الواقع الصحي في سوريا: إعادة بناء النظام قبل إعادة بناء المستشفيات

الوقت اللازم للقراءة:
15 minsيدخل القطاع الصحي السوري منذ بداية عام 2026 مرحلة تختلف جذرياً عن جميع المراحل التي مرّ بها منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011؛ فقد انحسر منطق الاستجابة الإنسانية الذي حكم إدارة الخدمات الصحية لسنوات، ليحلّ محلّه سؤال أكثر تعقيداً: كيف يُبنى نظام صحي وطني قادر على العمل بصورة مستدامة بعد سنوات طويلة من الانقسام والاستنزاف؟ لم يعد الجواب مرتبطاً بعدد المستشفيات التي أُعيد افتتاحها أو بحجم المعدات الطبية التي دخلت الخدمة، بل بقدرة الدولة على استعادة الوظائف الأساسية للنظام الصحي بوصفه مؤسسة عامة مسؤولة عن التخطيط والتنظيم والرقابة وضمان العدالة في الوصول إلى الخدمات.
وتتزامن هذه المرحلة مع إطلاق وزارة الصحة استراتيجيتها للأعوام 2026–2028، التي يُفترض أن تمثّل أول محاولة لإعادة توجيه القطاع من إدارة آثار الأزمة التي خلّفها نظام الأسد والمنظومات الإدارية المتعددة، إلى بناء نظام أكثر كفاءة واستدامة. غير أن نجاحها يتوقّف على قدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية المتراكمة — وفي مقدّمتها ضعف التكامل المؤسسي وتشتّت قواعد البيانات والتفاوت في توزيع الموارد وغياب أدوات التخطيط المبنية على المعلومات — لا على تنفيذ مشروعات إنشائية فحسب.
ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسة مفادها أن التحدّي الأكبر الذي يواجه القطاع الصحي السوري اليوم لا يكمن في إعادة بناء المستشفيات، وإنما في إعادة بناء النظام الصحي نفسه؛ فالمؤسسات الصحية الحديثة لا تُقاس بجودة مبانيها، وإنما بقدرتها على إدارة الموارد بكفاءة وإنتاج البيانات واتخاذ القرار وضمان استمرارية الخدمة في مختلف الظروف. ومن دون إصلاح هذه المرتكزات، ستظلّ أي استثمارات في البنية التحتية معرّضة لفقدان جزء كبير من أثرها التنموي.
مقدمة
تتلخّص حالة الدولة السورية اليوم في قطاعها الصحي أكثر مما تتلخّص في أي قطاع آخر؛ فحين تكون المؤسسات العامة قادرة على التخطيط وتوزيع الموارد ومراقبة الأداء، تظهر نتائج ذلك سريعاً في جودة الخدمات الصحية. وعندما تتراجع كفاءة الإدارة أو تتشظّى المؤسسات، يكون القطاع الصحي من أوائل القطاعات المتأثّرة، لا بسبب نقص التمويل وحده، وإنما بسبب فقدان القدرة على إدارة الموارد المتاحة بصورة فعّالة.
وهذا ما حدث في سوريا تدريجياً خلال سنوات الثورة؛ فالمشكلة لم تكن في حجم الدمار الذي أصاب المنشآت الصحية وحده، على ضخامته، وإنما في تفكّك البيئة المؤسسية التي كانت تنظّم عمل القطاع قبل عام 2011.
فقد نشأت منظومات إدارية متعددة في شمال غرب سوريا وشمال شرقها وفي جنوبها، لكلٍّ منها قواعدها التنظيمية وآلياتها التشغيلية وهياكلها المؤسسية، ومعاييرها المختلفة في إدارة الموارد البشرية وترخيص المنشآت وتقديم الخدمات وجمع البيانات، بل وفي تحديد الأولويات الصحية نفسها. ومع بداية مرحلة التعافي، أصبحت سوريا أمام واقع غير مسبوق يتمثّل في محاولة دمج هذه المنظومات داخل إطار وطني واحد، وهي عملية أكثر تعقيداً من إعادة تأهيل المباني أو شراء التجهيزات، لأنها تمسّ طريقة إدارة القطاع الصحي نفسه.
