هل يختلف محمد حبش مع الإبراهيمية؟

الوقت اللازم للقراءة:
19 minsقال تعالى: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيراً». [النساء 45]
جاءت هذه الآية قبل قوله تعالى: «مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا». [النساء 46]
الحمد لله، فهذا المقال إجابة عن سؤال: هل يختلف محمد حبش مع الإبراهيمية؟
ودافعي إلى كتابة المقال أني سمعت أحدهم يدافع عن محمد حبش بقوله: محمد حبش يختلف مع الإبراهيمية. فهل حقّاً يختلف محمد حبش مع الإبراهيمية؟
محاولة نفي التهمة
يريد القائل بعبارة «محمد حبش يختلف مع الإبراهيمية»، دفع التهمة عن د.حبش، لأنّه يعلم في قرارة نفسه أنَّ مشروع الإبراهيمية ليس إلا مشروعًا سياسيًّا يهدف إلى تعزيز الهيمنة الصهيونية وتدجين دوافع المقاومة والتحرُّر لدى المسلمين. لكن ألا يخطر ببال هذا الـ”مدافع” أن يسأل نفسه سؤالًا بديهيًّا، بما أنني وصلت لحقيقة هذا المشروع وبما أنني أحاول دفع تهمة التورط فيه عمّن تأثرت به، ألا يُفترض أن يصل محمد حبش “المثقف والمفكّر” إلى هذه الحقيقة أيضًا؟.
يقول د.حبش في منشور له بتاريخ 4 مارس 2023:
«ويسألونك عن الديانة الإبراهيمية الجديدة…
السؤال عن وهمٍ لا وجود له إلا في الخيال..!!!
بيت العائلة الإبراهيمية الذي افتتح في الإمارات هو ثلاثة معابد متجاورة قائمة على قاعدة: لكم دينكم ولي دين…
تمامًا كما في كلّ التاريخ، كنا نباهي بالمساجد والكنائس المتجاورة وبالمآذن والمنارات المتعانقة في دمشق وبغداد والقاهرة وسيناء وحلب وغيرها من عواصم الإسلام… دليلًا على التسامح والمحبة والرحمة..» انتهى.
يجمّل حبش هنا من المشروع الإبراهيمي، بطريقة تلفيقية كما هي عادته.
يظن أنه بنفي وصف “الديانة” عن الإبراهيمية سيبرّئها من أهدافها التي وُضعت لها، وأن مجرد تشابه مجاورة المساجد مع الكنائس في عصور الإسلام السابقة دليل على حصر أهداف هذا المشروع في (التسامح والمحبة والرحمة).
يقال له: الإبراهيمية ليست دينًا، ولكنها تمثّل المشروع الفكري الصهيوني في المنطقة، الذي يهدف إلى تدجين دوافع الجهاد والمقاومة في الأمة، وتشويه عقيدتها ووعيها.
هكذا ببساطة وبلا تعقيد!
و نلاحظ أن الدفاع عن محمد حبش بقول: “محمد حبش يختلف مع الإبراهيمية” لتبرئته من التورط في هذا المشروع؛ يشابه محاولة د.حبش في الدفاع عن الإبراهيمية بقوله: “الديانة الإبراهيمية وهم لا وجود له!”، وذلك لتبرئة الإبراهيمية من أيِّ غايات خبيثة.
فالأسلوب المتبع في كِلا المحاولتين لا معنى له، فلا اختلافُ حبش مع الإبراهيمية يبرّئه، ولا نفي وصف الديانة عن الإبراهيمية يبرّئها من الأهداف التي وُضعت لها!.
لعل هذا “المدافع” لا يعلم ما يكتبه د.حبش عن الإبراهيمية، فإن كان يعلم فلا غرابة حينها من تشابه الأسلوبين!.
و الحق أن محمد حبش يدافع عن الإبراهيمية، ويجمّل أهدافها المعلنة ويؤيدها، ولا يتطرق إلى عمالة هذا المشروع وأهدافه الحقيقية، وربما يختلف معها في جزئيات.
