الله غالب: المعركة التي كادت أن تسقط النظام

الوقت اللازم للقراءة:
9 mins«لولا تدخلنا لسقطت دمشق» بهذه العبارة المكثفة لخّص وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لحظةً مفصليةً في أحداث الثورة السوريّة.
مثّلت تلك الكلمات إقراراً باقتراب العاصمة من حافة السقوط، لولا التدخل الروسي المباشر آنذاك، وهو إقرارٌ يستند إلى وقائع ميدانية سبقت التدخل بقليل وكانت مُعجّلةً به، ففي خريف عام 2015، وعلى تخوم دمشق الشرقية، خاضت فصائل الثورة السورية، وعلى رأسها جيش الإسلام، واحدة من أعقد وأجرأ معاركها: معركة الله غالب.
شدّ الخناق
انتهج نظام الأسد الأب منذ الحركة التصحيحية سياسة خنق المدن بالمربّعات الأمنيّة بعد سلسلةٍ داميةٍ من الانقلابات العسكرية منذ مطلع تأسيس الجمهورية الوليدة وحتى تثبيت نظام الأسد الأب حكمه، ليُتمّ بذلك إغراق تخوم المدن بالثكنات العسكرية.
وكان من ذلك تسليح حوض العاصمة بدءاً من جبل قاسيون المطلّ على العاصمة دمشق وانتهاءً بسلسلة جبال الغوطة الشرقية على امتدادها بكمٍّ هائلٍ من المدافع والأسلحة الثقيلة، التي تجعل دمشق بغوطَتيها كالفريسة بين فكّي المفترس، وفصلها عن غوطتها الخضراء التي قَلَبها إلى سوداء. فاستجلب لذلك جنده وعوائلهم ليجعلهم حاجزاً بشرياً يدين لرأس النظام بالولاء، ويوطّد بهذا التغيير الديموغرافي لأوتاد حكمه.
ولم يكن ذلك الحال من تسليح الجبال وحشو منافذها ونصب المدافع على قِممها مؤرقاً لسكّان العاصمة وغوطتَيْها، إذ كانت تلكم المربعات الأمنيّة المنتشرة على بعد كيلومترات من المربع الذي قبله شغلهم الشاغل في وسط معترك الحياة البوليسية التي عمّمها النظام في أنحاء سوريا، فما أُدرك أثر ذلك الحال حتى انقدحت شرارة الثامن عشر من آذار عام 2011، فانتفضت مدن سوريا تباعاً تنادي باسقاط النظام الذي جثم على صدورهم أمد نصف قرنٍ من الزمن، والذي تمادى بما فعله في أهل درعا، التي استنجدت أخواتها من المدن فلُبّيَ ندائها.
كانت الغوطة في الأول من نيسان عبر كبرى مدنها دوما تعلن عن خبيأتها في مظاهرةٍ سلميّةٍ جُوبهت كما غيرها بالرصاص ما خلّف بذلك 13 شهيداً. فتفاجأ السوريّون أن تلك المدافع التي نُصبت كالرّايات على السواري ما هي إلا مقالعٌ لحيواتهم من هذه البلاد المُسمّاة: سورية الأسد!
فانهالت عليهم بقذائفها ضرباً عشوائياً لا يفرّق بين شيخٍ وشاب، ورجلٍ وامرأة، مخلّفةً أعداداً تعذّر إحصاؤها على الجملة. وكان صمت المجتمع الدولي على تلك المجازر التي اقترفها نظام الأسد عبر تلك المدّة مِحراكاً لعزائم المجاهدين، أنّ الردع لا يأتي بالشجب والتنديد، والاستجداء والعويل، وإنما ببارودٍ يُثخن في العدو فيمتنع عن إجرامه.
