القوة الأمريكية التي لا يراها أحد

آخر تحديث: 4 أغسطس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

14 mins

يسأل سائل كيف تستطيع الولايات المتحدة التدخّل عسكرياً في الخليج العربي، أو إرسال قواتها إلى أوروبا الشرقية، أو حشد أساطيلها في غرب المحيط الهادئ خلال أيام أو أسابيع قليلة رغم آلاف الكيلومترات التي تفصل الولايات المتحدة عن هذه البقع؟ وكيف يمكن لدولة تقع في قارة بعيدة، على الطرف الآخر من بحار ومحيطات، أن تحافظ على حضور دائم في مناطق تمتد من اليابان وكوريا الجنوبية شرقاً إلى أوروبا والشرق الأوسط غرباً؟

للوهلة الأولى، قد تبدو الإجابة بسيطة: لأن الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم وأضخم ميزانية دفاعية عرفها التاريخ الحديث. غير أن هذا التفسير، على وجاهته، لا يعكس الصورة الكاملة. القوة العسكرية، مهما بلغ حجمها، لا تستطيع تجاوز قوانين الجغرافيا بمفردها؛ إذ أنّ الطائرات تحتاج إلى مطارات تهبط فيها وتتزود بالوقود، والسفن الحربية تحتاج إلى موانئ الصيانة والإمداد، والجيوش تحتاج إلى طرق عبور وشبكات لوجستية تضمن وصول الجنود والعتاد إلى ساحات العمليات. ومن دون هذه العناصر، تبقى القوة العسكرية، مهما بلغت ضخامتها، قوة كامنة لا تستطيع تحويل تفوقها إلى نفوذ فعلي خارج حدودها الجغرافية.

فماذا تحتاج الولايات المتحدة لتبقى القوة في كلّ مكان؟

تقع الولايات المتحدة الأمريكية في موقع جغرافي بعيد عن ساحات الصراع ومناطق النفوذ حول العالم، وهو ما يشكّل عائقاً وميزة في الوقت نفسه، إذ أنها في منأى عن نيران الحروب والصراعات التي حدثت على الجانب الآخر من الأطلسي. ومن ثم حرصت الولايات المتحدة، المدركة لهذه الميزة، على تأمين حديقتها الخلفية لأوروبا ودول القارة اللاتينية منذ نشأتها، أي أن الولايات المتحدة، أحاطت نفسها بحزام أمني يحصّن أمنها القومي.

ولكن مع تحصين الأمن القومي وصون الحدائق الخلفية والتطيّب بنعمة العزلة، أدركت واشنطن أن العامل الجغرافي هو عائق أمام الرغبة الامريكية في الهيمنة العالمية رغم امتلاكها لكافة الأدوات العسكرية الهائلة؛ من طائرات حربية حديثة ومتطورة،  وأساطيل بحرية إلى دبابات وصواريخ وآليات عسكرية من الطراز الرفيع. 

وهناعملت واشنطن على بناء شبكة علاقات واسعة وتشكيل تحالفات استراتيجية والحصول على موطئ قدم بالقرب من مناطق النفوذ والصراع، إذ في وقت مبكر أنها لن تستطيع بمفردها الوصول إلى أطماعها في توسيع نفوذها وفرض الهيمنة لا سيما على مناطق بعيدة كالشرق الأوسط وشرق آسيا، كما أن طبيعة النظام الدولي المعاصر تفرض قيوداً غير مباشرة على أي قوة تسعى للهيمنة المطلقة، حتى لو كانت بحجم الولايات المتحدة.

فتكلفة التدخّل العسكري المباشر في مناطق متعددة في الوقت نفسه أصبحت باهظة جداً من الناحية الاقتصادية والبشرية والسياسية، وهو ما دفعها إلى البحث عن آليات تقلّل من الاستنزاف المباشر لقوتها. ولذلك أصبحت تعتمد بشكل كبير على «الإدارة عن بعد» للأزمات بدل الدخول المباشر الكامل، أي التأثير في مجريات الصراع من خلال الوجود المحدود أو الدعم غير المباشر أو الضغط السياسي، مما يجعل استمرار الهيمنة مرتبطاً بقدرتها على تقاسم الأعباء مع أطراف أخرى داخل النظام الدولي، وليس عبر العمل منفردة بشكل كامل. 

