أين ولّت أنَفَة العرب؟

آخر تحديث: 28 أغسطس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

7 mins

في أخبار العرب امتدت حرب البسوس بين بكر وتغلب أربعين عاماً أشعلها كليبٌ بلغ من العلوّ حداً استباح فيه حِمى الجميع، فردّ جساسٌ أنفةً بأنفة، وفتح سباق داحس والغبراء بين عبس وذبيان سنوات من التناحر أشعلها غشٌّ في سباق خيل لم يحتمله مغبونٌ أبى أن يُظلم أمام قومه.

كان قتل الناقة والغش شرارتين في الظاهر، وتحتهما جذوة تسترسل إلى الفناء إذا غاب عنها ميزان يردّها. وأنا أعجب! أيّ طاقة كانت تضطرم تحت الحادثتين حتى خرج منهما كل هذا الدم؟

كلما عدت إلى شعر العرب الأولين شدّني وراء الفروسية والكرم ذلك النفور الحاد من الضيم، كأنه العصب الخفي لكثير من أخبارهم وأشعارهم، ومعه استعداد الرجل منهم أن يدفع من ماله وعمره، ويبلغ الثمن دمه أحياناً، كي يبقى واقفاً في موضع يراه لائقاً به. 

كانت الكلمة والنظرة تمسان موضعاً حساساً في نفسه، وللسكوت عن الإساءة كلفة تفوق أحياناً كلفة الرد، فالرجل كان يحمل اسمه واسم قومه معاً، يستمد من مكانتهم شيئاً من أمنه، ثم يردّ إليهم ما يصيبه من مدح أو مهانة. ولعل بيت عمرو بن كلثوم بقي حياً في الذاكرة العربية لأنه أخرج تلك النفس من أعماقها ووضعها في بيت واحد.

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا *  فنجهل فوق جهل الجاهلينا

في البيت شيء أكبر من التهديد ووراءه حياة صنعت لأهلها أخلاقاً تلائم قسوتها، فلا دولة تقف خلف قائل الشعر إذا ظُلم، ولا شرطة يصل إليها إذا سُلب، ولا محكمة تضمن له أن يعود حقه غداً، إنما وراءه قومه وهم العضد الذي يعينه على إدراك حقّه ومنع الضيم عن نفسه، كما قال الأجرد الثقفي:

مَن كان ذا عَضُدٍ يُدركْ ظُلامتَهُ * إنَّ الذليلَ الذي ليست له عَضُدُ

تنبو يداه إذا ما قلَّ ناصرُهُ * ويمنعُ الضيمَ إن أثرى له عددُ 

فإذا غاب القوم أو تخلوا عن واجب الذود، تداعى أمن الفرد، وهو تماماً ما عاشه الشاعر قريط بن أنيف حين استبيحت إبله وعجز قومه عن نصرته، فبكى حاله وتمنى الانتماء لقبلية صلبة تحمي هيبته قائلاً:

لو كُنتُ مِن مازِنٍ لَم تَستَبِح إِبِلي * بَنو اللَقيطَةِ مِن ذُهلِ بنِ شَيبانا

إِذاً لَقامَ بِنَصري مَعشَرٌ خُشُنٌ * عِندَ الحَفيظَةِ إِن ذو لَوثَةٍ لانا. 

فالرجل كان يجد في القبيلة ظهره وموضعه بين الناس، وتدخل سمعتها في أمنه كما تدخل قوتها في بقائه. فإذا شاع عن قوم قبول الضيم، جرّأ ذلك عليهم من حولهم، فغدت الهيبة سياجاً يردّ العدوان قبل وقوعه، واختلط الذود عن الكرامة بالذود عن الحياة.

ومن تلك الأرض خرجت المروءة العربية بصلابتها المعروفة، فكان الشح يضع الرجل في منزلة تضيق بها نفسه، وكان خذلان الجار عاراً يلاحقه، فإذا نزلت الشدة بقومه ثبت معهم لأن انفضاضه عنهم يسقطه في عينه قبل أعين الناس. وحملت الأنفة معها ميراثاً قاسياً أيضاً، فطالت الخصومة من أجل كلمة، وانتقل الثأر من جيل إلى جيل، ووجد الرجل نفسه مطالباً بدم لم يشهد سفكه، لأن الجرح خرج من صدر صاحبه واستقر في اسم الجماعة كلها، حتى استطاع دريد بن الصمة أن يلخص ذوبان الفرد في قومه بقوله “وهل أنا إلا من غزيّة إن غوت غويتُ، وإن ترشد غزيّة أرشدِ”.

بهذه النفس الحارة دخل العرب الإسلام، فجاؤوا إليه وهم أهل جوار ونصرة، يحفظون الأنساب ويألمون للمذلة، وتشتعل صدورهم سريعاً لكل ما يمس الكرامة. وأخذ الدين حرارتهم إلى أفق أوسع من حدود القبيلة، وربطها بغاية أكبر من حظ النفس، فاحتاج الغضب إلى ميزان قبل انفجاره، واحتاجت النصرة إلى حق يهديها، وراح الرجل يسأل نفسه لأي شيء يغضب، وأي قضية تستحق أن يبذل فيها أنفته.