وعادةً ما يُختزل التعافي في صور المستشفيات التي يُعاد افتتاحها أو الأجهزة الطبية الحديثة التي تدخل الخدمة. غير أن هذه المؤشّرات، على أهميتها، لا تكفي للحكم على نجاح الإصلاح؛ فقد نجحت دول عديدة في إعادة بناء منشآتها الصحية خلال سنوات قليلة، لكنها احتاجت عقداً أو أكثر لاستعادة كفاءة نظامها الصحي نفسه، لأن إعادة بناء المؤسسات أشدّ تعقيداً من إعادة بناء الأبنية.
ويكتسب عام 2026 أهمية خاصة، لأنه يمثّل بداية انتقال الدولة من إدارة مرحلة استثنائية فرضتها سنوات الصراع مع نظام الأسد، إلى استعادة وظائفها الطبيعية في التخطيط والتنظيم والإشراف. فلم تعد القضية الأساسية كيفية تشغيل مؤسسة صحية هنا أو إعادة تأهيل مستشفى هناك، بل كيفية بناء نظام قادر على إدارة هذه المؤسسات جميعها ضمن رؤية وطنية موحّدة.
والسؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: كم مستشفى يحتاج إلى إعادة الإعمار؟ بل: أيُّ نظام صحي تريد سوريا أن تُرسيه خلال العقد القادم؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدّد طبيعة السياسات الصحية وأولويات الاستثمار وشكل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، كما ستحدّد قدرة النظام الصحي على الصمود أمام الأزمات المستقبلية، سواء كانت اقتصادية أو وبائية أو بيئية.
النظام الصحي المجزّأ، التحدي الذي لا تظهره الخرائط
يُخيّل للناظر إلى القطاع الصحي السوري من زاوية عدد المستشفيات أو المراكز الصحية أن سوريا تواجه مشكلةً يمكن حلّها بإعادة الإعمار وتوفير التمويل. غير أن القراءة المؤسّسية تكشف واقعاً أكثر تعقيداً؛ فخلال سنوات الثورة لم ينقسم المجال الجغرافي وحده، بل انقسمت معه قواعد إدارة الصحة نفسها.
وبمرور الوقت تشكّلت بيئات تنظيمية مختلفة، لكلٍّ منها آلياتها في الترخيص وإدارة الموارد البشرية والإشراف على المؤسسات الصحية وتحديد الأولويات التشغيلية. ومع عودة مؤسّسات الدولة إلى قيادة القطاع، لم يكن المطلوب استعادة السيطرة الإدارية فحسب، بل إعادة دمج هذه البيئات في منظومة وطنية واحدة.
ويختلف هذا النوع من الانقسام عن الأضرار المادية اختلافاً جوهرياً؛ فالمباني يمكن إعادة تأهيلها خلال سنوات، أما توحيد المؤسسات فيحتاج إلى توافق على المعايير وإعادة تنظيم الإجراءات وبناء الثقة بين المستويات المختلفة للإدارة. فالطبيب الذي عمل ضمن نظام إداري معيّن، سواء لدى قسد أو في مناطق سيطرة نظام الأسد سابقاً، والمؤسّسة التي اعتادت نمطاً محدداً من الرقابة، لا ينتقلان تلقائياً إلى نموذج آخر بمجرد صدور قرار إداري. ولذلك فإن إعادة توحيد القطاع الصحي هي في جوهرها عملية مؤسسية وثقافية بقدر ما هي عملية تنظيمية.
ويظهر أثر هذا الواقع في تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تؤثّر مباشرةً في كفاءة النظام؛ فاختلاف الإجراءات الإدارية وتباين طرق حفظ السجلات وتعدّد آليات تقييم الأداء تؤدّي في النهاية إلى صعوبة إنتاج صورة وطنية متكاملة عن القطاع، ويزداد معها تعقيد اتخاذ أي قرار على المستوى الوطني حين لا تكون البيانات والأنظمة التي يستند إليها موحّدة.
