ما بعد الإغاثة: بناء سوريا يبدأ من القانون وحوكمة قطاع العمل

الوقت اللازم للقراءة:
4 minsعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، عاش السوريون في ظل نظام استبدادي هيمن على مؤسسات الدولة، وأغلق الحياة السياسية، واحتكر السلطة، وأضعف المؤسسات لصالح الولاءات والشبكات الضيقة. فكان لا بد لهذا التراكم من المظلوميات والقهر والحرمان من أبسط الحقوق الأساسية أن ينفجر في ثورة عام 2011.
واليوم، وبعد التحول التاريخي الذي أنهى مرحلة استبدادية استمرت أكثر من نصف قرن، تواجه سوريا تحدّياً من نوع مختلف. فالمعركة لم تعد مواجهة استبداد، بل الانتقال إلى بناء دولة قادرة على تحويل التضحيات الهائلة التي قدّمها السوريون إلى مؤسسات فاعلة، وقوانين عادلة، واقتصاد منتج. وهنا يبرز السؤال الأهم: من أين يبدأ البناء الحقيقي؟
وقبل إعادة إعمار المدن والبنية التحتية، أو التعويل على الاتفاقات السياسية وحدها، لا بد أن تكون البداية من إرساء أسس منظومة قانونية واضحة تطبق على الجميع، وتحمي الحقوق، وتحدّد الواجبات. أي أن البداية تكون من إصلاح القوانين وتنظيم سوق العمل بوصفهما من الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار ودفع عجلة التنمية.
هوية قانونية موحدة
أحد أبرز التحديات التي تواجه سوريا يتمثل في الإرث الثقيل للتشظّي القانوني الذي أنتجته سنوات النزاع. فخلال سنوات الثورة، خضع السوريون في مناطق مختلفة لمرجعيات قانونية وإدارية متعددة، الأمر الذي خلق تفاوتاً في الإجراءات والحقوق والالتزامات، وأضعف الشعور بوجود إطار قانوني وطني موحد.
ولهذا فإن توحيد التشريعات لا يعد مسألة تنظيمية فحسب، بل يمثل خطوة أساسية لاستعادة الثقة بالدولة نفسها. فالمواطن الذي لا يعرف أي القوانين تحكمه، والمستثمر الذي لا يملك ضمانات واضحة لحقوقه، وصاحب العمل الذي يواجه منظومات مختلفة من القواعد والإجراءات، جميعهم يصبحون أقل قدرة على المساهمة في عملية التعافي.
لذلك فإن حماية الملكية الخاصة، وضمان استقرار العقود، وتوحيد أسس الوظيفة العامة، تشكّل ركائز ضرورية لخلق بيئة قانونية مستقرة تمنح المواطنين والمستثمرين الثقة بالمستقبل وتؤسس لمرحلة التعافي.
إصلاح سوق العمل
وبالتوازي مع توحيد الإطار القانوني، يبرز إصلاح سوق العمل بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فقد دفعت سنوات الحرب أعداداً كبيرة من السوريين إلى العمل خارج الأطر القانونية المنظمة، ووسّعت من حجم الاقتصاد غير الرسمي، كما أدّت إلى تراجع الضمانات العمالية وارتفاع معدلات الاستغلال وانعدام الاستقرار الوظيفي. إذ تشير تقديرات بحثية إلى أن نحو ربع القوى العاملة السورية كان يعمل خارج إطار التنظيم الرسمي قبل الحرب، ومع انهيار سوق العمل نتيجة الحرب ارتفعت معدلات الاقتصاد غير الرسمي. لتتحرك شريحة واسعة من العمالة في اقتصاد الظل (العمالة غير الرسمية)
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحديث التشريعات الناظمة للعمل بما يتناسب مع المتغيرات التي فرضتها السنوات الماضية. فالغاية ليست تعديل القوانين، بل بناء منظومة عمل قادرة على تحقيق توازن حقيقي بين حماية العامل وتشجيع الاستثمار، بما يضمن خلق فرص عمل مستقرة ويسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية.