دفاع حبش عن الإبراهيمية
يقول د.حبش في مقال له نشر في 2 ديسمبر 2021:
«الديانة الإبراهيمية محض وهمٍ نهرب إليه لتبرير فشلنا في صناعة المحبة والإعذار، وعجزنا عن إنتاج جيلٍ حضاري جديد، يعيش كما تعيش الأمم الحية مسكونًا بالمحبة وحُسن الجوار وتقدير الاختلاف واحترام الأديان» انتهى.
يقال له: هل الإبراهيمية تسعى إلى إنتاج جيل حضاري؟ أم تسعى لإنشاء جيلٍ لا يؤمن بالجهاد والمقاومة، هجين الدافع مشوّه الفكر خاضع الإرادة؟!
وهل الدولة صاحبة مشروع الإبراهيمية والدولة الراعية والمستضيفة له، عندهم حسن جوار وتقدير للاختلاف؟!
إن دافع محمد حبش للتغاضي عن حقيقة الإبراهيمية وتجميلها -لو أحسنّا الظن به قدر الإمكان- هو دافع أناني قبيح، فلمجرد التوافق الفكري بين مشروعه والإبراهيمية تجده ينافح عنها ويجمّلها ويمدح أهدافها المعلنة، ويتغاضى عن الأهداف الحقيقية لهذا المشروع.
لنتخيّل لو أنّ مفكّرًا يعيش في بلدٍ محتل، ثم حصل توافق فكري بين ما يريد المحتل ترويجه من أفكار وبين الأفكار “الذاتية” لهذا المفكّر، ولنفرض أن “الصدفة” وحدها هي التي أنتجت هذا التوافق الفكري، فهل يتخلص هذا المفكر من الاتهام وقبح مسلكه؟
فما بالك إذا تجاوز الأمر مجرَّد التوافق الفكري، إلى الدفاع عن المشاريع الفكرية للاحتلال وتجميلها؟!
الخرافة المزعومة وتزييف الواقع
يقول د.حبش في منشور له بتاريخ 4 مارس 2023:
«والديانة الإبراهيمية ليست أول خرافة يصدقها الناس…
مثلث برمودا… لا يزال كثير من شعبنا يصدق أنه منطقة تبتلع السفن والطائرات التي تمر فيها بين برمودا وميامي وبورتوريكو…!
مع أن هذه المنطقة من أكثر المناطق في العالم ازدحامًا في الجو والبحر… ويعبر فيها سنويًّا أكثر من ستين مليون إنسان!
ولسا منصدق إن برمودا يبتلع الناس!!!» انتهى.
يقال له: إن ما تحاول أن تروجه من دفاع عن الإبراهيمية هو حقيقٌ بوصف الخرافة وتزييف الواقع.
و يظهر قبح هذا التعامل لمن يعلم أن مشروع استهداف وعي الأمة -والذي تمثل الإبراهيمية آخر تجلياته- سُجِنَ في سبيل التمهيد له نخب الأمة وعلمائها ومصلحوها في حواضن الإسلام، في الوقت الذي يُطلق فيه محمد حبش الترّهات والنكات، متجاهلًا متغاضيًا مستغلًّا، هل هناك ما هو أقبح من هذا؟.
التوافق الفكري مع الإبراهيمية
ومن يعرف محمد حبش، يعلم أن مشروعه يشترك مع الإبراهيمية في جوهره، وإن اختلف معها في جزئيات..
لنأخذ نموذجًا:
يقول في منشور له بتاريخ 3 أكتوبر 2023:
«وفكرة العذاب والنار أسلوب تربوي مؤثر، وهو قادر على حمل كثير من الناس على الفضيلة…
ولكن من حق كل مسلم أن يعتبرها مسألة مجاز.. تمامًا كما نعتبر آيات الصفات وآيات التشبيه مجازًا…».
