الزراعة السورية بين ركام الحرب وأفق التعافي: دروس من تجارب دولية

آخر تحديث: 1 سبتمبر، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

9 mins

تقف الزراعة السورية اليوم على مفترق طرق حرج، فهذا القطاع، الذي كان يُعَدّ قبل عام 2011 أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، وأسهم بنحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي ووظّف نحو ربع القوى العاملة، يعاني اليوم تراجعاً حاداً انعكس على مختلف جوانب الإنتاج الزراعي، وصولاً إلى انهيار إنتاج القمح إلى أدنى مستوياته في نصف قرن.

غير أن هذا التراجع لا يمثل حتمية يصعب الفكاك منها؛ فتجارب دول مثل تركيا والسعودية والولايات المتحدة والصين تُظهر أن الاستثمار الموجّه، والسياسات الزراعية والغذائية المدروسة، وتطوير البنية التحتية والقدرات الإنتاجية، يمكن أن تسهم في إعادة بناء قطاع زراعي قوي وقادر على الصمود.

من هنا، يسلّط هذا المقال الضوء على واقع الزراعة السورية، ويبحث في أبرز أسباب تراجعها، ثم يستخلص الدروس المستفادة من تجارب دول مختلفة، وصولاً إلى مجموعة من الحلول العملية التي يمكن أن تسهم في إعادة بناء القطاع الزراعي والخروج به من أزمته الراهنة.

واقع الزراعة السورية: أرقام تُفجّع

لم يكن القطاع الزراعي السوري مجرد مصدر للغذاء، إذ كان عماداً للاقتصاد وشرياناً للحياة في الريف، فقبل الحرب، بلغ إنتاج سوريا من القمح نحو ثلاثة ملايين ونصف مليون طن سنوياً، وهو ما كان يكفي لتغطية الاحتياجات المحلية ويُتيح فائض للتصدير. أما اليوم، فقد  تراجع الإنتاج إلى حدود مليون و50 ألف طن في عام 2021، أي بانخفاض يقارب  70%  عن متوسط الإنتاج قبل الأزمة، وذلك فقاً لتقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO).

ويبدو التأثير الاقتصادي  للأزمة أكثر وضوحاً عند النظر إلى مساهمة الزراعة في الناتج المحلي، ففي عام 2008، كانت الزراعة تُساهم بنحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن هذه النسبة ارتفعت بشكلٍ  مضلل إلى نحو 43% في عام 2022، غير أن هذا الارتفاع لا يعكس نمواً حقيقياً في القطاع الزراعي، بقدر ما يعكس الإنكماش الحادّ الذي أصاب بقية القطاعات، ولا سيّما الصناعة والخدمات، بصورة أكبر، الأمر الذي جعل الزراعة تبدو وكأنها «القطاع الوحيد المتبقي» في اقتصادٍ يتقلّص من حولها.

أما على صعيد العمالة، فقد تراجعت نسبة العاملين في الزراعة من نحو  25%  قبل  الحرب إلى  16.3 %  في هذا العام وفقاً  لبيانات منظمة العمل الدولية  (ILO)، يعكس هذا التراجع موجة نزوحٍ وهجرةٍ لليد العاملة من الريف إلى المدن أو إلى خارج البلاد، مدفوعةً بتدهور الأوضاع المعيشية ونقص المدخلات الزراعية وارتفاع تكاليف الإنتاج.

تُشير تقديرات الأمم المتحدة كذلك إلى أن قيمة الإنتاج الزراعي تراجعت من نحو 16.6 مليار دولار عام 2011 إلى 5.6 مليار دولار فقط عام 2023 بالأسعار الثابتة لعام 2015. ولم يقتصر التراجع  على حجم الإنتاج، إذ امتد إلى إنتاجية العامل الزراعي التي انخفضت بصورةٍ حادّة من نحو 18.1 ألف دولار للعامل إلى 6.5 آلاف دولار فقط.

