عن قضية الوجود، وبوضوح تام فإنني أرى أن إنقاذ المثقف يحتاج إلى ربط ثقافته برؤية وجودية عميقة تستند إلى جذور راسخة تحول دون التساهل مع سيولة القيم وخضوعها لمنطق التغيير والمصلحة، وتعصم هذا المثقف الذي لا بد أنه مشتبك مع الواقع ومع متغيّراته من التماهي معه والتطبيع مع فساده، وليس هناك أقوى من الإيمان بالله ليفعل ذلك.

إن انطلاقنا من الإيمان بالله والتسليم لمراده، وتمثل وجودنا كحكمة إلهية ورسالة مطلوب منا تأديتها، ثم عودتنا إلى الوحي الشريف لننهل منه سبل السير السليم والوصول القويم، يؤسس لنفوس قوية لا يهزمها الواقع مهما تفاعلت معه، ولا تتحول معها الثقافة إلى لعبة بلا بوصلة، ولا تفقد المبادئ في تجربتها صلابتها ورسوخها.

إن المثقف وفق هذا المنظور مؤتمن على ما يعرفه وما سيعرفه، ومؤتمن على الواقع الذي يتفاعل معه، ومؤتمن على مجتمعه الذي ينتظر منه أن يمده بأدوات الفهم والوعي والبصيرة.

إنه هنا يربط بين التفريط أو السكوت أو الهروب إلى قضايا فرعية من واجبات الوقت وبين الخيانة، والخيانة هنا مرتبطة بإهدار وجوده وخروجه من المراد الإلهي.

وبذلك وعبر تمثّله لتلك الصورة يعصم نفسه من السقوط في مسارات الثقافة المزيفة، والتحول إلى دمية متخمة بالمعلومات والكلام. يقول الإمام أبو حامد الغزالي “رحمه الله” في هذا المعنى:

ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي – وأحسنها التدريس والتعليم – فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة.
ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال. فلم أزل أتفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوماً، وأحل العزم يوماً، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جلد الشهوة حملة فيفترها عشية، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل!.

أبو حامد الغزالي- المنقذ من الضلال، دار المنهاج، بيروت، الطبعة الأولى 2015، ص: 100، 101.