و قال في نهاية نفس المنشور:
«مستحيل أن أصدق أن عذاب جهنم هو نار حقيقية يعذب فيها إلى ما لا نهاية مختلفو الرأي!!! “المشركون”» انتهى.
يقال له: ما معنى قولك «من حق المسلم؟»، أوليسَ المسلم هو الذي أسلمَ واستسلم لله عزَّ وجلَّ، وأقرَّ بأنه عبدٌ لله عزَّ وجلَّ؟ متبعًا القاعدة الإيمانية التي تكرر التأكيد عليها في القرآن الكريم {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. [البقرة216]
لكن حبش يصوّر الأمر وكأنه حقّ في حرية الرأي أو حقّ في إعادة تشكيل الوحي، وكأن الوحي عبارة عن ملك للمسلم يتصرف فيه وفقًا لـ “حقه”، ولا يُستغرب هذا من حبش فهو الذي يصف المشركين بـ “مختلفي الرأي”.
و يُقال له: لقد جعل الله عزّ وجلَّ الشرك أعظم الجرم وأكبره، فكيف تهوّنه يا حبش بهذا الأسلوب البارد؟ فلازم مذهبه ولسان حاله ومقاله: إن كان الله عزّ وجلَّ عظّم من أمر الشرك “فمِن حقي” التهوين منه!.
آيات العذاب وإفراغ النص من معناه
عودة على كلامه عن آيات العذاب، يقال له تنزّلًا: إذا اعتبرنا العذاب الأخروي مجازًا وأنه لا وجود له حقيقةً، بالتالي سيؤدي هذا التقرير إلى نزعِ صفة التربوية عنه (الصفة التي اعترف بها في منشوره).
فالذي يعتبر العذاب مجازًا لا وجود له؛ لن يتأثر بالأسلوب التربوي!.
فنسأل هنا: هل لك الحق يا حبش في أن تفرّغ النص الشرعي من صفة وضعها الله عزَّ وجلَّ فيه لينفع بها الناس ويُصلحهم وهو خالق الناس والعالِم بما يصلحهم؟
يريد حبش أن يجعل هذه التناقضات بديلة عن تحقيقات علماء الإسلام، وحاشاهم أن يتّبعوا منهجية “التطرّف في التكلّف” لإثبات صورة مشوّهة من الدين.
و لا يخفى التوافق الفكري بين هذا الطرح وبين الإبراهيمية المتصهينة، فالغاية واحدة.
فالمشروعان يهدفان إلى تمييع الحدود بين الأديان بشكلٍ عام، وبين الإسلام وباقي الأديان بشكلٍ خاص، لأن:
1- النصّ الديني في الإسلام -والذي هو القرآن والسنة- أحرصُ النصوص الدينية على الإطلاق في التأكيد لهذه الحدود وشرحها وتفصيلها وبيان طبيعتها.
2- الإسلام هو المستهدف الحقيقي من هذه الدعوات.
لكن هذا التمييع للحدود بين الإسلام وباقي الأديان ممتنع مع وجود العذاب الأخروي. فمعَ وجوده يكون مشروعُ هؤلاء أعظمَ خداع وتزوير لغير المسلمين (وهو كذلك).
فأدى بهم ذلك إلى تحريف دلالات النصوص والاستدلال بالمتشابه من الآيات في سبيل إدخال غير المسلمين الجنة (تمييع الحدود)، وأدّى بمحمد حبش إلى تجويز إلغاء فكرة العذاب من أساسها!.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (و النار حق). [ صحيح البخاري ]
و قال تعالى {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. [ البقرة 80]
ولعل هذا الاستخفاف بآيات عذاب الله عزَّ وجلَّ واعتبارها مجرد مجاز، هو الذي ألغى تأثير “الأسلوب التربوي” في نفس محمد حبش، فأدّى به ذلك إلى الانخراط في مشروع مرضيٍّ عنه من رعاة الإبراهيمية الصهيونية!