من السّريّة إلى الجيش
استجلبت صرخات المدنيّين حماسة المجاهدين لأن ينبروا للدفاع عن أرضهم وأعراضهم، فتأسست الألوية والفيالق والكتائب على سائر أرجاء سوريا، تحت هدف واحدٍ، هو: إسقاط النظام المجرم. وكان من أبرز تلك الجماعات: سريّة الإسلام التي تأسست في أيلول من عام 2011 بمجموعةٍ من 14 رجلاً كانت تتصدّى لاقتحامات النظام في محيط دوما.
ثم انضمّ لها خلقٌ كثيرٌ من رجالات الغوطة واندمجت كتائب تحوي ألوفاً من المقاتلين بقيادة زهران علوش تحت مسمّى لواء الإسلام في الأول من حزيران لعام 2012 وفي أيلول من عام 2013 أُعلن تشكيل جيش الإسلام الذي صار بذلك أحد أكبر الكيانات التي باتت تهدّد عرش النظام، بتعدادٍ يربو عن 20 ألف مقاتلٍ، وتنظيمٍ هيكليٍّ مؤسّساتيٍّ يتفرّع عنه 27 مكتباً إداريّاً، ولينطوي هذا الجيش لاحقاً في تشرين الثاني من نفس العام تحت مظلّة الجبهة الإسلامية في سوريا مع حركة أحرار الشام ولواء التوحيد.
وكان يرأسه محمد زهران علوش من مواليد 1970 والذي وُلد في مدينة دوما في الغوطة الشرقية، ووالده عبد الله علوش الذي كان أحد أعلام الدعوة السلفية في سوريا. التحق محمد زهران بكلّيّة الشريعة في جامعة دمشق، وأكمل دراسة الماجستير في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
ارتكزت حياته في شبابه على النشاط الدعوي في سوريا، إلا أنّ النظام اعتقله سنة 2009 بتهمة الانتماء إلى السلفية وأُودع سجن صيدنايا، ثم اُفرج عنه مع أول ثلاثة أشهرٍ من بدايات الثورة.
دأب جيش الإسلام منذ أن كان سريةً ثم لواء على شنّ هجماتٍ وضرباتٍ على معاقل نظام الأسد في القلمون ودوما في الغوطة الشرقية، بالتعاون مع كثيرٍ من الفصائل المحلية حتى أن تطهّرت غالبية الغوطة من رجس النظام وزبانيته.
ولكنّ التهديد المستمر لهذه السيطرة على مركز حكم النظام في العاصمة دفعه لأن يزيد من إحكام الخناق على الغوطة، وإطباق حصارٍ شديدٍ عليها، ومنع المستلزمات الضرورية عنها، وتعريضها لقصفٍ مستمر بالطيران الحربي، ومدفعي وصاروخي من أطرافها الأربعة.
ما قبل المعركة
ثمانية أشهر من التخطيط السري والعمل الدؤوب عمل خلالها جيش الإسلام على إعداد قواته: من تجهيز الملابس والأحذية، وإعداد الأطعمة الكافية، وصنع الذخائر الوافية، والتجهيزات الطبية والدروس الشرعية، وحفر الأنفاق ونصب الإشارات اللاسلكية، وكذلك تنفيذ التدريبات المكثفة للجند الذين بلغ عددهم نصاب 8000 مقاتل تدربوا على أخشن الظروف وأشدها.
ولم يُعلم عن تفاصيل المعركة إلا في اللحظات الأخيرة، حيث كانت المفاجأة سيدة الموقف، حتى الجند بذاتهم لم يكونوا على درايةٍ بالغاية من المعركة، حتى أن جماعةً منهم دخلوا في اشتباكات ظنّاً منهم أنّها الهدف ولم هي سوى معركة تمويه. كانت السرية قبل كل شيء هي سيّدة الموقف رغم تسرّب أخبارٍ عن شيءٍ من الخطّة.