عوامل الانهيار: حربٌ وجفافٌ وتُراخٍ

لا يكفي أن نُلقّي اللوم على الحرب وحدها، فالأزمة السورية الزراعية باتت نتاج تراكمٍ مجموعة من العوامل منها الجفاف المُتفاقم الذي ضرب سوريا في شتاء 2024-2025، والذي كان الأسوأ منذ عام 2009، إذ انخفضت نسبة هطول الأمطار إلى أقل من 50% من معدلها التاريخي. وقد أدّى  ذلك إلى فشل موسم القمح بالكامل في مناطق واسعة من البلاد، وهو الأمر الذي يُنذر بعجز غذائي يُقدَّر بنحو 2.73 مليون طن، بما يعادل الاحتياجات الغذائية السنوية لنحو 16.25 مليون شخص.

وإلى جانب الجفاف تتضافر عوامل أخرى تزيد من حدة الأزمة من أبرزها: شحّ الوقود والأسمدة، وارتفاع تكاليف النقل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف مستوياتها السابقة، وتدمير البنية التحتية لشبكات الري، فضلاً عن انتشار الألغام في الأراضي الزراعية، كما تراجعت طاقة منشآت التخزين البارد إلى نحو 10% فقط من مستوياتها قبل الأزمة، الأمر الذي يؤدي إلى هدر كميات كبيرة من المحاصيل ويزيد من الخسائر التي يتكبدها القطاع الزراعي.

دروس دولية: كيف تتعامل الدول مع تحديات الزراعة؟

تركيا: التخطيط المبني على الأحواض المائية

لعلّ أقرب مثالٍ للحال السوري بغية استلهامه نموذجاً تركيا نموذجاً، إذ يمكن لسوريا الاستفادة من تجربته نظراً لما يجمع البلدين من التشابه النسبي في الظروف الجغرافية والمناخية، إذ اعتمدت تركيا نموذجا لـ«التخطيط الزراعي المبني على الأحواض» فقسمت أراضيها الزراعية إلى 945 حوضاً، وحدّدت لكل حوض المحاصيل الاستراتيجية الأكثر ملاءمة لظروفه البيئية والاقتصادية، ويحصل المزارعون على دعم أساسي مُضاعف عند زراعة  المحاصيل المُحددة ضمن الخطة الزراعية  الخاصة بأحواضهم.

كما أنشأت تركيا «إدارة أمن التوريد» لمتابعة مستويات الإنتاج والمخزونات والأسعار، وفي العام الجاري، أطلقت الحكومة  نموذجاً جديداً للدعم يجمع بين المدفوعات الأساسية للمزارعين المسجلين ودعم إضافي يحدد وفقاً للمعايير البيئية وتوافر المياه، تتحمل الدولة منها ما بين 50% إلى 70% من أقساط التأمين الزراعي نيابةً عن المزارعين، بما يخفف من المخاطر التي يواجهونها.

السعودية: الاستثمار في التقنيات الحديثة

رغم اعتماد السعودية على استيراد نحو 80% من احتياجاتها الغذائية، إلا أنها تتجه إلى تعزيز أمنها الغذائي عبر استثمارات ضخمة في القطاع الزراعي مستهدفةً استثمار أكثر من 70 مليار دولار في هذا القطاع بحلول عام 2030 وذلك في إطار «رؤية 2030». وقد نجحت المملكة في تحقيق  اكتفاءً ذاتياً كاملاً في عدد من المنتجات إذ بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي نحو 109% في منتجات الألبان، و116% في البيض، بينما وصلت إلى نحو 60% في الدواجن. وتستثمر السعودية بكثافة في الزراعة المُحكّمة البيئية «البيوت المحمية والمزارع العمودية» التي تُوفّر المياه بنسبة تصل إلى 90%، كما أطلقت أول محطة تحلية شمسية في العالم في هذا العام 2026 لتوفير مياه ريّ بأسعار مُخفّضة.

الولايات المتحدة الأمريكية: شبكة الأمان الشاملة

يُعتبر قانون المزارع الأمريكي (Farm Bill) من أضخم برامج الدعم الزراعي في العالم، بتكلفة تُقدّر بنحو 1.4 تريليون دولار على مدى 10 سنوات ويرتكز البرنامج على ثلاثة محاور رئيسية: التأمين على المحاصيل، الذي يستحوذ على نحو 11% من إجمالي الإنفاق، وبرامج دعم الأسعار والدخل، التي تُقدَّر مخصصاتها بنحو 134 مليار دولار على مدى عشر سنوات، إضافةً إلى برامج الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية. 