ولا ينبغي النظر إلى هذه التحديات باعتبارها نتيجة فشل إداري، بل باعتبارها انعكاساً طبيعياً لسنوات طويلة عملت خلالها المؤسسات الصحية في ظروف مختلفة. ومن هنا فإن نجاح مرحلة التعافي يتوقّف على قدرة الدولة على الانتقال من إدارة هذا التنوّع إلى توحيده، دون أن تفقد المرونة التي اكتسبتها بعض المؤسسات خلال سنوات الثورة.
عندما تصبح المؤسسة أهم من المبنى، ولماذا تبدأ من الحوكمة
تنزع النقاشات المتعلّقة بالصحة إلى التركيز على الخدمة التي تصل إلى المواطن، بينما تبقى طريقة إدارة تلك الخدمة بعيدة عن الاهتمام العام. غير أن جودة الخدمة هي في النهاية انعكاس مباشر لجودة الإدارة؛ فكل تأخير في وصول الدواء، أو نقص في الكوادر، أو تفاوت في الخدمات بين المحافظات، يبدأ غالباً بقرار إداري أو غياب إجراء أو ضعف في التنسيق بين المؤسسات.
فالمنشأة الصحية ليست سوى الواجهة المرئية للنظام الصحي؛ أما الجزء غير المرئي، وهو الإدارة والحوكمة والبيانات والتمويل والموارد البشرية، فهو الذي يحدّد في النهاية قدرة هذه المنشأة على أداء وظيفتها. وقد يمتلك مستشفىً أحدث الأجهزة الطبية ويظلّ عاجزاً عن تقديم خدمة فعّالة إذا غابت عنه الكوادر المؤهّلة أو تعطّلت سلاسل الإمداد أو افتقر إلى نظام معلومات يتيح إدارة الموارد واتخاذ القرار. والعكس صحيح، إذ يمكن لمؤسسة صحية بإمكانات متوسّطة أن تحقّق نتائج أفضل عندما تعمل ضمن نظام إداري منظّم يوزّع الموارد بكفاءة ويقيس الأداء بصورة مستمرة ويستجيب بسرعة للتحديات.
ولهذا تبدأ إعادة بناء النظام الصحي بإعادة تعريف دور الدولة في القطاع؛ فالدولة لا تُقاس بعدد المشافي التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على وضع السياسات وتنظيم العلاقة بين مختلف مقدّمي الخدمات وضمان جودة الرعاية الصحية وحماية حق المواطنين في الوصول إليها دون تمييز. وهذا هو جوهر الحوكمة، التي أصبحت خلال العقدين الماضيين أحد أهم المفاهيم في إصلاح الأنظمة الصحية حول العالم؛ والمقصود بها ليس زيادة المركزية أو تقليصها، وإنما بناء منظومة واضحة لتوزيع الصلاحيات وربط المسؤولية بالمحاسبة وإتاحة المعلومات وقياس الأداء بصورة دورية. وهذه الوظائف تحديداً هي التي تعرّضت للانهيار في عموم سوريا خلال سنوات الثورة، وهي التي ينبغي أن تشكّل نقطة الانطلاق في أي برنامج إصلاحي خلال المرحلة المقبلة.
وتبرز الحوكمة في الحالة السورية باعتبارها الحلقة التي تربط جميع ملفات الإصلاح ببعضها؛ فمن دون إدارة فعّالة، لن تحقّق زيادة الإنفاق أثرها المتوقع، ولن يؤدي بناء مستشفى جديد إلى تحسين الخدمة، ولن تنجح برامج التحوّل الرقمي في تغيير طريقة عمل المؤسسات. ولذلك فإن الإصلاح المؤسسي يجب أن يسبق التوسّع في الإنفاق، لأنه هو الذي يحدّد الكيفية التي ستُستخدم بها الموارد.
