المغمورون بين مأساة الطبيعة وتسيسها: كيف تحول مأساة إلى تجاذب سياسي وعرقي مصطنع؟

آخر تحديث: 9 أكتوبر، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

5 mins

“الطبيعة ستتغير حتماً.. هل تعرفين أنها كانت تقتلنا بالري الزائد، لا بالعطش نفسه. الري المفرط، أعني الغرق؟ النهر الذي ترينه يسيل الآن هادئاً مسكيناً، كان يهجم كل سنة على زروعنا فيغرقها وعلى دورنا فيهدنها، وكم ابتلع من أطفالنا ورجالنا. كفّ منذ عامين عن هذا منذ ما لجمنا طغيانه بالسد الذي بنيناه على مجراه. هذا أول تغيير للطبيعة يا ندى، وتمامه حين تمتلئ البحيرة وراء هذا السد وتنبت الأشجار وتهطل الأمطار فيتلاشى الجدب والعطش. حتى الشمس تعود امرأة عاقلة، خيرة، لا تقتل ولا تحرض على القتل!”

يعبر عثمان -الشخصية المحورية في رواية “المغمورون” لعبد السلام العجيلي عن مأساة السكان على ضفاف نهر الفرات؛ أرسل عثمان آماله بأن يكون سد الفرات الذي بناه السوفييت خلاصاً من ظلم الطبيعة، معتبراً مشروع سد الفرات انتقاماً من الطبيعة والمجتمع إذ يرى نفسه برغيّاً في هذه الماكينة التي تغير الواقع. 

تخيل عثمان أن مشروع سد الفرات بدايةً لنهضة وازدهار تنموي سيطل على المنطقة، لكن خلف جدران الإسمنت الصماء تتلاطم أمواج الفرات غاضبةً تحمل مأساة ستغيّر معالم المنطقة وتقرصن أحلام عثمان التي بناها بطمي نهر الفرات، فالمغمورون ضحايا الطبيعة والتدافع السياسي، بالرغم من أن نهر الفرات ابتلع أراض وبيوت “الغمر” وأصبحت علامة على هامش ذاكرة التأريخ السياسي، لا تزال مأساة عوائل “الغمر” الذين لم تكتف المأساة بتشتيتهم بل صارت هوية لهم، فهم مغمورون، لكن المغمور الحقيقي من يغمر وعيه وينسى المأساة، فما بين قرارات على أساس قومي وأسطرةً لفاجعة هذه العوائل، سُيست قضيتهم لتفتح بين الفينة والأخرى فترة قضية المغمورين والحزام العربي في تقاذف سياسي على أساس عرقي.

بداية المأساة حين غمرت مناطق الفرات الأوسط 

مطلع عام 1969 بدأت مياه ما يعرف بـ”بحيرة الأسد” تغمر أراضي عشائر الولدة في الفرات الأوسط بمحافظة الرقة، شملت عملية الغمر أراضي 20 ألف عائلة من قاطني المنطقة المغمورة، حيث نوت الحكومة حينها إسكانهم بقرى نموذجية وفق “نظام كولخوزي” وهو نظام سوفيتي يقوم على فكرة المزارع الجماعية التعاونية يكون على أراض ملكيتها للدولة لكن الفلاحين يتعاونون في استثمارها وإدارتها، وقد اختارت الحكومة منطقة البليخ والفرات لإنشاء هذه القرى، غير أن القرويين الذين ينتسبون لعشيرة الولدة وبعض العشائر الأخرى التي يرجع نسبها لقبيلة البو شعبان رفضوا مغادرة أرضهم وقراهم، فأجبرت الحكومة السورية من وصلهم الغمر على الرحيل، فلم يرحلوا باتجاه محافظة الحسكة، بل توجهوا نحو نطاقات لا تصلها مياه البحيرة في الغرب، إلى منطقة الشامية وشرقاً باتجاه البادية، لكن طبيعة المناطق التي رحلوا إليها لم تساعدهم على تأمين معيشتهم إذ تعتمد هذه العوائل بالمجمل على الزراعة ورعاية المواشي، وهذه الأراضي كانت على ذلك عقيمةً لا تصلح للزراعة، فلم يكن أمامها سوى الرضى بالرحيل إلى مناطق ما يعرف بـ”الحزام العربي” على الحدود السورية التركية في الحسكة، فيما رفض آخرون وهاجروا إلى مدينة الرقة.

مع استمرار عملية غمر المياه لأراضي المنطقة عام 1973، اضطر بقية الفلاحين الغمر إلى الأراضي الجديدة التي حددتها الحكومة بعد أن غُمرت أراضيهم بالفعل، قُدرت أعداد العوائل التي أسكنت في منطقة الحزام العربي بـ4000 عائلة تشكل أقصاها ما يقرب من 24 ألف نسمة. مُنحت أراض تمتلكها الدولة نسبياً بقدر الأراضي التي غمرتها المياه، لكن المأساة التي تعرضت لها عوائل الغمر، لم تقتصر على كارثة الغمر فحسب، وإنما في تسيس مأساتهم وجعلها محطة صراع قومي، فأصبح النهر حداً فاصلين بين تأريخ الفاجعة وذاكرة يوقظها الصراع السياسي. 