تزداد أهمية هذا المسار إذا ما أخذنا في الاعتبار التحدّيات المرتبطة بعودة النازحين واللاجئين، وإعادة دمج الفئات التي دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات النزاع. إذ إن آلاف السوريين قد فقدوا مصادر رزقهم أو انقطعوا عن سوق العمل لفترات طويلة، الأمر الذي يجعل من مسألة التعافي الاقتصادي أكثر تعقيداً. وعليه، فإن نجاح هذا التعافي لا يُقاس فقط بحجم المشاريع الاقتصادية، بل بمدى قدرتها على استيعاب هؤلاء وإعادة دمجهم في حياةٍ منتجة تحفظ كرامتهم، وتمنحهم فرصة حقيقية للمشاركة في إعادة بناء البلاد.
النساء كمعيلات
ضمن التحولات التي أصابت سوق العمل خلال سنوات النزاع، برزت النساء كطرف أساسي في تحمل الأعباء الاقتصادية داخل الأسر. ففي كثير من الحالات، أصبحت النساء المعيلات الوحيدات لعائلاتهن نتيجة فقدان المعيل، سواء بسبب الاعتقال أو الوفاة أو الغياب القسري، ما دفعهن إلى دخول سوق العمل تحت ظروف معيشية صعبة وغير مستقرة.
اضطرت المعيلات إلى دخول سوق العمل دون وجود إطار قانوني وتنظيمي يضمن حماية عملهن أو يوفّر شروط عمل مستقرة. إذ تظهر المعطيات أن نسبة الأسر التي تعيلها نساء قد تضاعفت بشكل كبير خلال سنوات النزاع. لذلك، فإن معالجة اختلالات سوق العمل تتطلب سياسات تشريعية مستجيبة للنوع الاجتماعي، تضمن تكافؤ الفرص في الأجور، وتوفير بيئة عمل آمنة للنساء العاملات، وتلغي التمييز غير المعلن ضدهن في التوظيف بسبب التزاماتهن الأسرية المستجدة.
الحوكمة الاقتصادية
على المستوى الاقتصادي الكلي، يرتبط نجاح هذه الإصلاحات مباشرة بقدرة الدولة على ترسيخ مبادئ الحوكمة وسيادة القانون. فالمستثمر المحلي، والمغترب السوري الراغب في العودة بأمواله، والشريك الدولي الباحث عن فرص استثمارية، لن تغنيهم فرص الاستثمارات وسوق عمل المتعطّش عن بيئة قانونية مستقرة واضحة تحمي الحقوق وتضمن تنفيذ الالتزامات.
فالاقتصاد لا يزدهر في ظل الغموض، ورأس المال لا يغامر في بيئات تفتقر إلى الشفافية والمساءلة. ولذلك فإن مكافحة الفساد، وتعزيز استقلال المؤسسات، وضمان تطبيق القانون على الجميع، ليست شعارات سياسية، بل شروط أساسية لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.
كما أن تحسين أداء مؤسسات الدولة والقطاع الخاص على أساس الكفاءة بدل المحسوبيات، يساهم في بناء اقتصاد أكثر توازناً، ويعيد توجيه الموارد نحو الإنتاج بدل الهدر، ويخلق فرصاً اقتصادية أوسع وأكثر استدامة.
في النهاية، لن تُقاس قدرة سوريا على تجاوز آثار الحرب بعدد الأبنية التي ستُرمم أو بحجم الأموال التي ستُضخ في مشاريع الإعمار، بل بقدرتها على بناء دولة يشعر فيها المواطن أن القانون يحمي حقوقه، وأن العمل يوفر له فرصة حقيقية للحياة الكريمة، وأن المؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة لا وفق العلاقات الشخصية وموازين النفوذ.
فالدول لا تستعيد عافيتها عندما تنتهي المعارك فقط، بل عندما يقتنع الناس بأن مستقبلهم بات محكوماً بالقانون لا بالاستثناء، وبالفرص لا بالمساعدات، ومرتكزاً إلى العدالة والحقوق المصونة. ومن هنا يبدأ البناء الحقيقي لسوريا الجديدة.