ولا تعني استعادة هذه الوظائف المؤسسية العودة إلى النموذج الإداري الذي كان قائماً قبل الثورة، بل تمثّل فرصة لإعادة بناء نظام أكثر مرونة وأكثر اعتماداً على البيانات وأكثر قدرة على الاستجابة للتغيرات السكانية والاقتصادية والتكنولوجية، وقد تحرّر من قيود الفساد والمحسوبيات. لذلك فإن مرحلة التعافي لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عودة إلى ما كان، بل باعتبارها فرصة لتأسيس نموذج صحي جديد يستفيد من دروس السنوات الماضية ويتجنّب إعادة إنتاج مواطن الضعف التي كشفتها الثورة.
الأزمة الحقيقية ليست في نقص الموارد، بل في إدارة الموارد
من السهل تفسير تراجع أداء القطاع الصحي بنقص التمويل أو هجرة الكفاءات أو تضرّر المنشآت، فجميعها عوامل حقيقية ومؤثرة. إلا أن الاقتصار على هذه التفسيرات يخفي مشكلة أعمق، وهي ضعف القدرة المؤسسية على إدارة الموارد المتاحة؛ فالتجارب الدولية تؤكّد أن الأنظمة الصحية لا تتفوّق لأنها تمتلك ميزانيات أكبر فحسب، وإنما لأنها تعرف كيف تستخدم تلك الميزانيات بكفاءة.
ويبرز هذا الأمر بوضوح في العلاقة بين البيانات وصنع القرار؛ فالتخطيط الصحي يبدأ بمعرفة دقيقة لعدد السكان وتوزّعهم وأنماط الأمراض وحجم القوى العاملة والطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية. وعندما تكون هذه المعلومات غير مكتملة أو موزّعة بين قواعد بيانات منفصلة، يصبح التخطيط أقرب إلى إدارة الاحتمالات منه إلى إدارة الحقائق، وتتحوّل القرارات إلى استجابات ظرفية بدلاً من أن تكون جزءاً من رؤية استراتيجية طويلة المدى.
ولا يقتصر أثر البيانات على التخطيط، بل يمتد إلى التمويل أيضاً؛ فمن دون معلومات دقيقة عن الأداء والاحتياجات، يصعب توجيه الموارد إلى الأماكن الأكثر احتياجاً أو تقييم أثر الإنفاق العام أو قياس كفاءة البرامج الصحية. وهنا تظهر أهمية بناء نظام معلومات صحي وطني، لا بوصفه مشروعاً تقنياً، وإنما باعتباره أحد أهم أدوات الإصلاح المؤسسي؛ فالمعلومات أصبحت اليوم مورداً لا يقلّ أهمية عن التمويل أو التجهيزات، بل هي الشرط الذي يجعل استخدام تلك الموارد أكثر كفاءة وعدالة.
والأمر ذاته ينطبق على الموارد البشرية؛ فالحديث عن نقص الأطباء أو الممرضين يبقى ناقصاً إذا لم نتجاوزه إلى أسئلة أكثر تخصّصاً: أين يوجد هذا النقص؟ وما التخصّصات الأكثر احتياجاً؟ وكيف سيتغير الطلب على الكوادر خلال السنوات المقبلة؟ إن غياب خريطة وطنية متكاملة للقوى العاملة الصحية يجعل سياسات التوظيف والتدريب أقلّ قدرة على معالجة الاختلالات الحقيقية، ويؤدّي في كثير من الأحيان إلى استمرار الفجوة بين المناطق أو الاختصاصات.
الرعاية الصحية الأولية، الاستثمار الذي يقلل الحاجة إلى المستشفيات
تكشف خبرات الأنظمة الصحية الناجحة أن المستشفى ليس نقطة البداية، بل نقطة النهاية في سلسلة الرعاية؛ فكلما نجحت خدمات الرعاية الأولية في الكشف المبكر والوقاية والمتابعة، انخفضت الحاجة إلى العلاج المعقد داخل المستشفيات وتراجعت كلفة النظام الصحي ككل. ويكتسب هذا الدرس أهمية خاصة في سوريا، لأن سنوات الثورة فرضت تركيزاً كبيراً على الخدمات الإسعافية والعلاجية، بينما تراجعت بعض وظائف الرعاية الأولية التي تمثّل أساس أي نظام صحي مستدام. ومع دخول مرحلة التعافي، تبدو الفرصة سانحة لإعادة بناء هذه الحلقة، ليس بوصفها مستوى إدارياً أقل أهمية، وإنما باعتبارها البنية التي تمنع تحوّل المشكلات الصحية البسيطة إلى أعباء علاجية كبيرة.