في هذا الإطار يمكننا فهم جزء مهم من السلوك الأمريكي في إدارة الصراعات العالمية من خلال مفهوم «حروب الوكالة»، حيث أن الولايات المتحدة تعتمد على أطراف محلية أو إقليمية لتنفيذ اهدافها الاستراتيجية بشكل غير مباشر. وهو نمطٌ سمح لها  بتقليل التكلفة البشرية والسياسية لأي صراع، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قدرتها على التأثير في موازين القوى داخل مناطق النفوذ المختلفة. فبدلاً من خوض حرب شاملة مكلفة، يتم توجيه الصراع عبر دعم أطراف معينة بالسلاح أو التمويل أو التدريب أو الاستخبارات.

كيف تتجاوز واشنطن عائق الجغرافيا؟

 يُعد هنا مفهوم إسقاط القوة (Power Projecting) أحد أهم الركائز الأساسية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، وهو مفهوم برز بشكل واضح مع توسع دور وزارة الدفاع الأمريكية، أو البنتاغون، خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، يقوم على فكرة أساسية مفادها قدرة الدولة على نقل قوتها العسكرية إلى مناطق بعيدة عن حدودها الجغرافية، وإبقاء هذه القوة في حالة انتشار دائم يسمح بالتدخّل السريع وإدارة الأزمات في أي منطقة من العالم. تجسد هذا المفهوم عملياً من خلال بناء منظومة متكاملة تشمل الأساطيل البحرية والقواعد العسكرية وشبكات الإمداد والتموين المنتشرة عالمياً.

انطلاقاً من هذا التصور العملي، جاءت النظريات الجيوبوليتيكية لتمنح هذا التوجه إطاراً فكرياً أكثر وضوحاً، حيث قدم الأدميرال الأمريكي ألفرد ثاير ماهان (Alfred Thayer Mahan) تصوّراً يقوم على أن القوة البحرية هي أساس الهيمنة العالمية، لأن السيطرة على البحار تعني السيطرة على التجارة العالمية وخطوط الإمداد العسكرية والاقتصادية. في ذات السياق ، طوّر المفكر الأمريكي نيكولاس سبيكمان (Nicholas John Spykman) رؤيته التي نقلت مركز التحليل من البحار المفتوحة فقط إلى ما أسماه حافة الأرض (Rimland)، وهي المناطق الساحلية المحيطة بالقارات، باعتبارها المجال الحقيقي للتنافس بين القوى الكبرى ونقطة الاتصال الحاسمة بين اليابسة والبحر. 

وبهذا الأساس النظري والعملي، أصبحت الممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية جزءاً محورياً في بنية القوة الأمريكية.

المضائق: النقاط الحرجة  

ويأتي في مقدمة هذه الممرات مضيق هرمز الذي يشكل نقطة ارتكاز رئيسية في حركة الطاقة العالمية القادمة من الخليج العربي، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز نحو الأسواق الدولية، ما يمنحه مكانة محورية في معادلات الامن الاقتصادي العالمي. اكتسب المضيق أهمية إضافية خلال التصعيدات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث انعكس ارتفاع مستوى التوتر في المنطقة بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، من خلال ارتفاع أسعار النفط وتزايد حالة عدم الاستقرار في الإمدادات، نتيجة المخاوف المستمرة من احتمال تعطل حركة الملاحة أو استهداف ناقلات النفط في الخليج، ما جعله ورقة ضغط جيوسياسية مؤثرة في توازنات القوى الإقليمية والدولية.

