وليمةُ الشاشات: نحنُ الضيوفُ.. ونحنُ القِرى

الوقت اللازم للقراءة:
7 minsيحجب الانبهار والاتكالية الكبيرة على الخدمات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي الكلفة الفعلية لهذه الخدمات، إذ يظن جمهور المستخدمين أن مجانية تطبيقات فيسبوك وإنستغرام وواتساب حقيقة مطلقة، ويحصرون الدفع في الميزات الإضافية فحسب. هذا الوهم يفتح الباب أمام سؤال حاد:
من يدفع الثمن حقاً، وكيف تجني الشركات مليارات الدولارات من منصّات تبدو بلا مقابل للمستخدم العادي؟
أنت السلعة
الحقيقة أن هذه الشركات تجني المليارات عبر تحويل المستهلك ذاته إلى بضاعة معروضة في سوق البيانات التي تُعدّ النفط الجديد في عصرنا الحالي؛ فكل نقرة وبحث عابر يمثل أثراً يُسجل ويُقرن بالهوية الشخصية، ليدخل في خوارزميات معقّدة تستهدف تحويل العفوية البشرية إلى منظومة ربحية دقيقة تخزن في مستودعات رقمية هائلة. بهذه الطريقة يصبح الجسد الرقمي للفرد، بما يحمله من ميول وهشاشة، مخزوناً يُستخرج منه الربح بلا توقف.
ويتجلى هذا الواقع فيما أسمته البروفيسورة شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff)
عام 2019 بـ«ـرأسمالية المراقبة»؛ وهي نظام اقتصادي يصنع من الفرد منتجاً بدلاً من كونه عميلاً، إذ تتحول الخدمات المجانية إلى شِباك ذكية يسكنها المستخدم طوعاً، ويترك خلفه رغباته ومخاوفه وعاداته بالكامل. فما يُكتب اليوم، وما يُشاهَد ويُسجَّل، يغذّي نماذج تدرك خفايا النفس مستقبلاً، لتبيع هذه المعرفة لمن يبتغي توجيه القرار البشري، سواء كان تاجراً أو دولة.
وعلى ذات النسق التحليلي، يؤكد الخبير بروس شناير (Bruce Schneier) في كتابه البيانات والعملاق (Data and Goliath) الصادر عام 2015 تفوّق معرفة غوغل على مدارك البشر لذواتهم لامتلاكها ذاكرة دقيقة تترفع عن النسيان. يقول شناير إن أحداً لا يكذب على محرّك البحث، وإن غوغل تعرفنا معرفة أعمق مما يحيط بنا في علاقاتنا الأقرب، لأنها تمتلك ذاكرة لا تخطئ ولا تنسى، بخلاف البشر. هذا الوعي الرقمي المتراكم هو رأس المال الحقيقي الذي يعاد تسويقه بلا توقف.
فخ المجانية
تستمد الخديعة الرقمية اليوم تجربتها من إرث موغل في الدهاء التجاري، يمكن تلمّسه في تجربة الألماني فريدريك ألبرت وينسور (Frederick Albert Winsor) عام 1807، حين حوّل شوارع بال مول في لندن إلى مسرح لاستراتيجية الاستدراج بالضياء المجاني. قدّم وينسور نور الغاز عطية عابرة للمارة والبرلمانيين، وتركهم يغرقون في سحر الإضاءة الحديثة حتى استوطن الاعتياد نفوسهم، وغدا الاستغناء عن هذا النور أشبه بالعودة إلى عصور الظلام الموحشة.
وحين نضج هذا الاعتياد وتحوّل الضياء إلى ضرورة ملحّة، كشف وينسور عن مآربه الحقيقية؛ فانتزع ميثاقاً ملكياً احتكارياً أسس بموجبه شركة الضوء والغاز، ليتحوّل المستهلكون من منتفعين بالمجان إلى مدينين خاضعين لسلطة الفواتير والاحتكار طويل الأمد. في جوهر هذه المناورة نرى النمط نفسه اليوم لدى عمالقة التقنية: يُبذل السخاء في البدايات لترسيخ التبعية الرقمية، حتى يغدو المستخدم رهينة لخدمات تملك أدق تفاصيل حياته، تماماً كما امتلك وينسور مفاتيح النور في شوارع لندن القديمة.