ولا يقتصر دور الرعاية الأولية على تقديم الخدمة الطبية، بل يمتد إلى التثقيف الصحي ومتابعة الأمراض المزمنة وصحة الأم والطفل والتحصين والكشف المبكر والصحة النفسية المجتمعية. وكل توسّع في هذه الخدمات ينعكس مباشرة على كفاءة النظام الصحي، لأنه يقلّل الضغط على المستشفيات ويحسّن جودة الحياة ويخفض الإنفاق العام على العلاج. ولهذا فإن الاستثمار في الرعاية الأولية ليس خياراً اقتصادياً فحسب، بل هو خيار استراتيجي يعيد توجيه النظام الصحي من معالجة المرض بعد وقوعه إلى الحفاظ على الصحة قبل تدهورها.
التحول الرقمي، فرصة لإعادة تصميم النظام الصحي
يصعب تصوّر إصلاح حقيقي للقطاع الصحي في القرن الحادي والعشرين دون تحوّل رقمي، إلا أن الخطأ الأكثر شيوعاً يتمثل في اختزال هذا التحول في شراء الحواسيب أو رقمنة الملفات الورقية، بينما يكمن جوهره في إعادة تصميم طريقة عمل المؤسسات الصحية نفسها. فالرقمنة في صلبها مشروع إصلاح إداري يعيد صياغة العلاقة بين البيانات وصنع القرار قبل أن تكون مشروعاً تقنياً، ولا يمكن إنجازها بتحديث البرمجيات وحدها، بل ببناء بنية معلوماتية وطنية تعتمد معايير موحّدة لإنتاج البيانات وتبادلها وتحليلها.
ويمثّل السجل الصحي الإلكتروني أحد أهم مكوّنات هذا التحول، لأنه يربط رحلة المريض داخل النظام الصحي ويمنح الأطباء إمكانية الوصول إلى المعلومات السريرية بصورة أكثر دقة وسرعة ويحدّ من تكرار الفحوص والإجراءات، كما يتيح لصانع القرار متابعة مؤشرات الأداء بصورة لحظية. ومع مرور الوقت، تصبح البيانات المتولّدة عن هذا النظام أداة لتوقّع الاحتياجات المستقبلية وتوجيه الموارد وتقييم السياسات العامة، وهو ما يجعلها جزءاً من البنية التحتية للدولة، لا مجرد وسيلة لحفظ المعلومات.
ولا يقتصر أثر الرقمنة على الخدمات العلاجية، بل يمتد إلى إدارة الدواء وإصدار التراخيص ومتابعة المخزون ورصد الأمراض وإدارة الموارد البشرية والرقابة المالية. وكلما ازدادت درجة التكامل بين هذه الأنظمة، ارتفعت قدرة القطاع الصحي على العمل بكفاءة، وانخفضت مساحة الاجتهادات الفردية التي غالباً ما تتّسع في البيئات التي تفتقر إلى المعلومات.
التمويل المستدام، من زيادة الإنفاق إلى رفع الكفاءة
تتطلّب إعادة بناء القطاع الصحي استثمارات مالية كبيرة، إلا أن التجارب المقارنة تشير إلى أن حجم الإنفاق ليس العامل الوحيد الذي يحدّد نجاح الأنظمة الصحية. فهناك دول تنفق موارد ضخمة دون أن تحقّق نتائج متناسبة، بينما استطاعت دول أخرى، بإمكانات أكثر تواضعاً، أن تبني أنظمة أكثر كفاءة بفضل الإدارة الرشيدة وتحديد الأولويات.