أما مضيق ملقا، فيشكّل أحد أهم الممرات البحرية في العالم الحديث، حيث تمر عبره حركة التجارة القادمة من شرق آسيا والمتجهة نحو الأسواق العالمية، بما في ذلك الإمدادات الحيوية للصين، وفي المقابل تمثل قناة بنما عقدة جغرافية محورية في النظام البحري العالمي، إذ تربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، منحت الولايات المتحدة قدرة استراتيجية على إعادة توزيع قواتها البحرية بسرعة بين مسارح العمليات المختلفة، بما يعزز مفهوم “إسقاط القوة” على نطاق عالمي واسع.  

وبذلك يتضح أن الولايات المتحدة تمتلك منظومة متعددة من أدوات القوة التي مكّنتها من تجاوز عائق الجغرافيا والحدود، وتحويل بعدها الجغرافي عن مراكز الصراع إلى عنصر قوة بدل أن يكون عنصر ضعف. ويقوم هذا التحول على استخدام أدوات غير تقليدية لا تعتمد على القوة العسكرية المباشرة، بل على أدوات تتميز بها أمريكا عن باقي دول العالم  وتشكل  تأثيراً في بنية النظام الدولي، وفي مقدمتها القوة الناعمة والقوة اللاصقة.

القوة الناعمة واللاصقة

تُعد القوة الناعمة (Soft Power) أحد أهم هذه الأدوات وأكثرها تأثيراً في تشكيل صورة الولايات المتحدة عالمياً،  صاغ هذا المفهوم الأكاديمي الأمريكي جوزيف ناي (Joseph Nye)، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، حيث يوضّح في كتابه القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة العالمية (Soft Power: The Means to Success in World Politics) أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً بقدرتها على الجذب والإقناع وتشكيل تفضيلات الآخرين دون استخدام الإكراه. ووفق هذا التصور، تصبح الثقافة والقيم والنموذج السياسي الأمريكي أدوات تأثير فعالة، تجعل الولايات المتحدة حاضرة في الوعي العالمي دون الخوض في مسألة البعد الجغرافي.

صنعت القوة الناعمة تاثيراً غير مسبوقاً على المجتمعات والشعوب في مختلف أنحاء العالم، حيث تعمل على تشكيل التصوّرات العامة وصناعة الاتجاهات الثقافية والفكرية للأفراد. فمثلاً تختص صناعة السينما الأمريكية، وعلى رأسها هوليوود، بدور محوري في تشكيل الوعي الجمعي لشعوب العالم في مشارق الأرض ومغاربها.

أما القوة اللاصقة (Sticky Power)، فهي تمثل المستوى الأعمق من النفوذ الأمريكي، كونها تقوم على خلق شبكة من الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم، لتصبح الأنظمة الاقتصادية والتكنولوجية والمالية مرتبطة بشكل بنيوي يصعب الانفكاك عنه. وقد تعزز هذا النمط من القوة من خلال الهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي عبر الدولار، وعلى البنية التكنولوجية الرقمية من خلال الشركات الكبرى ومنصات الاتصال والبيانات، ما جعل النفوذ الأمريكي يمتد داخل الاقتصادات الوطنية حتى في الدول المنافسة.

تكمن أهميتها في أنها تعمل عبر الارتباط الهيكلي القصري طويل الأمد الذي يجعل الدول جزءاً من منظومة عالمية مركزها الولايات المتحدة، فتصبح القرارات الاقتصادية والتكنولوجية في دول عديدة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالبنية الأمريكية. وبهذا الشكل، تُمارس الولايات المتحدة نفوذها من داخل النظام العالمي نفسه، عبر روابط يصعب تفكيكها في المنظور القريب أو المتوسط. 

القواعد والتحالفات بوصفها أدوات قوة

ولا تكتمل ملامح تلك القوة، دون نسجها بتحالفات سياسية وعسكري، ومن أبرزها حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تأسس عام 1949 في ظل التوترات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، وقد ضمّ في بداياته الولايات المتحدة وكندا وعدداً من الدول الأوروبية الغربية بهدف إنشاء منظومة دفاع جماعي لمواجهة التهديد السوفيتي آنذاك.

