أزمة التمثيل السياسي في الرقة لماذا استقالت الهيئة الناخبة؟

الوقت اللازم للقراءة:
5 minsشهدت محافظة الرقة بتاريخ 17 آذار انتخابات مجلس الشعب، التي أفرزت ثلاثة أعضاء من دائرة الرقة، وعضواً واحداً من دائرة الطبقة الذين سينوبون عن المحافظة ومقاعدها الأربعة. إلا أنّ هذه العملية أفرزت أزمة تمثيل سياسي حادة، بحكم استقالة جزء كبير من الهيئة الناخبة، وهي الهيئة المسؤولة عن انتخاب ممثلي المحافظة، احتجاجاً على آليات تشكيلها واختيار أعضائها النهائي. وقد فرض كلُّ ذلك تساؤلات كثيرة وعميقة بين الأوساط السياسية والفكرية والجهوية حول مصداقية العملية الانتخابية ونوعية التمثيل السياسي في مرحلة إعادة البناء السياسي بعد عقود من القمع والاستبداد والتهميش.
ما هي الهيئة الناخبة في الرقة؟
الهيئة الناخبة هي الحلقة المحورية في النظام الانتخابي غير المباشر الذي اعتمدته سوريا في انتخابات مجلس الشعب 2025-2026، حيث يتم اختيار أعضاء مجلس الشعب عبر هيئات ناخبة محلية بدلاً من الاقتراع العام، نظراً للظروف الاستثنائية التي تعيشها سوريا (انعدام بنية انتخابية مباشرة، وتجزّؤ السيطرة الأمنية).
تضمّ الهيئة الناخبة في محافظة الرقة حوالي 150 عضواً عن دائرة الرقة و50 عضواً عن دائرة الطبقة، وتُكلّف الهيئة بانتخاب مرشّحي مجلس الشعب، الذين من المفترض أن يكونوا ممثلين عن المجتمع المحلي ومكوناته.
ما الذي حدث؟
أُعلنت القوائم النهائية لأعضاء الهيئة الناخبة في الرقة والطبقة في مطلع آذار 2026، باعتبارها المرحلة الأولى من العملية الانتخابية، ليعلن بعدها عدد من أعضاء اللجنة الفرعية للانتخابات في الرقة استقالتهم الجماعية من المهام الموكلة إليهم، ثم تلا ذلك مباشرة انسحاب عشرات من أعضاء الهيئة الناخبة، احتجاجاً على القائمة النهائية التي أصدرتها اللجنة العليا للانتخابات، بصفتها الجهة المركزية المشرفة على العملية الانتخابية، وجاءت الاستقالات والانسحابات على خلفية اعتراضات تتعلّق بآلية إعداد القائمة النهائية وعدم الالتزام بالقوائم التي كانت اللجنة الفرعية قد رفعتها مسبقاً.
رغم كل ما حصل من إشكالات، لم تستجب اللجنة العليا للأسباب المطروحة، بل أعلنت لاحقاً أنها ستتولى بنفسها استكمال العملية الانتخابية، بما في ذلك استقبال طلبات الترشّح والإشراف على عملية الاقتراع. ولعل تلك الخطوة عابها التهوّر ورافقها جدلٌ واسع في الأوساط السياسية المحلية.
لماذا قدّمت الهيئة الناخبة استقالتها؟
- اعتراض على آلية تشكيل القائمة
أعرب أعضاء الهيئة الناخبة عن رفضهم للقائمة النهائية التي أصدرتها اللجنة العليا، معتبرين أن بعض الأسماء فيها غير ممثّلة للرؤية المحلية أو لأدوارها في الثورة السورية، بل جاءت لأسباب لا علاقة لها بالتمثيل الحقيقي للمجتمع وتحمل حسّاً من فرض خارجي للخيارات.
- تدخَلات في عمل اللجنة الفرعية
أحد الأسباب الجوهرية كان ما وصفه أعضاء الهيئة بأنه تدخل من اللجنة العليا في عمل اللجنة الفرعية المنتخبة في الرقة، من خلال حذف واستبدال أسماء أو إدراج أخرى رغم وجود طعون قانونية ضدها وهو ما اعتبره البعض تجاوزاً لمهام اللجنة العليا القانونية وإخلالاً بحرية وحيادية عملية تشكيل الهيئة الناخبة.
- قلق حول الشفافية والمعايير
أثار كثير من المنسحبين مسألة غياب معايير واضحة ومفتوحة لقبول أو رفض الأعضاء وعدم وجود معايير شفافة لتقييم أسماء المرشحين وفق معايير موثوقة تمثّل تنوّع المجتمع، بما فيه التاريخ الثوري والعشائري والمهني، وهذا الإشفاق من عدم الوضوح يؤكد فجوة بين العملية النظرية للإشراف الانتخابي وبين تطلّعات الناس المحليين.
إذاً أفرزت هذه الاستقالة مشاكل كانت في جوهرها سياسية، أكثر من إدارية، رغم أن بعض التبريرات قد تحمل طابعاً تنظيمياً وفنياً (آليات القوائم والنظام الداخلي)، إلا أن لجذورها ارتباط وثيق بالثقة في العملية الانتخابية نفسها ومدى الاعتقاد بأنها ستعكس إرادة المجتمع المحلي وليس توجيهات من جهات مركزية.