ولهذا ينبغي أن ينتقل النقاش حول تمويل الصحة في سوريا من سؤال «كم ننفق؟» إلى سؤال «كيف ننفق؟». فالإنفاق غير المرتبط بالأهداف أو بالمؤشرات القابلة للقياس قد يؤدي إلى توسّع في النفقات دون تحسّن مماثل في جودة الخدمات، أما ربط التمويل بالأداء فيمنح المؤسسات الصحية حافزاً لتحسين الكفاءة ويعزّز قدرة الدولة على تقييم أثر الاستثمار العام.
وسيبقى تنويع مصادر التمويل ضرورة خلال مرحلة التعافي، شريطة أن يتمّ ذلك ضمن إطار وطني واضح يحافظ على الدور التنظيمي للدولة ويمنع تحوّل التمويل الخارجي أو الاستثمارات الخاصة إلى بديل عن السياسات الصحية الوطنية؛ فالاستدامة المالية لا تتحقق بتوفير الأموال فحسب، وإنما ببناء منظومة قادرة على استخدام تلك الأموال بصورة أكثر عدالة وكفاءة.
الأمن الدوائي، قضية سيادية قبل أن تكون صحية
أظهرت السنوات الماضية أن استقرار القطاع الصحي لا يعتمد على عدد المشافي فحسب، بل على قدرة الدولة على ضمان استمرار توافر الأدوية والمستلزمات الطبية. وقد بيّنت الأزمات العالمية الأخيرة، بما فيها اضطرابات سلاسل التوريد، أن الدول التي تمتلك قاعدة إنتاج دوائي قوية وأنظمة رقابة فعّالة تكون أكثر قدرة على حماية نظمها الصحية من التقلبات الخارجية.
وبالنسبة لسوريا، ينبغي النظر إلى الأمن الدوائي بوصفه جزءاً من الأمن الوطني، وهذا يقتضي دعم الصناعة الدوائية المحلية وتطوير منظومة الرقابة على الجودة وتنويع مصادر المواد الأولية وتعزيز أنظمة التتبّع الإلكتروني، بما يحدّ من الهدر ويحسّن إدارة المخزون. كما يتطلّب بناء سياسات واضحة لتحديد الأدوية الأساسية وضمان استمرار توافرها حتى في الظروف الاقتصادية الصعبة. ولا يعني ذلك السعي إلى الاكتفاء الذاتي الكامل، وهو هدف يصعب تحقيقه في ظل طبيعة صناعة الدواء العالمية، وإنما بناء قدرة وطنية تقلّل من الهشاشة وتجعل النظام الصحي أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
ماذا تقول التجارب الدولية؟
لم تستعد أي دولة خرجت من صراع كفاءة نظامها الصحي خلال سنوات قليلة؛ فجميع التجارب الناجحة مرّت بمرحلة انتقالية ركّزت على بناء المؤسسات قبل التوسّع في الإنفاق. ففي رواندا، لم تبدأ عملية الإصلاح من تشييد المستشفيات، بل من إعادة تنظيم الإدارة الصحية وبناء نظام معلومات وطني وتوسيع الرعاية الصحية الأولية وربط التمويل بمؤشرات الأداء، وقد أتاح ذلك استخدام الموارد المحدودة بكفاءة أعلى وتحقيق تحسّن ملحوظ في المؤشرات الصحية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
أما البوسنة والهرسك، فقد واجهت تحدّياً مشابهاً يتمثل في تعدد الهياكل الإدارية بعد الحرب، الأمر الذي جعل توحيد السياسات الصحية أكثر تعقيداً من إعادة إعمار المنشآت. وأظهرت التجربة أن استمرار الانقسام المؤسسي ينعكس مباشرة على العدالة في توزيع الخدمات وعلى كفاءة الإنفاق العام.
وفي سيراليون، التي واجهت آثار الحرب الأهلية ثم وباء الإيبولا، برزت أهمية الاستثمار في الصحة العامة ونظم الترصد الوبائي وتدريب الكوادر، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية. وقد أثبتت هذه التجربة أن الأنظمة الصحية القادرة على إنتاج البيانات والاستجابة السريعة تكون أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المتلاحقة.
