في الاستسهال السياسي

آخر تحديث: 24 سبتمبر، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

7 mins

الحكم على الشيء فرع عن تصوره

«أعطني نقطة انطلاق صحيحة وأنا أغير لك العالم».

  • الرياضي والفيزيائي أرخميدس.

وفي عالم السياسة،تكون نقطة الانطلاق الناجحة هي إدراك هذا العالم على حقيقته؛ أي أن تكون تصوراتنا عنه دقيقة ومطابقة لما هو موجود في الخارج، فـ«التصورات قبل التصديقات»، كما يقول المناطقة، و«الحكم على الشيء فرع عن تصوره»، كما يقرر الأصوليون. وإلا، وآه من «إلا» هذه! لا تأتي إلا والجحيم من ورائها! وإلا ستلتهمنا ضواري هذا العالم وتبتلعنا قواه ،كما فعلت مراراً.

وفي القلب من هذه الانطلاقة السياسية الواعية أن ندرك أن السياسة عالم صعب، معقد، متناقض، متشعب و تتداخل فيه كل عوالم الاجتماع البشري الأخرى، بل هو كما قال المنظر العسكري الألماني فون كلوزفيتز أنّ السياسة فوق الاستراتيجية، وأنه هو المجال الذي تتحدد في ضوئه الاستراتيجية إذ أن الاستراتيجيات في نهاية المطاف إنما تخدم غايات سياسية، ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة في أن الحرب هي «سياسة بوسائل أخرى».

إن عالم السياسة يدور حول السلطة والقوة، ولذلك هو عالم صراعي؛ لا يمكن افتراض وجود خطوط حمراء فيه، لا توجد فيه قواعد ثابتة للممارسة، لا يمكن افتراض وجود أخلاقيات تحكم جميع أطرافه؛ فالابن قد يقتل أباه، والأب قتل ابنه، والزوج تخلص من زوجته، والأخ قد ينقلب على أخيه.. والأمر كما قال يحيى البرمكي: «لا أرحام بين الملوك وبين أحد».

وكل ذلك  ينطلق من مسألة شديدة البساطة: أنه مهما اختلفت  تعريفاتنا لكلمة «السياسة»، فإنه في جوهرها لا تنفك عن مسألة السلطة، إذ تدور السياسة في أحد معانيها الأساسية حول الوصول إلى السلطة أو ممارستها أو التأثير فيها، أو توزيعها بين القوى والجماعات والسلطة هنا بمعناها المتحقق في الحكم والقوة وصياغة القواعد التي تحكم الجماعة والمجتمع، ومن هنا نقدر أن نفهم معاً مفهوم «الحزب» بوصفه: جماعة منظمة  تسعى إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها وممارستها، فإن انتفت السلطة بوصفها غاية من غاياته الأساسية لم يعد حزباً بالمعنى السياسي الدقيق، وإنما أصبح  جمعية خيرية أو مؤسسة مجتمع مدني أو شيئاً من هذا القبيل، ولذلك فإن السياسة مهما تعددت أشكالها أو تعقدت مفرداتها لا يمكن فصلها عن سؤال السلطة بكل ما يحمله هذا السؤال من مضامين حول من يملك السلطة ومن يسعى إليها و لصالح من تستخدم.. وإلخ من المضامين الملحة.

إذن نحن بصدد عالم بعيد كل البعد عن السهولة والبساطة والأمان؛ عالم  تحكمه تعقيدات ومنطق داخلي خاص، إنه عالم الحرب والثورة، والانقلاب والاحتلال والاستقلال، عالم المدنيين والعسكريين، والعلاقات الدولية والحكومات والشعوب، عالم شركات الأسلحة و شبكات النفوذ والمؤسسات الإعلامية، بل عالم المدرسة والتعليم والعمارة والمدينة بوصفها جميعاً مساحات لممارسات السلطة مباشرةً أحياناً وبهدوء ومخفي أحيانا أخرى كما أشار إلى ذلك بيير بورديو في مفهومه عن  المنهج الخفي وآليات إعادة إنتاج السلطة والهيمنة الرمزية.

وقد يبدو كل ما سبق بديهياً للوهلة الأولى لكنه عملياً وعلى أرض الواقع غير مستوعب، ولا يحظى بالاهتمام الكافي وعلى النحو المناسب وتكشف الممارسات وطرق المعالجة اليومية لعشرات الوقائع أن هناك ثمّة خلل ما في بنية التصورات و ما ينتج عنه من سوء في التطبيقات.

