حين يعجز القانون عن المحاسبة : تجربة " الاسكراتشي" الأرجنتينية لمن أفلتوا من المحاسبة

الوقت اللازم للقراءة:
5 minsليست العدالة الانتقالية مساراً قضائياً فقط، ولا يمكن اختصارها بالمحاكم والوثائق القانونية، ففي المجتمعات الخارجة حديثاً من قمع الأنظمة التي مارست العنف المنظم؛ يظهر سؤال جوهري: ماذا يفعل الناس وهم يعرفون أسماء جلاديهم، ويرونهم في الشوارع، يمارسون تجارتهم، يذهبون إلى المقاهي، ويتصرفون وكأنهم “مواطنون طبيعيون”، في حين لا تزال المحاكم عاجزة؟
في هذه المساحة بين معرفة المجتمع بالمجرمين وتأخر القانون، ظهرت تجربة (Escraches) التشهير العلني، في الأرجنتين، وهي سلوك للفضح العلني والنبذ المجتمعي للمتورطين في جرائم الدكتاتورية العسكرية، جاءت لتكون احتجاجاً على تأخر القضاء في المحاسبة، لا لتكون بديلاً عنه.
بدأت ممارسة التشهير العلني في الأرجنتين في تسعينيات القرن الماضي على يد منظمة (HIJOS) التي أسسها أبناء وبنات المختفين والمعتقلين والناجين، ورفعت شعار : “إذا لم تكن هناك عدالة، فهناك تشهير علني”، وكان الهدف من الجمعية تحويل إفلات المجرمين من العقاب من ثغرة قانونية استغلوها إلى ضغط اجتماعي عليهم، ومن تفادي نسيان هؤلاء المجرمين إلى ذاكرة يومية تضغط على المجتمع ومسار القضاء، وقد اكتسبت هذه التجربة فعاليتها بعد تفعيل مسار القضاء بعد عام 2000، فكان لها الدور الكبير في فتح ملفات لعدة ضباط من النظام العسكري وتحويلهم للقضاء.
التشهير العلني بوصفه حكما اجتماعياً لا انتقاماً فردياً
قامت فكرة (Escraches) على سلوك بسيط لكنه مؤثر: لا يجوز للمجرم أن يبقى مجهولاً في المكان الذي يعيش فيه، لذلك لم يكن التشهير العلمي مجرد مظاهرة أمام منزل ضابط سابق أو متعاون مع النظام الديكتاتوري، وإنما كانت عملية اجتماعية منظمة، ابتداءً من جمع المعلومات والتأكد من دور الشخص، مروراً بالذهاب إلى حيّه، مروراً بتوزيع منشورات على جيران المجرم لشرح ما فعله، وانتهاءً بتحضير ملفات لشهودٍ على مافعله.
كان الهدف من ذلك إبلاغ جوار هذا الشخص المجرم، أنه جزءٌ من منظومة قتل أو تعذيب أو اخفاء قسري، وبذلك يتحول الجلاد من ملف مخفي في أرشيف الدولة إلى معرفة جماعية، ومن قضية تخص الضحايا وذويهم إلى شأن عام يفرض على الناس موقفاً أخلاقياً اتجاه الجرائم السابقة، وموقف حذر من المجرم الذي يسكن بجوارهم خشية من تكرار جريمته لأي سبب كان.
بالتالي الغرض من العملية أن يصبح المجرم عاجزاً عن الاستفادة من تأخر مسار العدالة، أي أنّ (Escraches) باتت جزءاً من الحكم الاجتماعي وظلت مرتبطة بفكرة مركزية وهي: لا يمكن التنازل عن العدالة الرسمية.
وهذا يعني أن النبذ الاجتماعي لا يعوض وظيفة المحكمة، ولا يعطي الناس حق العقاب البدني، وإنما يملأ فراغاً أخلاقياً، ويمنع تحول المسار العدالي المتأخر إلى نسيان مجتمعي، أو ملف هامشي لا يكون في صلب المسار السياسي الانتقالي، لكنه أيضاً يكشف خطراً حاضراً في حال انفصل الفضح عن التحقق، وإذا تحول التشهير من ضغط مدني إلى تحريض أو انتقام، حينها يفقد طابعه الأخلاقي ويتحول إلى عشوائية، لهذا تأتي قوة التجربة الأرجنتينية في كونها ممارسة منظمة وعلنية، تستهدف المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، اعتماداً على ذاكرة الضحايا، وهدفها الضغط من أجل تفعيل مسار المحاسبة وعدم تعويم الجلاد لنفسه إما بسلوك اجتماعي أو اقتصادي للهروب إلى الأمام من جرائمه.
الحالة السورية: بين الحاجة إلى التشهير وخطر الانزلاق
تبدو فكرة النبذ الاجتماعي ضرورة ملحة في الواقع السوري وشديدة الخطورة في آن واحد، فبعد سنوات من القمع والاعتقال والتعذيب والتهجير، يعرف السوريون في مدنهم وأحيائهم كثيراً من المخبرين، عناصر الحواجز، أصحاب الواجهات المدنية التي خدمت القمع ومولته، القضاة الذين ابتزوا أهالي المعتقلين، أساتذة الجامعات الذين سلموا طلابهم للأفرع الأمنية.