ورغم اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية بين هذه الدول وسوريا، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في حقيقة واحدة: الإصلاح المؤسسي كان يسبق دائماً التوسّع العمراني ولم يكن نتيجة له. وهذه ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها عند التفكير في مستقبل القطاع الصحي السوري.
سياسات مقترحة لمرحلة التعافي
إذا كانت إعادة بناء النظام الصحي هي الهدف، فإن السياسات المطلوبة ينبغي أن تركّز على جذور المشكلة لا على مظاهرها. ويأتي في مقدمة الأولويات إنشاء قاعدة بيانات صحية وطنية موحّدة تكون المرجعية الأساسية للتخطيط وتوزيع الموارد وتقييم الأداء، مع استكمال مشروع السجل الصحي الإلكتروني وربط جميع المؤسسات الصحية ضمن منظومة معلومات واحدة، وإعداد خريطة وطنية للقوى العاملة الصحية تربط سياسات التوظيف والتدريب والإيفاد بالاحتياجات الفعلية.
ويحتاج نظام الإحالة بين مستويات الرعاية إلى إعادة تنظيم، بحيث تستعيد الرعاية الصحية الأولية دورها بوصفها البوابة الرئيسة لدخول المرضى إلى النظام الصحي، الأمر الذي يخفّف الضغط عن المستشفيات ويرفع كفاءة استخدام الموارد.
ويكتسب إصلاح الإدارة الصحية أهمية خاصة، من خلال تبسيط الإجراءات وإنشاء آليات مستقلة لقياس الأداء المؤسسي ونشر مؤشرات دورية تعزّز الشفافية والمساءلة. ولا يعني ذلك أن الوزارة مطالبة بإدارة كل تفصيل يومي، بل على العكس؛ فكلما ازداد تعقيد النظام الصحي، ازدادت الحاجة إلى توزيع واضح للأدوار بين الإدارة المركزية ومديريات الصحة والمؤسسات الصحية، بحيث يضع المركز السياسات والمعايير الوطنية، وتُمنح الجهات المحلية مساحة كافية لتكييف التنفيذ مع احتياجاتها، ضمن إطار موحّد للمساءلة والرقابة.
وفي الجانب المالي، تبدو الحاجة ملحّة إلى الانتقال التدريجي نحو موازنات قائمة على الأداء، بحيث يرتبط التمويل بالنتائج الصحية وجودة الخدمات، لا بحجم الإنفاق أو عدد المؤسسات وحدهما.
الخاتمة
يقف القطاع الصحي السوري في عام 2026 عند نقطة فاصلة بين مرحلتين مختلفتين؛ الأولى كانت محكومة بمنطق إدارة الأزمة، حيث انصبّت الجهود على الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات في ظل ظروف استثنائية منذ تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024. أما الثانية، فهي مرحلة إعادة بناء الدولة، التي يصبح فيها السؤال الأساسي كيفية تأسيس نظام صحي قادر على الاستمرار لعقود مقبلة، لا كيفية تجاوز أزمة آنية.
ولقد أثبتت التجارب الدولية أن الأنظمة الصحية التي خرجت أكثر قوة بعد الصراعات لم تكن تلك التي أعادت بناء منشآتها أولاً، بل تلك التي أعادت بناء مؤسساتها. ومن هنا، فإن الفرصة التي تملكها سوريا اليوم لا تتمثل في إصلاح ما تضرّر فحسب، وإنما في تصميم نظام صحي أكثر عدالة وكفاءة وقدرة على الصمود من ذلك الذي كان قائماً قبل الثورة. فإعادة بناء المستشفيات خطوة ضرورية، لكنها ليست الخطوة المفصلية؛ أما إعادة بناء النظام الصحي، فهي المشروع الذي سيحدّد مستقبل الصحة العامة في سوريا، وسيقيس في نهاية المطاف قدرة الدولة على تحويل مرحلة التعافي إلى مسار تنموي مستدام، يضع الإنسان في قلب السياسات العامة ويجعل الحق في الصحة جزءاً من مشروع إعادة بناء الوطن بأكمله.