قال تعالى {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا} [الكهف 56]
هل يوافق حبش على الأهداف الحقيقية؟
وقد يُطرح هنا سؤال: هل يوافق د.حبش على الأهداف الحقيقية للإبراهيمية؟ من تفتيت الأمة وتدجين دوافعها للتحرر؟
بالتأكيد لا يمكن الجزم بهذا، هو يسعى -بطبيعة الحال- إلى نشر أفكاره، ولكنه يدرك -وهنا المحك- أنَّ تحقّق هذه الأفكار في الواقع العربي والإسلامي ستكون ضربيته الكثير من “الخضوع” للقوى الاحتلالية وعلى رأسها الصهيونية، ولا يستطيع حبش أن يضمن حدودًا لهذا الخضوع، لكنه طبعًا يحاول إخفاء هذه الحقيقة ولا يصرح بها.
وهذه الحقيقة يدركها أعداء الأمة، ففي سبيل إخضاع الأمة أُنشئت الإبراهيمية وفروعها.
وفي لحظة أنانيّة واستغفال للضمير واتباع للهوى، يسعى حبش إلى نشر أفكاره، حتى لو كانت الضريبةُ خضوعًا لا يُدرى قاعه!.
و هذا مُدرَك لمن علمَ واقعَ المنطقة وما يُحاك لها، وهو مدرَك قبل ذلك لمن أخذ الكتاب بقوَّة وآمن.
ولا نتغافل في هذا الموقف عن توضيح أنَّ الرجل يكتب عن إجرام إسرائيل ويندد به بكل صراحة، ولكنه لا يفتر عن المدافعة عن المشروع الفكري الصهيوني وتجميل أهداف هذا المشروع، فكيف يجمع بين هذه الأمور؟
ألم يقرأ القرآن ويخلص منه بنتيجةِ استحالةِ موافقة الحق في ذاته لأفكارٍ تسعى القوى الاحتلالية لنشرها وإخضاع الأمة من خلالها؟ و هل الحق يسعى لهذا؟ أم أنَّ : {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}؟ [المنافقون8]
من الإبراهيمية إلى مهاجمة المخالف
رأينا كيف يتعامل حبش مع الموافق الفكري المتمثل في الإبراهيمية، دفاعًا وتجميلًا، ورأينا كيف يحرِّف الآيات ويفرغها من مضمونها، والآن لنرى نموذجين (والنماذج كثيرة) عن تعامله مع المخالف الفكري:
*يقول حبش في منشور بتاريخ 23 نوفمبر 2025:
«نحو هيئة وطنية لحماية الاعتدال ومواجهة التطرف
بات واضحًا أن تيارًا دينيًا متشددًا يريد فرض رؤيته على السوريين.
الموضوع قديم وعادي، ولكن الجديد في الأمر أن هؤلاء المتشددين يقدمون أنفسهم أنهم الدولة الجديدة!..» انتهى.
ندرك من كلام حبش قوة الملاحظة عنده، فهو يلاحظ وجود هذا التيار الذي يتكلم عنه، والموضوع عنده “قديم وعادي”، لكن أليس من الأولى أن يستثمر د.حبش قوة ملاحظته في اكتشاف ما تورّط فيه من انخراطه في مشروع مرضيّ عنه من سدنة الصهيونية؟! مرضيّ عنه من رعاة الإبراهيمية التي تستهدف وعي الأمة وتدجين دوافعها؟ لكنه التلفيق والهوى في الانحياز للموافق الفكري ولو كان ذلك الموافق عدو الأمة والساعي في تفتيتها.
الوضوح العقدي والدعشنة
نموذج آخر عن قبح طريقة هذا الرجل، وهو ربطه بين الوضوح العقدي وبين الدعشنة والتفجير.
وأقصد بالوضوح العقدي الحكمَ بالكفر والبطلان على العقائد الباطلة، والتي جاء حكمها في القرآن والسنَّة وإجماع الصحابة والعلماء.
يقول في منشور له بعد التحرير واصفًا أحد أعمال داعش:
«داعش وأنصار السنة ليست إلا نتيجة حتمية لثقافة التكفير والتفجير!» انتهى.