ومع بطء مسار المحاسبة بسبب محدودية قدرة القضاء تقنياً وقانونياً، يظهر لدى السوريين العارفين لجلاديهم جملة : “لا يجب أن يعود المجرمون إلى حياتهم كما أنهم لم يفعلوا شيئاً”، هنا يمكن استلهام الدرس الأرجنتيني، لا استيراده، لأن المطلوب في الحالة السورية ليس فتح باب التشهير العلني وتحويل المناطق والطوائف إلى دائرة الاتهام الجماعي، بل بناء أدوات مدنية منضبطة تجعل من الإفلات من المحاسبة عبئاً أخلاقياً على المجتمع المتعاون مع المجرم، مثل توثيق الذاكرة المحلية عبر شهادات الضحايا، وحملات ضغط على النقابات والجامعات لمنع عودة مرتكبي الجرائم إلى المناصب الأكاديمية أو الرسمية أو المدنية،
لذلك يجب أن يقوم أي تشهير علني أو نبذ اجتماعي في الحالة السورية على مبادئ معلنة وواضحة مثل :
- 1- المسؤولية فردية لا جماعية: فالمجرم يُحاسب بصفته شخصاً محدداً ارتكب انتهاكات، وليس بحسب انتمائه الجغرافي أو الديني.
- 2- لا اتهام بدون وثائق أو شهادات متفرقة: لأن مقتل العدالة القانونية أو المجتمعية هو أن تتحول إلى حالة عشوائية يمتزج بها الحق مع الثأر.
في المقابل، تكون الفوضى مرادفاً لغياب العدالة الانتقالية ومرادفاً للانتقام الفردي، لكنّ الخوف من الفوضى لا يصلح ذريعةً لإعادة إنتاج الصمت. فالسلم الأهلي المستدام لا يُبنى على طمس الذاكرة أو محاولة تحييدها، ولا على ابتلاع الضحايا لألمهم كي لا “يتوتّر” المجتمع، ولا على عودة الجلّادين إلى حياتهم اليومية بلا حساب؛ ذلك أنّ تحويل السلم الأهلي إلى ذريعةٍ للمطالبة بالصمت يكافئ المجرم مرّتين: مرّةً حين أفلت من المساءلة، ومرّةً حين مُنح حمايةً أخلاقيةً باسم الحفاظ على “الاستقرار”. والاستقرار القائم على الصمت ونسيان الجريمة استقرارٌ مؤقّتٌ هشّ، أمّا الاستقرار الدائم فلا يقوم إلا على التمييز بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية.
ومن هنا فإنّ ثنائية “السكوت أو الفوضى” ثنائيةٌ وهمية، لأنّ السكوت لن يُنتج إلا فوضى حين تتحوّل المظلومية إلى أفعال ثأر. أمّا المساحة الصحّية في الحالة السورية، في ظلّ تأخّر مسار العدالة، فتكمن في الفضح العلني المنظّم، والضغط المدني المستمرّ، والربط بين الذاكرة وغايتها؛ أي بين توثيق الجريمة وتحقيق العدالة، بحيث لا يغدو المجتمع بديلاً عن المحكمة، وإنما حارساً للذاكرة وضامناً لئلّا تتحوّل المرحلة الانتقالية إلى تسويةٍ صامتةٍ مع المجرمين. فعبء العدالة الانتقالية لا يقع على كاهل الدولة وحدها، ودور المجتمع فيه أن يمنع من تورّطوا في الانتهاكات من إعادة احتلال المجال العام ريثما تتمّ محاسبتهم.
خاتمة
تكشف تجربة التشهير العلني في الأرجنتين أن العدالة لا تبدأ من القضاء ومحاكمه، ولا تنتظر العدالة اكتمال المؤسسات تقنياً وقانونياً لكي يحافظ المجتمع على ذاكرته ويحاسب جلاديه، فحين يتأخر مسار القانون يصير الصمت المتزامن مع تأخر مسار المحاسبة مولّداً لعائلات تسعى نحو الثأر، أو مجرمين سيعيدون اجرامهم. لهذا كان التشهير العلني محاولة مجتمعية لمنع أن تتحول الذاكرة إلى نسيان جماعي، وأن المجتمع ليس كتلة محايدة تنتظر سلوك الدولة، بل هو فاعل نشط أمام جرائم كبرى انتهكت الكرامة والذاكرة والحق في الحياة,
وتكمن أهمية التجربة الأرجنتينية في التشهير أن هدفها ليس الفضح بحد ذاته، بل في ضوابطه التي تربط التشهير والنبذ بالتحقق، وبالمسؤولية الفردية، وبالهدف النهائي لها وهو إيصال المجرمين إلى مسار المحاسبة القضائية مهما تأخر المسار، أو حاول المجرمون تعويم أنفسهم اجتماعياً واقتصادياً، وإذا فقد التشهير مبادئه الأخلاقية تحول إلى مهدد للعدالة.
ختاماً؛ المجتمع والمحكمة جناحان للعدالة الانتقالية، فالمجتمع هو حارس للذاكرة، والعدالة هي مؤكدة لتلك الذاكرة، ولا يكون التشهير والنبذ الاجتماعي إلا رفضاً أخلاقياً مجتمعياً لتحويل الجريمة إلى ماضٍ، والعدالة الانتقالية تبدأ بمنع الجلادين من العودة إلى المجال العام، وبحماية حق الضحايا في أن تُسمى الجريمة باسمها، وأن تبقى الحقيقة حاضرة وترمز مستقبلاً وصولاً إلى المحاسبة وجبر ضرر الضحايا وعائلاتهم.