واستند الحلف إلى مبدأ الدفاع المشترك الذي ينص على أن أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يُعد اعتداءً على جميع الأعضاء، إلا أن أهمية الحلف بالنسبة للولايات المتحدة تجاوزت الجانب الدفاعي بكثير، إذ وفر لها إطاراً دائماً للوجود العسكري داخل القارة الأوروبية، ومنحها إمكانية الوصول إلى شبكة واسعة من القواعد الجوية والبحرية ومراكز القيادة والبنى التحتية العسكرية التي امتدت من المحيط الأطلسي غرباً إلى حدود روسيا شرقاً. كما برزت أهمية الحلف بعد هجمات 11 أيلول 2001، عندما فُعّل مبدأ الدفاع المشترك لأول مرة في تاريخ الناتو دعماً للولايات المتحدة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام التدخل العسكري في أفغانستان بتاريخ 7 تشرين الأول 2001، حينها لم تتدخّل أمريكا وحدها فقد شاركت دول عديدة من حلف الناتو بقوات عسكرية ضمن القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف)، وتولّت بعض هذه الدول مسؤولية إدارة قطاعات كاملة داخل الأراضي الأفغانية، في حين قدّمت دول أخرى دعماً استخباراتياً ولوجستياً ومالياً، وهو ما خفف جانباً من الأعباء التي كانت تتحملها الولايات المتحدة لو خاضت الحرب منفردة.

كذا الأمر في حرب العراق، فلم تتدخل الولايات المتحدة إلا بمعية المملكة المتحدة ودول مثل هولندا وأستراليا والسويد، وذلك لتفادي الاعتراض الدولي لا سيما بوجود الفيتو الروسي والفرنسي والصيني حينها.

أيضاً سعت واشنطن إلى بناء تحالفات استراتيجية في مناطق أخرى من العالم، كان من أبرزها التحالف مع اليابان الذي نشأ  بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فعلى الرغم من أن البلدين خاضا حرباً ضارية عام 1945، وانتهت باستسلام اليابان، فإن واشنطن أدركت مع بداية الحرب الباردة أهمية تحويل اليابان من خصم سابق إلى حليف استراتيجي في شرق آسيا.

وفي عام 1951 وقّع البلدان معاهدة أمنية أرست أسس التعاون بينهما، قبل أن يتم تعزيزها من خلال معاهدة التعاون والأمن المتبادل عام 1960 التي ما زالت تشكل الإطار الرئيسي للعلاقة بين البلدين حتى اليوم. وقد منح هذا التحالف الولايات المتحدة نفوذاً سياسياً واستراتيجياً مهماً في شرق آسيا، كما ساهم في تعزيز قدرة واشنطن على التأثير في التوازنات الإقليمية ومواجهة التحديات التي برزت خلال الحرب الباردة، ولاحقاً في مرحلة صعود الصين قوةً دولية منافسة، ولا سيما في المناطق البحرية الحيوية مثل بحر الصين الجنوبي الذي يُعد أحد أهم بؤر التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، نظراً لكونه ممراً بحرياً تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وفي سياق متصل، ارتبط الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط ببدايات تشكّل العلاقة الاستراتيجية مع دول المنطقة، حيث يعود أحد أبرز ملامحها إلى اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود عام 1945، والذي أسس لمرحلة طويلة من التعاون بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية قائم على معادلة الأمن مقابل الطاقة، قبل أن يتطوّر لاحقاً ليأخذ أبعاداً عسكرية وأمنية أكثر وضوحاً مع توسع الدور الأمريكي في المنطقة.

فقد عزّزت الولايات المتحدة وجودها العسكري من خلال قواعد رئيسية، من أبرزها قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي قاعدة استراتيجية تُعدُّ من أهم مراكز القيادة الجوية الأمريكية في المنطقة، نظراً لدورها في إدارة العمليات العسكرية وتنسيق التحركات في الخليج والشرق الأوسط. كما تدعمها قواعد أخرى في البحرين والكويت والإمارات.