يقال له: إن دين الإسلام هو الرسالة الخاتمة لأهل الأرض، أرسلها الله عزَّ وجلَّ رحمة للعالمين، وهذه الرسالة لها حقيقة ثابتة منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا، وهذه الحقيقة لا تتغيَّر لأنها الخاتمة، وتبيلغها كما هي أمانة في أعناق المسلمين، ليبلغوها للناسِ كافّة والعالمِ أجمع، وليس للسوريين فحسب، وأن يكون التبليغ بأمانة وصدق، وأن يبيّنوا ما يناقضها بأمانة وصدق أيضًا، فعلى أساس الإيمان بهذه الرسالة تكون النجاة في الآخرة.
فحقيقة الإسلام هي محكمات القرآن والسنَّة مما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده ومن تبعهم بإحسان، فلا ينبغي لأحدٍ أن يُحرّف ما كانوا عليه من حقيقة الدِّين الحقّ ثم يدّعي أن تحريفه هو الدِّين، فحقيقة الدِّين الحق لا تتغيّر.
وإنَّ رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه هو أعظم مؤتمن على هذه الرسالة، قال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا} [الفرقان:1] فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المنذر الأمين، والذي أخبر المنذَرين بحقيقة الوجود والمصير.
و نحن نشهد أنه قد أدّى أمانة هذا النذير، قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بي أحَدٌ مِن هذِه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ ولَمْ يُؤْمِنْ بالَّذِي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كانَ مِن أصْحابِ النَّارِ). [ صحيح مسلم ]
وهو صلى الله عليه وسلّم في نفس الوقت بلّغ قواعد العدل الإلهي في هذا الدِّين، وبغَّضَ الظلم إلى قلوب المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: (مَن قَتَلَ نَفْسًا مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا). [ صحيح البخاري ]
ولهذا فلا شكَّ أن أفكار داعش وأفعالها مرفوضة وقبيحة شرعًا، وكلّ ما يماثلها له نفس الحكم، وهذه الأفعال ليست إلا تطرف وغلوّ وإساءة للدين الحق وجهلٌ به.
لكنها لا تمثّل إلا نفسها، ولا يصح عقلًا وشرعًا أن نغيّر الدين الحقَّ ونبدّل ونحرّف فيه، لأن مسلمًا أو مجموعة من المسلمين برَّروا أفعالهم السيئة باسم الدِّين الحق، والدِّين الحقّ منهم براء.
فإن فعلنا ذلك، فرّطنا في الأمانة وحكمنا على أنفسنا بالاستبدال، وهذا الدين خيرٌ كله، وماكان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرٌ كله.
ومن أساء فإنما أساء لنفسه، والدِّين الحق من إساءته بريء، وهذا مقتضى الشرع والعقل.
العقيدة الواضحة و أثرها في الواقع
وإن هذه العقيدة الواضحة -التي تفصل بين الحق والباطل والظلمات والنور- أنتجت عبر التاريخ أسمَى صور العدل والتعايش مع الغير، بما لا يُقاس مقارنة مع الأمم الأخرى.
حتى الأمم الحديثة التي تدّعي حقوق الإنسان والمساواة… إلخ، هي أعنف الأمم قاطبةً، واستعمارها للبلدان وسرقة مواردها وتفكيكها ثقافيًا واجتماعيًّا ومساندة المحتلّين وإمدادهم بأسلحة الفتك بالناس مما نراه بأعيننا ونقرأه في التاريخ القريب أبشع من أن يوصف!.
فكيف نتّهم الدِّين الحق ونَسعى في تحريفه لأن عصابة قليلة استعملته استعمالًا خاطئًا عن جهلٍ وغلوّ؟!
بل إن هذا الدين هو خلاص المسلمين والبشرية جمعاء، وكل تفصيلة فيه هي الحق والحقيقة والعدل، وبتحققه واقعًا يكون صلاح الإنسان، بمعرفته أولًا بخالقه وأصل الوجود، ثم غايته من هذا الوجود والمعنى من الحياة، وأنَّ المصير لله عزَّ وجلَّ، وأن هناك حسابًا وجنةً ونارًا. وبهذه الأصول يكون صلاح دنيا الإنسان أيضًا.