كان العرض العسكري الذي أقامه جيش الإسلام قبل خمسة أشهر من المعركة في 20 آذار 2015 الأثر الواضح، والمعنى البليغ في نفوس المجاهدين أنّ هذه الثورة قادرةٌ على إمضاء النصر بنفسها، وأنّ جند الشام أعزّ من أن يُغلبوا من شذاذ الآفاق ولفيفٍ من أقذع الخلق. فكان مرور الفرق العسكرية بكافّة تشكيلاتها من انغماسيّين وقواتٍ خاصةٍ في مشهدٍ مهيبٍ له دلالة إنذار لأركان النظام لأن يتنبّه من الخطر المُحدق به من الشرق، لكنّ الغرور الذي تملّكه كان أشدّ من أن يوقظه من غفلته.
لم يعهد قبل هذه المعركة تخطيطاً متقناً منظّماً ومدبّراً من فصائل الغوطة الشرقية، إذ تركزت على الاغارات الآنية أو المعارك الصغرى دون بعد استراتيجي طويل، ولم تكن السرية هي الحاكم على تلك التدابير، وكان التشرذم الفصائلي داعٍ أكثر فأكثر إلى تشتّت الجهود. فكان لابدّ من انتظام عقد الثورة بتكليل الجهود نحو توحيدها إلى هدفٍ واحدٍ لا يختلف عليه اثنان ألا وهو: النظام المجرم.
ساعة الصفر
وفي مساء يوم الثامن من أيلول عام 2015، أصدر رئيس أركان جيش الإسلام أمراً إلى الكتائب المرابطة في تل كردي أن تبدأ عملياتها تجاه التل وسجن عدرا. وبعد انطلاق العملية بستّ ساعات تحرّرت المنطقة كاملةً، ووصل المجاهدون إلى حائط سجن النساء. رغم أن هذه المعركة لم تكن سوى مشاغلة عن الهدف الرئيسي كما أوضح أبو عمر النابلسي قائد الكتيبة الثانية باللواء الأول مشاة، إذ خُدع النظام فسحب جزءاً كبيراً من قواته من حافير ومن المناطق القريبة على تل كردي وجوار أوتستراد دمشق-حمص وأوفدها نواحي سجن النساء. وفي اليوم الثاني أُعلم المقاتلين أنّ الهدف المنشود ضاحية الأسد، لكن سرعان ما تسرّب الخبر للنظام فحاول تدارك الأمر بإرسال التعزيزات اللازمة إلى ضاحية الأسد خوفاً من الهجوم المحتمل الوشيك إما عليها أو على سجن عدرا.
ثم أصدر علوش أمراً للقوات الخاصة بأن يتسلّلوا إلى السلاسل الجبلية والثكنات العسكرية، وتلا ذلك عمليات إشغال للنظام على محاور الأوتوستراد والضاحية، من ذلك قصف محطة الكهرباء فيها فأُطفئ النور عن كامل جبل الضاحية. وبعد ثماني ساعات أعلنت قيادة أركان جيش الإسلام السيطرة على قمم سلسلة الجبال. ووُجّهت الأوامر بتكثيف الضرب والزحف نحو الأوتوستراد والنقاط العسكرية الموزّعة عليه. ،وبعد 24 من بدء المعركة تمكّن جيش الإسلام من السيطرة على أغلب النقاط التي كانت مشرفةً على الأوتوستراد، كبرج شيشان، وكازية شام، وحاجز خرسان والقدموس، وحاجز معمل كراش، ونقاط كازية رحمة، وحاجز شركة جيمس وجاك، وحاجز شركة شيري، وتجمع بناء العظم، وحاجز سكّر، ونقطة كازية الأمان بالله.
وفي اليوم الثاني، من المعركة كان تخبّط النظام واضحاً بفقدانه الجبل المطل على الاوتستراد ومع استسلام جنوده، وهلاك المئات منهم. إذ كانت أشد المعارك الضاربة تدور في محيط مبنى قيادة الأركان وكتيبة المدفعية والأمن العسكري.
