الحدود اللبنانية السورية: لماذا تؤجل دمشق حسم الملف؟

الوقت اللازم للقراءة:
7 mins“ليأخذها أحدنا أولاً، ثم نتحدث حول ذلك”، بهذه العبارة أجاب الرئيس السوري أحمد الشرع على سؤال حول ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا وهوية مزارع شبعا المحتلة. ولا عجب أن يكتسب أي تصريح للشرع حول لبنان اهتماماً بالغاً، نظراً للعلاقة التاريخية الشائكة بين البلدين والأحاديث المتداولة بكثرة حول إمكانية تدخل سوريا عسكرياً ضد حزب الله في لبنان، والتي نفاها الرئيس الشرع مراراً.
أما عن أسئلة الحدود، فأهميتها تنبع من طبيعتها الجغرافية الممتدة على طول النهر الجنوبي الكبير مروراً بسلسلة جبال لبنان الشرقية ووصولاً إلى جبل الشيخ المحتل، والتي تبلغ حوالي 375 كيلومتراً، بما تشتمل عليه من قرى وبلدات متداخلة ومعابر غير قانونية تثير بين الفينة والأخرى إشكالات حدودية تتطور أحياناً لمواجهات مسلحة على خلفيات مذهبية وسياسية وأمنية.
يعكس ربط الرئيس الشرع الحديث حول مزارع شبعا بزوال الاحتلال الإسرائيلي سياسة دمشق في إرجاء الملفات العالقة بينها وبين لبنان، خاصة ملف الحدود منعاً لنشوب أزمات قد تنعكس سلباً على العلاقات بين الجانبين. فبالنسبة لمنطقتي شبعا وكفرشوبا، تتمسّك الدولة اللبنانية بكون تلك المنطقتين لبنانيتين بالكامل، وقد شدد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي مطلع العام الجاري على أن لبنان “لن يتخلى عن أي شبر من أراضيه”، خاصة وأن سكان المنطقة هناك يمتلكون سندات ملكية يعود بعضها إلى العهد العثماني.
وفي العموم، يدرك الرئيس الشرع أن ترسيم الحدود البرية يستلزم حسم ملف مزارع شبعا، فضلاً عن نقاط أخرى مختلف عليها، ما قد ينعكس سلباً على العلاقات المتبادلة ويتسبب بأزمة حدودية تضر بمصالح الجانبين الأمنية.
إشغال واستنزاف
تشكل الأزمات الحدودية عامل استنزاف كبير حتى للدول التي اشتد عودها وعظمت مقدراتها، فالحدود غير المستقرة تحتاج لإجراءات عسكرية وميدانية مكثفة تتطلب مخصصات اقتصادية كبيرة، لنشر العديد الكافي من الأفراد وإنشاء نقاط مراقبة مجهزة بتقنيات حديثة، ككاميرات الرصد الحراري وأجهزة الاستشعار، وبناء العوائق وإغلاق المنافذ غير الشرعية وتسيير الدوريات.
أما ما ينتج عن هذه الأزمات من مواجهات ميدانية، مع مجموعات متمردة أو عصابات تهريب، أو خلافات ذات طابع مذهبي أو قومي، فهي الأكثر استنزافاً للدول، فالحسم في مثل هذه المواجهات بعيد وأعباؤها السياسية والاقتصادية كبيرة، وقد تنعكس سلباً على الواقع الأمني والسياسي في الداخل ولا يقتصر أثرها على الحدود.
من هذا المنطلق، تجد سوريا في مسألة الحدود مع لبنان قضية تمس أمنها واقتصادها واستقرارها، وكل تصعيد فيها قد ينعكس سلباً على جهود الدولة السورية في البناء والتطوير، الأمر الذي يستدعي منها إيجاد مقاربة تمنع من جرها نحو استنزاف طويل الأمد مع حفظ أمنها وسيادة أراضيها.