ماذا لو قالت الدول المضيفة: لا؟

تواجه الولايات المتحدة قلقاً مستداماً بشأن مستقبل القواعد العسكرية المنتشرة في الدول المضيفة، إذ أن هذه الدول تمتلك السيادة الكاملة على أراضيها بطبيعة الحال، ما يمنحها الحق في إنهاء الوجود العسكري الأمريكي أو تقليصه متى ما رأت أن ذلك ينسجم مع مصالحها الوطنية، ولا سيما في ظل التحولات السياسية أو تبدل الأولويات ، باعتبار أن الثابت الوحيد في السياسة هو المتغير.  

لا يتوقّف هذا العامل عند حدود القرار الرسمي للدولة المضيفة فقط، بل يمتد ليشمل البنية الداخلية للدولة ذاتها، حيث يمكن للرأي العام أن يتحول إلى عنصر ضاغط في هذا الملف، خصوصاً عندما تصبح القواعد العسكرية قضية سياسية داخلية تُستثمر من قبل الأحزاب في الانتخابات، أو تُطرح في إطار النقاش حول السيادة الوطنية والاستقلال السياسي.

وقد برز ذلك بوضوح عام 2003 عندما رفض البرلمان التركي، على الرغم من عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لفتح الجبهة الشمالية خلال غزو العراق، الأمر الذي أجبر واشنطن على إعادة توزيع قواتها وتعديل خططها العسكرية بصورة كبيرة. وفي حالة أُخرى، اضطرت الولايات المتحدة أيضاً إلى الانسحاب من قواعدها العسكرية في الفلبين عام 1992 بعد رفض مجلس الشيوخ الفلبيني تجديد الاتفاقية الخاصة ببقاء تلك القواعد.

كيف يمكن أن يقيّد رفض الاستضافة القدرة العسكرية الأمريكية؟

 المشكلة الأساسية في القوة الحديثة ليست في حجم القوات أو تطور التكنولوجيا، وإنما في القدرة على تحويل هذا التفوق إلى حضور فعلي في مسارح عمليات بعيدة، ضمن زمن قصير وبتكلفة مقبولة. وهنا يظهر العامل الأكثر حساسية في البنية العسكرية الأمريكية: الاعتماد على بيئة خارجية واسعة من نقاط الدعم التي تجعل الحركة العالمية ممكنة أصلاً.

فعلى المستوى العملي، تتحرّك القوة العسكرية للولايات المتحدة إلى هدف بعيد، عبر سلسلة مترابطة من المحطات الوسيطة التي تؤدي وظائف محددة: التزود بالوقود، الصيانة، تخزين الذخائر، إعادة التموضع، وتبادل المعلومات. هذه السلسلة لا تقل أهمية عن السلاح نفسه، لأن أي خلل في إحدى حلقاتها يؤدي إلى إبطاء المنظومة ككل. ومن هنا فإن رفض الاستضافة أو تقليص التسهيلات يخلق ما يمكن وصفه بالاحتكاك العملياتي داخل منظومة الانتشار، ومع تراكم هذه القيود، يتحول التفوق السريع إلى تفوق بطيء، والتفوق البطيء إلى تفوق مكلف.

وتكمن الإشكالية الأعمق في أن هذا النمط من القيود لا يعالج عادة بإضافة قوة عسكرية أكبر، فالمشكلة تكمن في هندسة الحركة؛ لذلك اتجهت الاستراتيجية الأمريكية في العقود الأخيرة إلى تطوير ما يمكن تسميته بتعدّد مسارات الانتشار، أي الاعتماد على توزيع الحركة بين عدة مسارات بحرية وجوية متوازية، مدعومة بشبكات إمداد مرنة يمكن إعادة توجيهها بسرعة عند تعطّل أي نقطة ارتكاز.

هل تواجه الهيمنة الامريكية اختباراً جديداً؟

انفردت الولايات المتحدة بالقرار العالمي بلا شريك منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، ولم ينازعها أحد بصورة جدية طوال العقود التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، غير أن المشهد الدولي يشهد اليوم تحولات متسارعة، أبرزها الصعود الصيني، وعودة التنافس الاستراتيجي مع روسيا، وتغيّر مواقف بعض الحلفاء التقليديين، إضافة إلى النقاشات المتزايدة حول فاعلية حلف شمال الأطلسي وقدرته على الاستجابة للتحديات الأمنية الجديدة.