تسيس المأساة: الضجيج القومي للصراع 

كانت مأساة الغمر فرصة تلقفها السياسيون لتسوية ديمغرافية عرقية من حزبيي البعث، أو لبناء سرديات مظلومية للأحزاب الكردية، فحمل الغمر سنوات من الصراع السياسي، جاءت الدراسة التي أعدها رئيس الشعبة السياسية في محافظة الحسكة، محمد طلب هلال، تحت عنوان “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية، الاجتماعية، السياسية” لعرضها على المؤتمر القطري الأول لحزب البعث، استكمالاً لمشروع “إصلاح الجزيرة” الذي عملت عليه حكومة خالد العظم قبل سقوط العظم، طرحت الدراسة استئصال “المشكلة الكردية” في الحسكة بعد هجرة القبائل الكردية من تركيا إلى سوريا، من خلال برنامج تعريب شامل يقوم على:

  1. تهجير السكان الأكراد إلى مناطق الداخل السوري وتوزيعهم.
  2. واعتماد سياسة تجهيل بعدم إنشاء مدارس أو معاهد عملية في المنطقة.
  3. وإجلاء كل من لم تثبت جنسيته.
  4. وتسليم كل مزدوجي الجنسية إلى بلدانهم الأصلية.
  5. وخنق المهاجرين الأكراد اقتصادياً بعدم تأجيرهم أو تمليكهم من أراضي الإصلاح الزراعي التي صادرتها الحكومة من الاقطاعيين.
  6. وشن حملة ضدهم واستبدال المشايخ الأكراد بمشايخ عرب.
  7. وضرب الأكراد بعضهم ببعض.
  8. وإسكان عشيرة شمر العربية في المناطق الكردية الحدودية مع تركيا.
  9. وعسكرة الشريط الشمالي للجزيرة بحيث توضع فيه قطاعات عسكرية مهمتها إسكان العرب وإجلاء الأكراد وفق ما ترسم الدولة من خطة.
  10. وإنشاء مزارع جماعية عربية مسلحة.
  11. وسلب من لا يتكلم العربية الحقوق السياسية.
  12. ومنع منح الجنسية السورية لمن يريد السكن في تلك المنطقة مهما كانت جنسيته عدا الجنسية العربية. 

أخذت قيادة فرع حزب البعث في الحسكة بمقترحات دراسة “محمد هلال” لعرضها في المؤتمر القطري لحزب البعث في سورية في أيلول 1963، فرفضت القيادة القطرية للحزب إدراجه في جدول الأعمال وغدا خارج النقاش، لكن القيادة القطرية عينت هلال محافظاً للحسكة عام 1965، وخلال فترته عملت القيادة القطرية على دراسة فكرة الحزام العربي بالتزامن مع تنفيذ السوفييت مشروع سد الفرات، وتقع منطقة الحزام العربي من مدينة المالكية إلى الحدود الإدارية بين محافظتي الحسكة والرقة على الشريط الحدودي، بعمق 10 كم، وأغلب قاطني هذه المنطقة من الأكراد الذين هاجروا إليها من تركيا. 

في خضم الضجيج القومي حول مشروع الحزام العربي، حدثت مأساة الغمر في محافظة الرقة عام 1969، وباشرت الحكومة السورية بإسكان المغمورين في منطقة الحزام العربي، لكن عدد الذين أًسكنوا من الغمر لم يتجاوز 24 ألف نسمة في أقصى تقدير، فلم يحدث ذلك تغييراً أو تعديلاً ديموغرافيا في المنقطة، حيث بلغ عدد قرى الحزام العربي 42 بينت هذه القرى في أراض خالية تمتلكها الدولة، وقد وضعت بين كل قرتين أو ثلاث كردية قرية من أصل القرى الـ42، فلم يهجر بذلك أي قرى أو فلاحين أكراد من المنطقة، فكانت سياسة الحزام العربي سياسة شكلية، لكن بعض الأحزاب الكردية بالغت في إعلانها عن رفض مشروع إسكان الغمر وهو توطين إزاء كارثة إنسانية لمتضررين في بلدهم، كما أن هناك أصوات من الأحزاب القومية الكردية تصف قرى المغمورين بأنها مستوطنات تغزو الديمغرافيا الكردية في المنطقة، الأمر الذي يجدد مأساة المغمورين ويذكرهم بحجم المأساة المتجددة.

خاتمة

في خضم الصراع السياسي القومي تطوى الملفات الإنسانية لصالح المعارك السياسية، لم تعبأ الدراسات التاريخية والسياسية في سورية كثيراً بقضية الغمر على أنها قضية إنسانية تشتت شمل العديد من العوائل، بل يتجه إليها من منظور تفسير أدوات الصراع القومي وبناء السرديات القلق العرقي والمظلومية التاريخية، فقصة الغمر حالة بشرية عامة تتجاوز أطر الجغرافيا وإكراهات السياسية، تعرضت لها المجتمعات على مدار التاريخ، والخطر الحقيقي عندما يغمر الوعي وتغرق الحقيقة، لذلك قد يكون عبد السلام العجيلي أرخ المأساة بأدوات روائية عصية على الغمر.