عام الرمادة: غليان الشعب وعجز الخزينة

الوقت اللازم للقراءة:
2 minsفي عام الرمادة أجدبت الأرض حتى دخل الجوع بيوت المدينة، وضاقت المؤن بالناس، فأمسك عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن السمن واللحم، واختار لنفسه من خشونة العيش ما أصاب رعيته، ثم كتب إلى الأمصار يستمدها بالطعام.
بقي الجوع جوعاً، وبقيت الأيام ثقيلة، غير أن الناس رأوا وجعهم على مائدته قبل أن يسمعوا منه حديث الصبر، فمَن ساواكَ بنفسه ما ظلمك.
واليوم يطرق الضيق أبواب السوريين بصورة أخرى، بعدما ارتفع الديزل 40% والبنزين 28%، فتحركت معه أجرة الطريق وكلفة الزراعة والأسعار في السوق، وضاق هامش عائلات تحسب ما بقي في الجيب قبل أن ينتهي الشهر. وفي الطرف الآخر خزينة خرجت من حرب طويلة تحمل مدناً مهدمة وشبكات مهترئة ومؤسسات أفرغها النهب، فيما تنتظرها أجور ووقود وكهرباء وخدمات تحتاج مالاً أكثر مما تملك.
وحتى لا نغرق في لحظتنا، ما يستحق التذكير أنّ نظام الأسد كان يسد عجزه باقتصاد الكبتاغون والتهريب، ويستند إلى دعم إيراني وروسي أبقاه واقفاً فوق بلد يتداعى، وبسقوطه انقطعت معه تلك المسالك، وهذا ما لا يتوفر للحكومة الحاليّة.
وحتى المستحق للحكومة لا يصل كله إلى الخزينة، إذ تضع أرقام وزارة الطاقة متأخرات فواتير الكهرباء عند نحو 1.3 مليار دولار فوق ما تستنزفه السرقات والتعديات لتزيد الطين بلّة.
وعلى الرغم من وضوح هذا المأزق وخلفياته، تلام الحكومة على تعميق أزمتها بسبب مظاهر بذخ بعض المسؤولين ومواكبهم الفارهة التي تستفز شعباً يُطالَب بالتقشف، فالفقير قد يصبر على شدة يعرف سببها، لكنه يضيق بها إذا رأى من يطلب صبره بعيداً عن ألمها، ناهيك عن الوعود الفضفاضة التي رفعت سقف الآمال وصدمت الشارع بواقع الغلاء.
وسوريا اليوم أفقر من حاجاتها، وهذه مصارحة لا ينفع الهرب منها، وسيحمل السوري جزءاً من الكلفة، لأن اتساع عجز الدولة مؤذن بالخراب، ويجعل الغلاء أول الوجع لا آخره، لكن العدل في هذا الحمل يُقاس من أعلاه قبل أسفله؛ فإذا اضطر الفقير إلى شد حزامه كي تقف الدولة على قدميها، فعليه أن يرى حزام المسؤول مشدوداً قبله.