وفي هذا اليوم أعلن جيش الإسلام عبر متحدّثه الرسمي مجدي نعمة عن معركة الله غالب، سحب على إثر ذلك النظام قواته المتواجدة في الزبداني ودرعا ودج بهم في المنطقة. وعلى مدى 60 يوماً استمرّت الاشتباكات على أشدّها. وعلى الرغم من الزخم العسكري الذي حققته المعركة على تخوم دمشق، بقي محور برزة أحد المفاصل المعقّدة التي لم تُحسم لصالح الثوار، لا بفعل التفوق العسكري للنظام، بل نتيجة الحالة الفصائلية المعطِّلة التي كانت قائمة آنذاك.
فقد شكّل حي برزة منطقة تماس حسّاسة بين الغوطة الشرقية ودمشق، وكان من الناحية الجغرافية ممراً محتملاً لوصل الجبهات أو لتوسيع رقعة الضغط على النظام من داخل العاصمة. إلا أن الواقع الفصائلي في برزة، حال دون تحويل هذا المحور إلى رافعة ميدانية للمعركة لاسيما وقد نأى الفصيل الأول في برزة بحجّة الهدنة مع النظام عن الدخول في المعركة، والسماح لجيش الإسلام والفصائل المتحالفة معه من التقدم عن طريق برزة إلى مشفى تشرين العسكري.
لذلك، وللخلافات الفصائلية المستمرّة، وما رافق من تباينات في القرار العسكري، وغياب غرفة عمليات موحّدة، تمكّنت قوات النظام في 20 من تشرين الأول من استعادة السيطرة على فرع الأمن العسكري، بعد 100 محاولة اقتحام. كذلك في الثالث من تشرين الثاني استطاعت قوات النظام السيطرة على كتيبة المدفعية، ما اضطُرّ على ذلك إعطاء الأوامر للمجاهدين بالانسحاب.
نتائج المعركة
كانت من نتائج المعركة المباشرة إيقاف الهجمة الشرسة للنظام وحزب الله على الزبداني، وإفشال خطةٍ عسكريةٍ ضخمةٍ يُعدّ لها منذ عام هي الأكبر من نوعها لاقتحام الغوطة الشرقية من عدّة محاور، والعثور على وثائق سريةٍ هامةٍ من فرع الأمن العسكري تخصّ أجهزته الاستخباراتية وعملائه، وسحب الأرشيف الكامل لاجتماعات هيئة الأركان، واكتشاف طرق الاتصال والشفرات المستخدمة بين أجهزة النظام، والسيطرة على أجهزة اتصالاتٍ حديثةٍ من مبنى الأركان.
كذلك كان لهذه المعركة أثراً في انهيار النظام في ضاحية الأسد ما يسمح لهم بالسيرة نارياً على عدد من أحياء العاصمة، وتوجيه ضربة قاضية قد تؤدي لإسقاط النظام لولا التدخل الروسي الجوي، والذي كان له الأثر الحاسم في تراجع الثوار حتى قال وزير الخارجية الروسي لافروف: “لولا تدخلنا لسقطت دمشق”.
اغتيال القائد زهران علوش
بعد عدة أشهر من انتهاء المعركة، زادت وتيرة القصف الروسي المركز على جميع أنحاء الغوطة الشرقية، إذ بدأت مرحلة جديدة من الاستهدافات مع تدخل الخبراء الروس، وقد استطاعت إحدى الغارات استهداف قائد جيش الإسلام زهران علوش مع عدد من مرافقيه أثناء إحدى جولاته، ولربما كان الاستهداف نتيجة حتمية لتلك المعركة التي أوقفت نظام الأسد على قدم واحدة في دمشق.
لم يكن تحرير سوريا اليوم إلا نتيجة لتلك المعارك التي سطر فيها الثوار البطولات، واستشهد منهم الآلاف، وطورت منها القيادات العسكرية “تكتيكات” أكثر نجاعة في مواجهة النظام، وتخللها تطور في الخطاب السياسي والدبلوماسي مع حلفاء النظام وكذلك أصدقاء الثورة السورية.