«إن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها؛ فهم متعوّدون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية، لا يعرفون سواها. والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها، فإنها خفية».

  • ابن خلدون

هنالك تساهل غريب في الساحة العربية، وخاصة داخل دوائر الإسلاميين، في التعاطي مع العمل السياسي؛ تساهل تنظيمي يصعّد أي شخص دون امتلاك مقومات سياسية حقيقية ليصبح عضواً في اللجنة السياسية في هذا الحزب أو ذاك، فقط لأنه كبير في السن أو لأنه أستاذ جامعي! وكأن ارتياد عالم السياسة لا يحتاج إلا إلى قراءة بعض الصحف اليومية ومتابعة الأخبار على الشاشة!

القدرة الثقافية والمكانة العلمية ليستا معياراً للكفاءة السياسية؛ فما كل امرئٍ بقادرٍ على ولوج عالم السياسة. والسياسيون المحنكون يمتلكون من العقلية والنفسية ما يؤهلهم إلى اتخاذ قرارات قد تكون فارقة في مصير بلدهم أو حزبهم أو جماعتهم، وهذا لا يمتلكه كل أحد.

السياسة لها مقوماتها الخاصة، لها متطلباتها المميزة

فالعقل السياسي مثلًا، قادر على إدارة التناقضات، ومؤهل لوزن القوى المختلفة، وعلى التعاطي مع الصراعات والضغوطات، عقل تفاوضي بامتياز؛ فالأمور عنده ليست بأبيض وأسود، فالأيام والليالي عجنت صاحبنا وعركته، فأصبحت السياسة في دمه وعقله. وللمفارقة، حذّر أحد أساتذة العلوم السياسية في مصر بعد الثورة من أخذ السياسة عن أساتذة السياسة، وقال: «لا تأخذوا منهم سياسة؛ لأنهم لا يفهمونها!»

وهذا من دقيق خبرته ومعرفته بحالهم وفهمه العميق لعالم السياسة؛ فالسياسة كعلم نظري شيء، والسياسة في الواقع شيء آخر، وليس لزامًا لمن يدرس الأولى أن يفهم في الثانية؛ فالسياسة لها لوازمها الخاصة المتعينة يعرفها كل من خاضها بحقها! وبالطبع، تثور هنا مسألة دقيقة: إذا كان هذا حال بعض أساتذة السياسة، فممن نأخذ السياسة إذن؟

وأرى أن قول هذا الأستاذ ينبه إلى معنى لطيف، وهو أن كون المرء مدرساً للسياسة النظرية لا يجعله بالضرورة سياسياً محنكاً يؤخذ منه ويتبع في تقريراته؛ فالحنكة السياسية لا تُكتسب بالدراسة النظرية وحدها، وإنما تحتاج إلى معنى زائد عليها، هو الخبرة والممارسة والفهم العميق؛ وهي التي تُنشئ للسياسي حنكته ومهارته. وإننا لنرى تساهلاً غريباً وغير مفهوم عند بعض الحكومات والجماعات والأحزاب، فكيف لها أن تتخذ قرارات دون أي دراسات منهجية أو دون الاستعانة باستشارات مؤسسية؟ 

وأما مراكز الأبحاث فلا جرم أنها ليست برفاهية أكاديمية كما يعتقد البعض، إذ توفر لصاحب القرار المادة الخام لاتخاذ القرار السليم فتدرس لك خصومك وتدرس جمهورك، وتشرح لك البيئة الدولية والأبعاد الاقتصادية وتقيس لك الرأي العام وتبني لك سيناريوهات وتختبر قراراتك قبل اتخاذها  

والمشكلة ها هنا ليست فقط في غياب مراكز الأبحاث وإنما في غياب القرار المؤسسي، فالممارسة السياسية الحديثة لا ينبغي أن تدار بالحدس والخبرة الشخصية وحدهما مهما بلغت خبرة القيادات، إذ السياسة أصبحت مجالاً شديد التعقيد وتحتاج إلى مؤسسات تنتج المعرفة وتختبر الفرضيات، وتقيس التتائج وتقدّر المخاطر، ومع هذه المؤسسية يتحول القرار من رأي سياسي إلى قرار مبني على تقدير ودراسة.