ولا شك أن أكبر التحديات التي تواجه الهيمنة الأمريكية يتمثّل في الصعود الصيني بأبعاده الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، ولا سيما أن أستاذ العلوم السياسية الأمريكي وأحد أبرز منظري المدرسة الواقعية الهجومية جون ميرشايمر (John Mearsheimer) يرى أن الصين، بوصفها قوة صاعدة، تسير على النهج ذاته الذي سلكته الولايات المتحدة في مراحل صعودها، حيث تسعى أولاً إلى ترسيخ نفوذها داخل محيطها الجغرافي قبل الانتقال إلى توسيع حضورها على المستوى الدولي.

أما على المستوى الاقتصادي، حقّقت الصين خلال العقدين الماضيين نمواً سريعاً جعلها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكنها ما تزال متأخرة عن الولايات المتحدة من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي. وفي الوقت نفسه، تصاعدت الحرب التجارية بين البلدين عبر جولات متبادلة من الرسوم الجمركية، بينما وسّعت بكين حضورها التجاري والاستثماري دولياً من خلال مبادرات ومشروعات عابرة للقارات، إلى جانب سعيها لتعزيز موقعها في سلاسل الإمداد العالمية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات باتت من أهم محددات القوة في القرن الحادي والعشرين.

أما على الصعيد العسكري، فقد ارتفع الإنفاق العسكري الصيني بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، إذ تنفق الصين اليوم ما يقارب 220 مليار دولار سنوياً، مقارنة بنحو 25 مليار دولار في منتصف تسعينيات القرن الماضي. كما تشير تقديرات عديدة إلى أن الصين تمتلك اليوم أكبر قوة بحرية في العالم من حيث العدد الإجمالي للسفن، أو أنها تسير بخطى متسارعة نحو ترسيخ هذا التفوق خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر تنامي التنافس في بحر الصين الجنوبي، ومحاولة الولايات المتحدة المحافظة على حضورها العسكري فيه باعتباره ركناً أساسياً في حماية طرق التجارة العالمية ومنع بكين من فرض نفوذها الكامل على هذه المنطقة الحيوية.

الخاتمة

يمكن القول إن القوة الأمريكية تُفهم من خلال قدرتها على إدارة شبكة واسعة من العلاقات والاعتمادات المتبادلة داخل النظام الدولي، وهو ما يجعل حضورها ممتداً في أكثر من ساحة في الوقت نفسه بدرجات تأثير مختلفة تبعاً لطبيعة كل منطقة.

ومع استمرار التحولات المتسارعة في البيئة الدولية، وصعود قوى جديدة تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى، يبقى الحفاظ على هذا الدور مرتبطاً بمدى قدرة الولايات المتحدة على التكيف مع هذه المتغيرات، وإعادة تنظيم أدوات نفوذها بما ينسجم مع نظام دولي أكثر تنافساً وتعقيداً من المراحل السابقة.

وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بامتلاك الولايات المتحدة للقوة الكافية للحفاظ على مكانتها الدولية، بقدر ما يتعلق بقدرتها على الحفاظ على فاعلية الأدوات التي قامت عليها هذه الهيمنة طوال العقود الماضية، في ظل عالم يتجه تدريجياً نحو مزيد من التنافس وتعدد مراكز القوة.

  • ألفرد ثاير ماهان – تأثير القوة البحرية في التاريخ
  • نيكولاس سبيكمان – استراتيجية أمريكا في السياسة العالمية
  • جوزيف ناي – القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة العالمية
  • جون ميرشايمر – مأساة سياسة القوى العظمى
  • البنك الدولي – بيانات الناتج المحلي الإجمالي 2023
  • معهد ستوكهولم لأبحاث السلام – تقارير الإنفاق العسكري العالمي
  • وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) – تقارير الانتشار العسكري
  • دراسات حلف شمال الأطلسي (NATO Official Reports)