و في العام الماضي، بلغت قيمة الإعانات الفيدرالية المقدمة  للمزارعين نحو 9.3 مليار دولار، بما يعادل قرابة 5.9% من إجمالي دخولهم، أما في العام الجاري، فقد حصل المزارعون على نحو 29.5 مليار دولار من ثلاثة مصادر رئيسية: التأمين على المحاصيل، وبرامج دعم السلع، وبرامج المساعدات الطارئة.

الصين: الأمن الغذائي كأولوية وطنية

تتعامل الصين مع الأمن الغذائي بوصفه قضية استراتيجية قومية، بان أثر ذلك الاعتبار بما جرى في هذا العام الذي حققت البلاد رقماً قياسياً في إنتاج الحبوب بلغ 714 مليون و800 الف طن، بزيادة 1.2% عن العام الماضي. كما وضعفت الحكومة هدفاً لزيادة إنتاج الحبوب بنحو 50 مليون طن إضافية بحلول عام 2030. 

استراتيجية الصين هذه للأمن الغذائي تقوم على أربع أعمدة: حماية نحو 120 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، ودعم أسعار الشراء الدنيا للقمح والأرز، وتطوير البنية التحتية في المناطق الريفية، إلى جانب الاستثمار في التقنيات الزراعية الذكية وتقنيات التعديل الوراثي. كما رفعت الصين مخصصات تخزين الحبوب والزيوت النباتية إلى نحو 140.63 مليار يوان، أي ما يعادل 19 مليار و500 مليون دولار، في العام الماضي، بزيادة قدرها 8% مقارنة بعام 2023.

حلول ومقترحات لإنقاذ الزراعة السورية

أولاً: إعادة تأهيل البنية التحتية للري

تُقدّر الأمم المتحدة أن  نحو  70 % من مياه الصرف الصحي في سوريا تُصرف دون معالجة، فيما خرجت نحو نصف شبكات الصرف الصحي عن الخدمة، ومن ثم تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل شبكات الري التقليدية وتحديثها مع التوسع في استخدام نظم الري بالتنقيط والرش، الذي من الممكن أن توفر  نحو 30-50% من المياه المستهلكة  والعمل على خلق الفرص للمنظمات الدولية مثل البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتمويل هذه المشاريع عبر قروض ميسّرة.

ثانياً: إنشاء صندوق دعم زراعي مستدام

الاستفادة من التجربة التركية من خلال إنشاء نموذج دعم قائم على الأحواض الزراعية، وينبغي أن يُركّز  هذا الدعم على: توفير البذور المعتمدة والأسمدة بأسعار مُدعومة، مع تأمين الوقود للمزارعين، وتقديم قروض ميسّرة عبر بنك زراعي متخصص، والعمل على تمويل هذا الصندوق من موازنة الدولة ومن المنح الدولية المخصصة للأمن الغذائي.

ثالثاً: تطوير التأمين الزراعي

يجب إنشاء نظام  للتأمين الزراعي التشاركي بين الدولة والقطاع الخاص، تتحمل الدولة بموجبه 50-70% من أقساط التأمين، على غرار النموذج التركي (TARSİM)، من شأن هذا النظام؛ حماية المزارعين من المخاطر المناخية، مثل الجفاف والفيضانات، وتوفير شبكة أمان تضمن استمرارية الإنتاج حتى في سنوات الشح المائي والظروف المناخية القاسية .

رابعاً: الاستثمار في التقنيات الذكية

رغم صعوبة الظروف الراهنة، يمكن البدء في تبني تقنيات بسيطة ومنخفضة التكلفة: مثل  الاستشعار عن بُعد لرصد المحاصيل، وتطبيقات الهاتف المحمول لتوقعات الطقس، ومتابعة الأسعار، إلى جانب التوسع في استخدام البيوت المحمية الصغيرة لإنتاج الخضروات، كما يمكن الاستفادة من برامج التدريب المجانية التي تتيحها المنظمات الدولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (FAO). 

خامساً: إعادة تأهيل منشآت التخزين والتبريد

يجب إعادة بناء منشآت التخزين البارد والصوامع الحديثة، ما يُقلّل هدر المحاصيل من 30-40% إلى أقل من 10% ويُمكن الاستعانة بالاستثمارات الخليجية والأوروبية في هذا المجال، خاصّةً مع التوجه العالمي نحو تقليل الفاقد الغذائي.