ومنذ تحرير سوريا وسقوط نظام الأسد، شهدت الحدود اللبنانية السورية العديد من الإشكالات التي تطورت في بعض الأحيان إلى مواجهات مسلحة دامية. ففي مطلع شباط 2025 اندلعت اشتباكات في محيط مدينة القصير بين مجموعات مناصرة لحزب الله والجيش السوري على أثر اختطاف عنصرين من الجيش السوري، قبل إطلاق سراحهما لاحقاً. تلا ذلك اشتباكات أعنف في منتصف آذار 2025 استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، وذلك على أثر مقتل ثلاثة عناصر من الجيش السوري على يد عناصر من حزب الله دخلوا منطقة القصير خلسة، بينما قالت الرواية اللبنانية إن القتلى مهربون سوريون دخلوا منطقة حوش السيد علي اللبنانية خلسة.
أظهرت هذه الأحداث إمكانية تحول الحدود اللبنانية السورية إلى أزمة مشتعلة، طرفاها الجيش السوري من جهة وعشائر البقاع اللبنانية التي يعمل معظم أبنائها في مجال التهريب، مع إمكانية أخذها طابعاً طائفياً لكون معظم عشائر البقاع من الشيعة، وهو ما لا تريد دمشق التورط فيه لاعتبارات عدة.
لفهم أسباب هذا التعقيد، لا بد من العودة إلى الظروف التي تشكلت فيها الحدود الحالية.
كيف جزأنا الاستعمار؟
بالعودة إلى جذر المشكلة، ارتبط اسم سوريا تاريخياً ببلاد الشام أو سوريا الطبيعية التي ضمت الولايات العثمانية في حلب ودمشق وطرابلس وجبل لبنان وصيدا. أما لبنان، فقد ظهر ككيان سياسي في إطار متصرفية جبل لبنان، وهي وحدة إدارية تابعة للسلطنة العثمانية غلب على سكانها الدروز والمسيحيون الموارنة، وكانت أصغر بكثير من حدود لبنان الحالية.
ومع هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وتقسيم أراضيها بين دول الحلفاء، قسمت فرنسا بلاد الشام إلى عدة كيانات، كان من بينها دولة لبنان الكبير التي أعلن عنها الجنرال الفرنسي هنري غورو في الأول من أيلول عام 1920. ولتوسيع هذا الكيان، ضمت إليه مناطق طرابلس وعكار وبعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا، إضافة إلى صيدا وصور.
وفي عام 1943 أصبح لبنان دولة مستقلة بحدوده الجديدة، وبتركيبة سكانية أوسع من تلك التي عرفتها متصرفية جبل لبنان.
خلّف هذا التقسيم آثاراً تجاوزت الجغرافيا إلى النسيج الاجتماعي نفسه، إذ توزع أبناء الأسرة الواحدة والعشيرة الواحدة بين دولتين تفصل بينهما حدود مستحدثة. فعلى ضفتي النهر الجنوبي الكبير بقيت علاقات القرابة والمصاهرة والأملاك المشتركة حاضرة رغم الخط الحدودي، كما تكرر المشهد ذاته على امتداد الحدود الشرقية بين سوريا ولبنان. وأنتج هذا التداخل واقعاً جمع بين وحدة المجتمع وتعدد السلطات السياسية، وهيأ الأرضية لتعقيدات الحدود التي ظهرت لاحقاً.
بين النزاع الحدودي والاحتلال
على عكس ما جرى عليه عرف الناس، توجد اتفاقية بين سوريا ولبنان حول ترسيم الحدود البرية. ففي العام 1970 وقّعت سوريا ولبنان الاتفاق النهائي لترسيم الحدود بينهما، لكنه أقر بوجود 27 نقطة خلافية على طول الحدود. ورغم توقيع الاتفاق وقراري مجلس الأمن 1680 و1701، لم يُنفّذ ترسيم الحدود بين الجانبين طوال عقود نتيجة وجود نقاط متنازع عليها وبلدات متداخلة وسكان مختلطين كما في قرى وادي خالد والطفيل والقصير وحوش السيد علي وغيرها.
وعند المثلث الحدودي الفاصل بين لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة جنوباً، تكمن مسألة مزارع شبعا التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967، واكتسب ملف مزارع شبعا بعداً يتجاوز مسألة الترسيم وحدها، ليتحول إلى أحد المرتكزات الرئيسية في الجدل المتعلق بسلاح حزب الله ودوره.