و كما أن استغلال أيِّ قيمة استغلالًا خاطئًا، لا يلغي هذه القيمة ولا يضعها موضع التغيير والتحريف. فلا شكّ أيضًا أن استغلال الدين الحق لا يضعه موضع التغيير والتحريف.
استغلال أفعال داعش
لا يُستغرب مِن “حبش” استغلاله لأفعال داعش لتبرير أفكاره ومهاجمة الخطاب الشرعي في سورية، فهو نفسه استغلَّ مشروعًا يرعاه أعداء الأمة ومنافقوها لنشرِ أفكاره المرضيّ عنها.
ولن يرضى حبش عن الخطاب الشرعي إلا إذا اعتبرنا الكفر والشرك اختلافًا في الرأي (في مناقضة واضحة لمنهج القرآن)، وألغينا التكفير من قاموسنا الشرعي (إلغاء مصطلح قرآني)، وفرّغنا الآيات من معانيها.
ويقال له: قدَّم الشبابُ المؤمن الذي حرّر سورية نموذجًا عظيمًا في أخلاق الفاتحين المسلمين، وهؤلاء الشباب يحملون عقيدة المسلمين الأصيلة الممتدة في أعماق التاريخ.
فعقيدة هؤلاء المؤمنين هي نفس العقيدة التي يحاربها محمد حبش، وهذه حقيقة أوضح من أن يُستدل عليها، خصوصًا لمن لديه معرفة أولية باتجاه محمد حبش الفكري.
ونحن نرى أن هذه العقيدة التي يمتلكها المجاهدون، أدّت إلى تحريرٍ وتضحيةٍ وصبرٍ وثبات، ولم تؤدِّ إلى إجرامٍ وقتلٍ وتفجير!.
هؤلاء الشباب تربّوا على يد كثير من علماء ورموز المحرَّر (سابقًا)، مع ارتباطهم مع مصلحي الأمة ورموزها خارج المحرَّر أيضًا، وهم حريصون على التفاعل مع قضايا الأمة بشكلٍ عام.
فوضوح عقيدتهم وصلابة إيمانهم كان دافعهم الأكبر لبذل ما بذلوا في سبيل هذه البلاد وتحريرها، وكان دافعهم أيضًا لاجتناب الظلم والسَّرقة والفساد، وهذا الأصل الواقعي المشاهد دليل على انفكاك الارتباط بين الوضوع العقدي والتطرف، وتثبيت الارتباط بين الوضوح العقدي وبين التحرير والتضحية والمقاومة وإزالة الظلم. إذ الإيمان الحقيقي هو جوهر الخير وهو القادر حقًّا على الالتزام الأخلاقي .
الإمارات والتناقض الفاضح
في المقابل وفي مفارقة فاضحة، رأينا الفساد والإجرام التي تقوم به دولة الإمارات في العديد من الدول العربية، وهي نفسها تتزعّم المشروع الإبراهيمي وتتبنّى ما يُسمَّى بإخاء الأديان والتسامح… إلخ! وهي تتبنى مشروع محمد حبش بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وذلك من جهة أن مشروعه “مرضيّ عنه” ولا يتعارض في جوهره مع الإبراهيمية، بل يعززها.
السؤال هنا: أليس الفسادُ التي تقوم به هذه الدولة “نتيجةً حتمية” للعمالة وخيانة الأمة؟ والسعي في تشويه عقيدتها وتزييف وعيِها برعاية صهيونية؟، تحت شعارات كاذبة، مثل: إخاء الأديان والتسامح… إلخ؟!