وفي ضوء هذه النفس تُقرأ الآية ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ على نحو أقرب إلى القوم الذين نزلت فيهم الرسالة، فقد حفظ الإسلام للعزة نفورها من الهوان، ورفعها من حراسة صورة الفرد والقبيلة إلى معنى أعظم. وجاء قوله تعالى ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ ليضع هذه القوة في مواضعها، فالأخ موضع خفض الجناح، والمسلم أمام أخيه يملك مساحة أوسع للتجاوز عن حظ النفس، لأن كليهما يقف داخل دائرة أكبر من خصومتهما.

وامتد هذا التهذيب إلى المقولة الجارية على ألسنة العرب “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً”، فأبقى الإسلام ألفاظها، ونزع منها عصبية تجعل القرب ستراً للظلم. ولما سأل الصحابة عن وجه نصر الأخ ظالماً، أجاب صلى الله عليه وسلم أن يُمنع من الظلم، لأن تركه يمضي في الجور خذلان له وإن جاء في صورة الوفاء، وكفّ يده يحفظه من عاقبة يحمل وزرها وحده.

وبلغت هذه التربية أشد امتحاناتها يوم الحديبية، فقد صدّت قريش المسلمين عن مكة، واعترضت على كتابة “بسم الله الرحمن الرحيم” و”محمد رسول الله”، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم تعديل صيغة الصحيفة والرجوع بأصحابه في ذلك العام، ثم أمضى شروطاً أثقلت نفوسهم. 

وكان أسير الحمية سيقرأ في كل بند جرحاً للهيبة يستدعي الرد، فجاء القرآن يكشف ما جرى في القلوب بقوله تعالى ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: 26]. دفعت الحمية قريشاً إلى التصلب في الألفاظ، ومنحت السكينة المؤمنين قوة احتمال ما شقّ على نفوسهم، ثم سمّت السورة ما حسبته الأنفة رجوعاً فتحاً مبيناً.

وكشف ذلك الامتحان الفرق الدقيق بين العزة والحمية، فصاحب الغاية الكبيرة يملك أن ينزل عن صورة انتصار عابر ويبقى عزيزاً، ويقبل محو وصف من صحيفة لأن ثبوت الرسالة في يقينه أكبر من حروفها، ويؤخر دخول مكة لأن النصر في ميزانه أكبر من أن تختصره عمرة ذلك العام. وبذلك خرجت قوته من أسر رد الفعل، فأخذ يقدّر الموضع المستحق لغضبه، ويملك نفسه حيث تحفظ السكينة غايته من نزق الطريق، وما آلم الأنفة في ذلك اليوم فتح لها بعد قليل باب مكة.

بذا منح الإسلام هذه الطباع وجهة تليق بها، وجرى التحول على مراحل، تتقدم فيها رابطة العقيدة داخل نفوس بقيت رواسب العصبية تثور فيها كلما اشتد الغضب أو اضطرب السلطان. وقد ظهرت هذه الممانعة داخل المجتمع النبوي نفسه يوم تداعى رجلان بالمهاجرين والأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “دعوها فإنها منتنة”.

ومع ذلك ظل الميزان قائماً، يتعلم المسلم أن يخفض جناحه لأخيه من موقع عزة، ويهوّن ثأره الشخصي أمام حق أكبر، ويحمل شدته إلى موضع أجدر بها حتى أخذ سلطان الإسلام ينحسر عن السياسة والاجتماع وتفككت الجماعة الكبرى، فضاقت دوائر الولاء، وعاد العربي إلى جماعات أصغر تطلب نصرته وتستدعي أنفته. ومع كل انكماش في الغاية والرسالة عادت الطباع القديمة إلى ميادينها الأولى، حتى صار الولاء لقبيلة أو رهط، أو لقطر انتهى عند حدوده معنى الوطن ينافح عنه وعن سيده.

في هذا الأفق الضيق ترى كُليباً يطغى وجساساً يثأر، وكلاهما يحرس مكانته في عيون قوم يعرفهم ويطلب تقديرهم، فتدخل المكانة في أصل الخصومة، وتثقل الكلمة، ويكبر معنى التراجع، ثم يزيد القرب الجرح مضاضة، وهو ما التقطه طرفة بن العبد في قوله “وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهنّدِ”.

وتتكرر هذه المعارك البينيّة حتى تُستنزف في الداخل طاقة كان ميدانها أوسع، فإذا وقف العرب اليوم أمام قوة خارجية غازية أو محتلّة أو متغوّلة يعرفون مقدار بطشها، تقدّم عند كثير منهم حساب القوة على غضبهم، واتسع صدرهم لما كان يرفض معشاره من ندّه القريب، فترى جبروتهم يحضر في خصومة صغيرة، ويخبو أمام تحدٍّ كبير يستحق حضوره.

واليوم يحتاج العرب إلى غاية كبرى تجمع هذه الطاقة كما جمعتها الرسالة يوماً، ثم تنقل معنى العزة من حرارة النفس إلى قدرة تُبنى في مؤسسات العصر، داخل دولة يحفظ قانونها كرامة أهلها ويمنع بأسهم من الارتداد عليهم، ويسند اقتصادها قرارها أمام الضغوط، وتمنحها المعرفة التقنية موضعاً مؤثراً بين الأمم. 

هناك تجد الأنفة ميداناً يليق بها، في بناء أمّة رحيمة بأهلها، عزيزة في وجه من يستبيحها، تعرف لماذا تريد السيادة وماذا تريد بها.