فمع تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، أبقت إسرائيل على تواجد قواتها في منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا في سفوح جبل الشيخ كنقاط حاكمة للقطاع الشرقي من جنوب لبنان. أعطى هذا الاحتلال لحزب الله سبباً قانونياً وشعبياً للاحتفاظ بسلاحه إلى حين تحرير كامل المنطقة التي تصنّف لبنانية، بينما شدد خصوم الحزب في الداخل اللبناني على ضرورة ترسيم الحدود مع ميول لديهم للتخلي عن شبعا سداً للذرائع أمام الحزب ولمطالبته بتسليم سلاحه.
لكن مع المعارك المتتالية التي خاضها حزب الله ضد إسرائيل منذ 8 تشرين الأول 2023، توسع الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان ولم تعد مزارع شبعا وحدها تحت الاحتلال، حيث وصل الجيش الإسرائيلي إلى مشارف مدينة النبطية شمال نهر الليطاني. وبذلك، لم تعد مزارع شبعا وحدها السبب الذي يبرر من خلاله حزب الله تمسكه بسلاحه، بل كل الجنوب المحتل. لكن هل يعني هذا أن الترسيم ممكن الآن؟ لا يبدو كذلك.
كيف تدير دمشق هذا الملف؟
تعتمد الدولة السورية اليوم مقاربة مختلفة لمنع نشوب أزمة حدودية، حيث نشرت قوى حرس الحدود المخصصة لضبط الحدود ومنع الاحتكاك مع اللبنانيين، كما أنشأت قناة ارتباط وتنسيق مع الجهات الرسمية اللبنانية لرفع مستوى تبادل المعلومات وحل الإشكالات الحدودية في مهدها قبل تطورها.
لكن مهمة كهذه ليست بالسهلة، حيث يحتاج ضبط هذه الحدود إلى عدد كبير من الجنود ووسائل مراقبة ومعدات لوجستية متقدمة، وهو ما لم يستطع الجيش اللبناني توفيره حتى الآن، فضلاً عن الجيش السوري حديث النشأة. تتشكل جغرافية المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا من جبال جرداء وعرة تمتد من ريف حمص الجنوبي إلى جبل الشيخ، بينما ينخفض مستوى وعورة وارتفاع هذه التضاريس على الحدود الممتدة من ريف حمص الغربي إلى طرطوس، ولكن مع غطاء نباتي كثيف.
كما أن الواقع الديمغرافي يزيد من صعوبة إدارة هذا الملف، حيث لا تكاد تجد قرية حدودية إلا وتربطها علاقات قرابة ومصاهرة مع أبناء القرى التي تقابلها على الجانب الآخر من الحدود، فضلاً عن الأملاك العقارية. يضاف إلى ذلك عدد كبير من السوريين المسجلين لاجئين لدى منظمات الإغاثة الدولية في لبنان، حيث يحتاج هؤلاء إلى دخول لبنان بشكل مستمر وبطرق غير شرعية للحصول على المساعدات الطبية والعينية والمالية التي تقدمها لهم المنظّمات، ويضاف إليهم عدد كبير ممن يعملون في لبنان، حيث تعتمد الورش اللبنانية بشكل كبير على اليد العاملة السورية.
هذه الأسباب وغيرها تجعل من ملف الحدود بين لبنان وسوريا ملفاً معقداً يحتاج إلى إدارة دقيقة، لما له من انعكاسات أمنية وسياسية واقتصادية على الدولتين، مع الأخذ بعين الاعتبار وضع الحكومة السورية هدف الاستقرار والتنمية والأمان أولوية بالنسبة لها.
ولا يمكن فرض حلول سحرية في ظل واقع معقد كهذا، خاصة في ظل السياسات التوسعية الإسرائيلية التي تعد الفاعل الأبرز في المنطقة، فضلاً عن تعقيدات المشهد اللبناني الداخلي الذي تحكمه أعراف سياسية أكثر من مواد دستورية. ولذلك، قد لا يكون الحل السوري لمسألة الحدود مادياً بقدر ما هو سياسي أمني هجين من خلال دور إيجابي لدمشق في المعادلة اللبنانية، عبر التواصل مع الأطراف الفاعلة في المشهد واعتماد أدوات تأثير ناعمة والتوصل إلى تفاهمات مرحلية في ظل صعوبة عقد اتفاقيات نهائية.