إن من يرعى مشاريع إخاء الأديان والإبراهيمية هم الذين ينشرون الفساد والقتل وإثارة النعرات بين الناس، ولا غرابة في ذلك، فمشاريع يرعاها العملاء ويباركها الاحتلال جديرة بهذا الفساد، وهل سيضمن الاحتلال بقاءً بغير ذلك؟ أي بإفساد الحقول والعقول؟ وقبل ذلك بإفساد الإيمان؟
كما يجدر الإشارة هنا إلى الدَّور السلبي الذي مارسته الإمارات في القضية السورية، من دعمٍ ومساندةٍ للنظام البائد على عدة أصعدة، فضلًا عن شبهات تورطها في ثورة مضادة كانت تستهدف حكم ما بعد التحرير.
إن كانت غاية محمد حبش محاربة الفساد والإجرام، هل سيجرؤ على عقد مقارنة بين رعاة مشاريع إخاء الأديان والإبراهيمية (أي الإمارات)، وبين المؤمنين المحرّرين الذي أزالوا بإذن الله ظلمًا عمرُه أكثر من نصف قرن، وهم متمسكون بعقيدة واضحة وإيمان ناصع؟؟
ولكنه عوضًا عن ذلك، يلاحظ فقط ما يخدم أفكاره ويبرّرها.
أما العلماء الربانيون والمفكرون الراشدون، فلا يوفرون جهدًا في التحذير من داعش وأفكارها وأفعالها، فهم ينكرون الفساد لذاته، ولا يتغاضون عن فسادٍ دون فسادٍ، لمصلحة شخصية أو مراعاةً للموافق الفكري، ولا يصطادون في الماء العكر.
لكن محمد حبش يصوّر الأمر على غير صورته، فيصور أنَّ أصحاب العقيدة الواضحة لن ينفكّوا عن حتمية الدعشنة. أليس هذا اتهامًا لمعظم العلماء والمفكرين الراشدين؟ بل واتهامًا للمجاهدين العقلاء؟ والقادة الممتلئين فكريًا؟
أثر هذا الخطاب في المجتمع السوري
كما أنّ هذا المسلك فيه إثارة للفوضى وإيغار للصدور في المجتمع السوري، وذلك أن المسلمين السنّة لن يتخلّوا عن أصول عقيدتهم وما تحتويه من الحُكم على العقائد الباطلة بالبطلان أمانةً في التبليغ. فتخيل معي أثرَ ربط التكفير -و هو باب عقدي له موضعه و ضوابطه في التراث الإسلامي- بالدعشنة والقتل، على أهل الطوائف والأديان الأخرى!.
إن هذا المسلك لا إصلاح واقعي فيه، والأحرى بمَن يريد الإصلاح وتهدئة النفوس في ظل هذا الواقع، أن يبيّن حقيقة الدين الإسلامي، ومخالفة المتطرفين لسماحة الإسلام. لا أن يربط بين التكفير والتفجير! مع علمه أن المسلمين السنَّة لن يغيّروا دينهم. فبهذا يتحول النقاش إلى ابتزاز عقدي للمسلمين السنة، مع الحكم على المجتمع بالتفكّك والتباغض.
الخاتمة
يقول حبش في 4يناير 2026:
«والإسلام على مفترق طرق…
إما أن نقدّم إسلامَ الرحمة والحب والتعاون الدولي.
أو ننساق وراء خطاب التطرّف والإقصاء والتكفير..
و نخرج من التاريخ…!» انتهى.
هو يقصد: إما أن نُعمِل الانتقاء على الوحي وإفراغه من معانيه وتهوين ما عظمه، وإما أن نخرج من التاريخ!.
يقال له: بل نحن على مفترق طُرق، فإما أن نختار الإسلام وإما أن ننقلبَ على أعقابنا.
قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}. [النجم29]
إن مشروع حبش وأمثاله ينطلق من النظر إلى الدنيا فقط. إذ لو كانت الدنيا هي الغاية لكان توهّم المعنى كافيًا، ولكان توهّم واختراع الحقّ والحقيقة يفي بالغرض!. فلا يلزم عندها البحث عن الحقيقة ومِن ثَم الالتزام بها، لأنه سواء أصاب الإنسان الحقيقة أم لم يصبها، ففي كل الأحوال سيحقّق غايته التي اختارها (الدنيا). لكن حقيقة الأمر أن الدنيا ليست الغاية، لأنها ليست المصير!.