الحقيقة أن الانتقادات تركّزت على ما يُنظر إليه كـتحيّز في اختيار واعتماد أعضاء الهيئة الناخبة لخدمة مصالح تيار أو لون سياسي على حساب آخر، مما يجعل القضية أكثر عمقاً من مجرد مسائل تنظيمية.
هل تعكس أزمة تمثيل سياسي؟
ما حدث في الرقة هو انعكاس واضح لأزمة تمثيل سياسي في هذه المرحلة الانتقالية، عندما يشعر قطاع واسع من المجتمع وخاصة أصحاب التاريخ الثوري والتمثيل المدني المحلي، بأن آليات التمثيل مغيّبة أو غير عادلة، فإن ذلك يعكس فجوة بين المؤسّسات المسؤولة عن بناء العملية السياسية وبين تطلّعات المواطن العادي، وهذه الأزمة ليست محلية فحسب، بل هي جزء من تحديات أوسع للنظام الانتخابي المؤقت نفسه الذي يعتمد على اختيار غير مباشر قد يرى فيه البعض إشكالاً بحدّ ذاته.
هل تؤثّر الاستقالة على شرعية الانتخابات؟
في النظام الانتخابي غير المباشر، لا تعد الانتخابات باطلة لمجرد حدوث انسحابات من الهيئة الناخبة، ما دام عدد الأعضاء المتبقّين لا يزال يحقق النصاب القانوني المطلوب، وفي حالة العملية الانتخابية في محافظة الرقة ورغم أن عدد المنسحبين تجاوز 50 عضواً، فإن عدد أعضاء الهيئة الناخبة ظل فوق الحد الأدنى المعتمد، الأمر الذي أتاح استمرار الانتخابات في موعدها المحدد.
ولكن لا يُكتفى بالنصاب واللوائح القانونية في وصفنا لعملية سياسيةٍ ما بأنها شرعية، بل لا بد من أن تكون العملية تعبّر عن إرادة السكان المحليين وقناعاتهم، وفي ظل وجود احتجاجات واسعة وانسحابات، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قبول المجتمع المحلي بنتائج هذه الانتخابات، خاصة لدى فئات شبابية وثورية شعرت بأن خياراتها لم تحترم.
ماذا سيحدث بعد الاستقالة؟
استكملت اللجنة العليا للانتخابات العملية وأجريت الانتخابات في موعدها يوم 17 آذار 2026.
ولكن قد تستمر التوتّرات المحلية، بين الأوساط الاجتماعية والسياسية والثورية، على المدى المتوسّط والقريب، إذا لم يُعالَج شعور الاغتراب والتمثيل غير المتوازن، وقد نشهد ضغطاً مجتمعيّاً أكبر على المؤسسات السياسية لتحديث آليات التمثيل وتحسين مشاركات المجتمع المدني والعشائري بشكل أوسع.
بعد استكمال العدد المطلوب من أعضاء مجلس الشعب وبدء انعقاد جلساته، يُرجح أن يعاد النظر في النظام الانتخابي بصورة عامة ولا سيما في آلية اختيار الهيئة الناخبة ومعايير قبول القوائم، ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل احتمال امتداد المرحلة الانتقالية إلى خمس سنوات، ما يعني الحاجة إلى تنظيم انتخابات جديدة لمجلس الشعب، باعتبار أن مدة ولاية المجلس الحالي لا تتجاوز 30 شهراً، ومن ثم يمكن النظر إلى هذه الإجراءات بوصفها جزءاً من مساعي تطوير العملية السياسية في سورية ولا سيما إذا تبيّن أن الاستمرار في النهج القائم قد ينعكس سلباً على شرعية الانتخابات المقبلة.
في المقابل، تمثّل هذه الأزمة، بعيداً عن وصفها خللاً فنيّاً أو إشكالاً تنظيميّاً عابر، مؤشّراً واضحاً على حالة من الوعي المجتمعي المتنامي والرغبة في تنظيم العمل السياسي على نحو أكثر شمولاً وتوازناً، كما تعكس سعياً إلى المواءمة بين آليات التمثيل السياسي الرسمية وتطلعات المجتمع المحلي ولا سيما في مرحلة إعادة بناء الحياة السياسية والدخول في عهد جديد يقوم على الانفتاح وإعادة بناء سوريا بعد سنوات من التدمير الممنهج والقمع والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها نظام الأسد.
وفي اللحظة التي يسعى فيها المجتمع لإعادة تأسيس مؤسسات تمثيلية، سواء كانت قانونية أو تشريعية، فإن ضمان الشفافية والعدالة التمثيلية يصبحان أمرين حاسمين لبناء ثقة الناس في العملية السياسية ككل، وإن ما جرى في الرقة، سواء في استقالة الهيئة الناخبة أو الانسحابات التضامنية، يذكّر بأن الشرعية السياسية لا تقتنى عبر الإجراءات القانونية وحدها، بل عبر إدراك الناس بأن صوتهم وتطلعاتهم يحترمان ويشاركان في كل مراحل البناء المؤسساتي المستقبلي.