سادساً: تطوير برامج البحث الزراعي

يجب إعادة تفعيل محطات البحوث الزراعية ومراكز التطوير، مع توجيه جهودها نحو انتاج أصناف أكثر مقاومة للجفاف والأمراض، كما يمكن إقامة شراكات مع الجامعات والمراكز البحثية الزراعية العالمية، مثل جامعة «فاغينينغن» الهولندية، بهدف نقل المعرفة والخبرات والتقنيات الحديثة إلى سوريا.

سابعاً: تنسيق إقليمي لإدارة الموارد المائية

يجب التفاوض مع تركيا والعراق للتوصل إلى اتفاق عادل ومستدام بشأن تقاسم مياه الفرات، مع إنشاء آلية مراقبة مشتركة لمراقبة مستويات المياه وتدفقاتها، كما يمكن الاستعانة بالوساطة الدولية مثل الأمم المتحدة أو البنك الدولي  لضمان التزام جميع الأطراف بالاتفاقية.

خاتمة

الزراعة السورية ليست مجرد قطاع اقتصادي، وإنما قضية وجودية تتصل مباشرة بالأمن الغذائي لشعبٍ يعاني من تبعات أزمة مركبة وممتدة وتثبت التجارب الدولية السابقة أن إنقاذ القطاع الزراعي أمر ممكن، لكنه يتطلب إرادة سياسية ورؤية استراتيجية واستثمارات مُوجّهة ومدروسة، فالصين حوّلت تحدّي إطعام 1.4 مليار نسمة إلى دافع للريادة الزراعية وتعزيز قدراتها في المجال، والسعودية حولت صحراءها إلى مزارع ذكية، وتركيا تُخطّط  لزراعتها حبةً حبة، وسوريا لا تفتقر إلى الأرض أو الموارد المائية  أو الأيدي العاملة، ما ينقصها قبل كل شيء القرار السياسي القادر على تحويل هذه الإمكانيات إلى استراتيجية متكاملة لإعادة بناء الزراعة وتحقيق الأمن الغذائي.

والمزارع السوري الذي صمد في  أرضه رغم القصف والجفاف يستحقّ أكثر من مجرد الوعود، يستحقّ بذرةً معتمدة، وقطرة ماءٍ نظيفة، وقراراً سياسياً يضع الزراعة فوق كلّ اعتبار.

قائمة المصادر

1. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO): «نظرة عامة على القطاع الزراعي في الجمهورية العربية السورية».

2. البنك الدولي (World Bank): «مؤشرات التنمية العالمية – الأراضي الصالحة للزراعة (% من مساحة الأراضي)».

3. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO): «تقرير GIEWS – الجمهورية العربية السورية»، شباط 2026.

4. برنامج الأغذية العالمي (WFP): «التقرير السنوي للجمهورية العربية السورية 2024».

5. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD): «الرصد والتقييم السياسي الزراعي 2025 – تركيا».

6. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD): «الرصد والتقييم السياسي الزراعي 2025 – الصين».

7. المكتب الوطني للإحصاء الصيني (National Bureau of Statistics of China): «النشرة الإحصائية الوطنية لإنتاج الحبوب 2025».

8. وزارة الزراعة الأمريكية (USDA): «تقرير الحبوب والأعلاف – الصين»، تموز 2025.

9. مؤشر الأمن الغذائي العالمي (Economist Impact): «GFSI 2022».

10. مؤشر الجوع العالمي (GHI): «التصنيف العالمي 2025».

11. منظمة العمل الدولية (ILO): «بيانات ILOSTAT – التوظيف في الزراعة».

12. الأمم المتحدة في سوريا (UN in Syria): «تحليل البلد المشترك».

13. وزارة الزراعة الأمريكية (USDA): «توقعات دخل القطاع الزراعي»، أيار 2026.

14. مؤسسة المساعدة للمزارعين (Farm Aid): «آخر التحديثات حول قانون المزارع 2025».

15. مركز الأبحاث الاقتصادية (AEI): «التغييرات على الزراعة في قانون الموازنة 2025».