لهذا كان الإيمان الصادق بالله عزّ وجلَّ، وبعلمه الذي لا يغيب، وبغائية الآخرة، هو الدافع الأصلي والأكبر للبحث عن الحقيقة والمعنى، ومن ثَم الالتزام بهما، مما يقتضي الالتزام الأخلاقي الصادق وربط القلب على التقوى والتغلب على الغواية واستحضار مراقبة الله عزَّ وجلَّ.
أما أصحاب الإيمان الفارغ الفاقد لمعناه، سيتولّون عن وحيِ الله عزَّ وجلَّ، عندما يظنون بالله خالقهم ظن السوء، عندما يظنون أنَّ هديهم لأنفسهم خيرٌ من هديه لهم!. فإن لم يكن منهج الانتقاء وإفراغ النص من معناه وتهوين ما عظَّمه الله عزَّ وجلَّ، تولّيًا عن ذكر الله، فماذا يكون؟
وفي حالة “حبش” وأمثاله، نجد أنهم كما توهَّموا الحق والمعنى، توهّموا أيضًا الحرية والموقف الأخلاقي والقيمي!.
فتجدهم ينصرون أفكارًا وافدةً ما أنزل الله بها من سلطان! ولا يأنفون من الدفاع عن المشاريع الفكرية الاحتلالية وتجميلها، وفوق ذلك يصوِّرون أنفسهم أنهم في موضع جهادِ الفكر والتحرر والإخاء!! كل ذلك خضوعًا لأهوائهم وغرورهم النفسي.
إن فهمَ هذا الدِّين، وردَّ المتشابه إلى المحكم، واستحضارَ المؤمن أنه مُبتلى بالتسليم والانقياد، وأنها تكون فتنة يميز الله بها الخبيث من الطيب، وعَلِم أنَّ غاية أمل الشيطان ترك المؤمنين لأمر ربهم؛ حُصِّنَ من الوقوع ضحية لهذا الطرح البائس. ( فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [البقرة38] .
وهذه المشاريع التلفيقية لا تهدف للوصول إلى الإيمان واليقين، بل تكون “التلهية” هدفهم الأول والأخير، وأكثر ما يساعدهم في ذلك هو طبيعة الشبهات وأشباه الشبهات، كونها “لا نهاية لها”.
هل يُتوقّع أن يتحقق أتباع الإبراهيمية ومحمد حبش ومَن ماثلهم، بالجهاد المذكور في القرآن؟ الجهاد المدفوع بالإيمان واليقين؟ هل يُتخيّل أن حشودًا من أتباع هؤلاء سيحررون أرضًا أو يستردّون حقًّا؟ فضلًا عن أن يحرّروا بيت المقدس؟
بل إن أكثرَ من يعلم زيف هذه المشاريع هُم الذين تمسّكوا بالقرآن وآنسهم القرآن في كرباتهم، وكان الإيمان واليقين دافعهم للتضحية والتحرير والمقاومة والعزّة والعدل والتجرّد للحقيقة والصبر على البأساء والضراء ، فالإيمان المزيف الخالي من معناه لا يستطيع الدفعَ إلى عُشر معشار ذلك.
يزخرف محمّد حبش وأمثاله كلامَهم بأنواع الزخارف، صحيح أنَّ زخرفتهم لا تغني عن الوقوع في التناقض والتلفيق، ولكنها ضرورية لتروج بضاعتهم، فينادُون بالحبّ والمحبة مثلًا، ولكنهم يغفلون عن التحقُّق بأعظم آية في تحصيل أعظم محبة وأصدقها، وهي قول العليم الخبير: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.[آل عمران31]
أمةٌ تسعى إلى اتّباع أثر رسولها، عصيةٌ على التحريف.