وفي تساهل من نوع آخر وقد عايشناه بأنفسنا في مرحلة ما بعد الربيع العربي، أن جماعات دعوية كان كل شغلها الشاغل، قبل الربيع الدعوة والعلم الشرعي، ثم إذ فجأة وبدون أي مقدمات أو مرحلة انتقالية تمكنها من استيعاب ما حدث واستكشاف الواقع بعمق أكبر و تدريب  كوادرها وترتيب أوراقها، قررت أنها ليست هيئة دعوية وحسب، وإنما أيضا  حزب سياسي، والمشكلة هنا ليست فقط في انتقالها السريع إلى العمل السياسي  في ذاته وإنما في أنها انتقلت إلى عالم مختلف بأدوات العالم الذي جاءت منه وكأن السياسة هي امتداد طبيعي للعمل الدعوي لا مجال له منطقه وأدواته وشروطه الخاصة، ثم لا ينبغي أن تفاجأ بعد ذلك بكمّ المواقف والقرارات الصادمة التي صدرت عنها!

قراءة أعمّ وأشمل

«إن البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه على هواهم؛ لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف يواجهونها مباشرة، تكون متعينة وموروثة من الماضي».

  • كارل ماركس

لكن دعونا نحلل الوضع السوري شديد التعقيد ما بعد سقوط النظام المخلوع، ونرصد تهافت المستسهلين في النظر إليه، وبالطبع ليس هذا دفاعاً عن السلطة الجديدة ولا يعني أنها في حصانة من النقد، بل العكس نرى  أنها فى حاجة إلى النقد والمتابعة والمساءلة  وإنما  نريد فقط  أن نعطي الأمور حقها من النظر والتقدير فنضع الإيجابيات في موضعها، والسلبيات في موضعها  من غير تهويل ولا تبسيط ولا حكم متعجل على واقع شديد التعقيد. 

والحكومة الحالية ورثت حكم بلد خاض حرباً داخلية طاحنة استمرت قرابة 14 عاماً، فوق  إرث من الاستبداد الطائفي جاثم عليه لما يزيد على ستة عقود. حربٌ كانت من أعقد الحروب في العصر الحديث؛ حربٌ تداخلت فيها القوى العظمى واشتركت فيها النظم الإقليمية والجماعات المسلحة بكل تنوعاتها الأيديولوجية، مع وجود أجنبي مستقر على أرضها، وتدخلات إقليمية واسعة النطاق، فضلاً  عن  أطماع قوى داخلية تريد نصيبها من الكعكة!

ثم بلد غدا فجأة بلا جيش نظامي وبلا هيكل شرط، وورث الرئيس الشرع ومن معه بلداً منقوص السيادة، ومساحاتٍ واسعة من أرضه خارج سيطرة الدولة في الجزيرة والسويداء، وجهاز إداري مهلهل واقتصاد متداعٍ، وخدمات متهالكة، فضلا عن  عقوبات دولية قاسية. كل هذا وأكثر منه، معروف لدى أبناء البلد ولكل من عايش محنتهم؛ وأنه وضعٌ يلزم سنوات من العمل والتغيير، وإلى جهود متضافرة من السوريين في  الداخل والخارج.

ثم يأتي رجل ليس من أقصى المدينة، ولا يعرف حجم تداخل المشكلات ولا مدى تعقيدها، ولا يدري ماذا فعل إرث الفساد والاستبداد والتبعية بالسوريين، فيطالب بسرعة التطهير، ويتساءل أين تطبيق الشريعة، ويرفع شعار الحسم في كل الجبهات!

ولا يدرك المستسهل أن القوم في مرحلة التقدم بخطوات نحو الهدف، وليسوا في مرحلة تحقيق الهدف، وأنهم في طور اتخاذ خط حركي مرحلي موصل إلى الهدف الاستراتيجي، وليسوا في طور اقتناص الهدف وتحقيق الغاية.

وأريد هنا أن أؤكد أن كلامي هذا لاينبغي أن  يفهم منه ولا أريد لأحد أن يظن أنني أدافع عن قرارات بعينها أو  أحكم بصحة مسارات محددة، فليس هذا مقصدي، إنما أردت أن أقرر أن الأمر إذا كان بهذا القدر من  التعقيد فلا يصح أن تتعامل معه باستسهال  مخلٍّ ولا أن تتناوله ببساطة مهلكة، وإنما يقتضي قدرا من التروي والفهم العميق لطبيعة الواقع وتشابكاته قبل إصدار الأحكام عليه.

وفي النهاية نقول لهؤلاء المستسهلين: ما الخريطة كالمنطقة، ولكن لهذا حديث آخر!