لهيب على خط ديورند

الوقت اللازم للقراءة:
3 minsتجاوزت أصوات الانفجارات، في أواخر شباط 2026، الممرات الجبلية الوعرة لتضرب سماء العاصمة الأفغانية كابل ومدناً استراتيجية كقندهار وننغرهار، وتحول التوتر الحدودي المعتاد إلى تصعيد عسكري شامل كسر القواعد التقليدية للاشتباك؛ إذ أطلقت إسلام آباد عملية عسكرية واسعة حملت اسم “غضب للحق”، مترافقة مع إعلان وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، الدخول في “حرب مفتوحة” ضد حكومة طالبان.
ميدانياً، استهدفت الغارات الباكستانية مقرات عسكرية حكوميّة أفغانيّة، في تحول نوعي عن العمليات السابقة التي كانت تقتصر على مخابئ المسلحين التابعين لطالبان باكستان (TTP). وجاء الرد الأفغاني سريعاً باستخدام الطائرات المسيرة لضرب أهداف عسكرية في العمق الباكستاني، وترافق ذلك مع إغلاق المعابر الحيوية وسقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح من كلا الطرفين.
يعيد هذا المشهد المشتعل ملف التصعيد بين الجارين المُسلِمَيْن إلى الواجهة، متوّجاً أسبوعاً عاصفاً من التوتر. فهذا الانفجار العسكري ينكأ جراح جولة الاشتباكات العنيفة في تشرين الأول 2025، والتي حصدت أرواح أكثر من 70 قتيلاً وخلّفت مئات المصابين من الجانبين، قبل أن تثمر وساطة قطرية وتركية اتفاقاً لوقف إطلاق النار؛ اتفاقٌ عصفت به التطورات المتسارعة لتعيد الكلمة الفصل إلى لغة المدافع.
إرث خط ديورند
تستمد هذه المواجهة الحالية وقودها من إرث تاريخي معقد يعود إلى عام 1893، حين رسم الدبلوماسي البريطاني مورتيمر ديورند خطاً حدودياً يفصل بين أفغانستان والهند البريطانية آنذاك، بهدف خلق منطقة عازلة تقي شبه القارة الهندية التمدد الروسي.

أدى هذا الترسيم إلى شطر قبائل “البشتون” ديموغرافياً وجغرافياً. وعقب تأسيس باكستان عام 1947، ورثت إسلام آباد هذا الخط، ليواجه برفض قاطع من الحكومات الأفغانية المتعاقبة التي تعده صنيعة استعمارية. وعليه، تحولت الحدود الجغرافية إلى بؤرة دائمة للتوتر، تغذي انعدام الثقة وتجعل من كل تحرك عسكري على طرفي الخط شرارة قابلة للانفجار.
مفارقة التحالف والعداء
تاريخياً، مثّلت باكستان الحاضنة الاستراتيجية لحركة طالبان الأفغانية وصولاً إلى تربعها على سدة الحكم في كابل عام 2021. فخلال الحرب الباردة، استُخدم العمقُ الباكستاني قاعدةً لتموين فصائل أفغانية تقاتل السوفييت، عبر شبكاتٍ معقّدةٍ قادتها أجهزةٌ إقليمية ودولية؛ ومع نهاية التسعينيات، كانت حركة طالبان قد صعدت من تربةٍ سَقَتها تلك الشبكات لوجستياً وسياسياً.
لكن “طالبان” اسمٌ واحدٌ لمشروعين متقابلين: طالبان أفغانستان مشروعُ سلطةٍ داخليةٍ يبحث عن تثبيت الحكم، فيما طالبان باكستان (TTP) مشروعُ داخليّ يوجّه السلاحَ إلى الدولة الباكستانية نفسها؛ تشابهٌ في اللغة والزيّ، وتناقضٌ في الهدف وخريطة القتال.
ترى باكستان في الهجمات المنطلقة من الأراضي الأفغانية تهديداً وجودياً يمس أمنها القومي، وتتهم جارتها بتوفير ملاذات آمنة للمسلحين. في المقابل، تعتبر كابل الغارات الباكستانية تعدياً صارخاً على سيادتها الوطنية. يمثل هذا التصادم الحاد بين مفهومي الأمن الباكستاني والسيادة الأفغانية المحرك الأساسي للعمليات العسكرية الراهنة، ويُفشل كل جهود الوساطة الإقليمية التي تقودها دول مثل قطر وتركيا والسعودية.
اللاعبون في الظل
تتجاوز ارتدادات هذا الصراع حدود البلدين لتطال أطرافاً إقليمية ودولية تراقب المشهد وتتأثر بتداعياته:
الهند: تجد نيودلهي في هذا الصراع فرصة استراتيجية؛ فاستنزاف الجيش الباكستاني في حرب معقدة على جبهته الغربية يخفف الضغط التاريخي عن الحدود الهندية، ويشتت قدرات الخصم التقليدي.
الصين: تنظر بكين بقلق بالغ إلى هذه التطورات، خوفاً على استقرار الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، والذي يمثل شرياناً حيوياً لاستثماراتها الاستراتيجية في المنطقة. تضع أي فوضى حدودية هذه المصالح الكبرى في دائرة الخطر المباشر.
الولايات المتحدة: تكتفي واشنطن بمراقبة تآكل قدرات الطرفين، في صراع يحقق استنزافاً متبادلاً بتكلفة صفرية للإدارة الأمريكية وتهديد بحربٍ على حدود الصين.
ولا يغيب هنا ذكر تنظيم الدولة (داعش – ولاية خراسان) إذ أنّه المستفيد الأبرز ميدانياً بانشغال حكومة طالبان بحماية حدودها وتوجيه مواردها نحو المواجهة مع باكستان، وهو ما يمنح التنظيم فراغاً أمنياً ثميناً لإعادة تنظيم صفوفه وتكثيف هجماته في الداخل الأفغاني ومحيطه.
نيرانٌ في بيتٍ من ورق
يقف البلدان اليوم على حافة التصعيد، وتقف خلف غبار المعارك حقيقةٌ أعمق من دوي المدافع؛ كلاهما يرزح تحت وطأة إنهاكٍ يمنع الانزلاق نحو حرب شاملة وممتدة. فإسلام آباد ترزح تحت أثقال أزماتٍ اقتصاديةٍ عاصفةٍ واحتقانٍ سياسيٍّ متجذر، بينما تختنق كابل في جغرافيا حبيسةٍ وتنوء بأعباء عزلةٍ دوليةٍ قاهرة.
هذا الإنهاك المشترك يحيل إعلان الحرب المفتوحة إلى مقامرةٍ باهظة، ومجرد استنزافٍ عبثي لجسدين أثخنتهما الجراح، لتغدو المعارك الراهنة تفريغاً دموياً لاحتقاناتٍ سياسيةٍ تعجز الموارد المنهكة عن إدامتها طويلاً.
أمام هذا المشهد المعقد، يبقى الترقب سيد الموقف… فهل ستفرض حقائق الجغرافيا كلمتها، وستتغلب حتمية البقاء المشترك على أصوات البنادق؟