على هذا النسق يمكن قراءة سباق شركات الذكاء الاصطناعي إلى إتاحة نسخ مجانية قوية من نماذجها؛ فالتقارير الاقتصادية أشارت إلى أن OpenAI تتحمّل تكاليف حوسبة هائلة وخسائر مالية كبيرة مقابل ترسيخ الاعتياد على خدماتها، ما يتقاطع مع تصريحات مسؤوليها عن أن الجزء الأكبر من ميزانياتها المقبلة سيوجَّه إلى الحوسبة لضمان بقاء نماذجها في مركز المشهد. هنا لا تُعدّ الخسائر ثمناً ضائعاً، بل استثماراً طويل الأمد في ولاء المستخدم واعتياده.
من صراع الشركات إلى صراع الأمم
بمرور الوقت، تحوّل التسابق بين الشركات إلى صراع بين الأمم؛ إذ أدركت القوى الكبرى أن ارتهان الشعوب لمنصات أجنبية يمنح الدول الأخرى قدرة على استراق السمع وتشكيل القناعات وبناء نفوذ سياسي واقتصادي ناعم. فأن تتحكّم في المنصة يعني أن تصون بنيتك التحتية الرقمية ويعني أن تصون أمنك القومي، فهي ليست مجرد حسبة ربحٍ وخسارة تجارية.
من هذا الإدراك وُلد مفهوم الإنترنت السيادي (Sovereign Internet)؛ أي فرض السيطرة الوطنية على البنية التحتية المعلوماتية وحركة البيانات. تصدرت الصين هذا المضمار عبر جدار تقني يحجب الوسائل الغربية، وأطلقت عام 2017 خطة تطوير الذكاء الاصطناعي للجيل الجديد، واضعةً مساراً واضحاً لفرض السيادة التقنية. وفي السنوات اللاحقة برزت شركات مثل DeepSeek، التي قدّمت نماذج مفتوحة المصدر قوية وأرخص كلفة، واستطاعت أن تهزّ الأسواق العالمية وتنافس نموذج الهيمنة الأمريكي في الذكاء الاصطناعي.
وفي ذات السياق، سلكت روسيا وإيران درباً مشابهاً بضبط تدفق المعلومات داخل حدودها، وأحكمت كوريا الشمالية قبضتها عبر شبكة Kwangmyong المعزولة عن الإنترنت العالمي. هذا التوجّه لم يقتصر على الأنظمة الشمولية؛ فقد شهدت الديمقراطيات الغربية بدورها موجات تشريعية تسعى لتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية البيانات، كما يظهر في تقديم مشرّعين أمريكيين مشروع قانون No Adversarial AI Act الذي يستهدف منع الوكالات الفدرالية من استخدام أدوات ذكاء اصطناعي خاضعة لسيطرة “خصوم أجانب” مثل الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية. هذه التحرّكات تؤشر إلى اشتعال معركة الاستقلال الرقمي عالمياً.
سوريا في حروب الفيلة
يتخذ هذا الصراع بعداً أكثر قسوة حين تتسلل هذه الأدوات إلى مجتمعات تسعى للنهوض وسط هشاشة سياسية واقتصادية، كما في الحالة السورية. حاجة الأفراد للتواصل والعمل وتحصيل المعرفة تُستثمر في استلاب تجاربهم العفوية وتحويلها إلى بيانات تغذي آلة ربحية عابرة للحدود، بينما تظل البنية التشريعية والمؤسساتية ضعيفة أو غائبة.
يفسر عالما الاجتماع نيك كولدري وأوليسيس ميخياس (Nick Couldry, Uliess A. Mejias) هذا الواقع بمفهوم استعمار البيانات (Data Colonialism)؛ حيث تمارس المنصات استغلالاً ناعماً يستحوذ على حياة الناس لتداولها في أسواق التكنولوجيا. وفقاً لهذا التصور، يُستخرج «زيت الحياة اليومية» من تفاعلات البشر، ثم يُعاد تصديره في شكل خوارزميات تعزف على وتر العواطف والمحتوى المثير للجدل، لضمان أسر المشاهد وتعميق الشقاق المجتمعي. هذا ما نلمسه في تضخيم المحتوى الاستقطابي، وتشجيع الإشاعات والعناوين الصادمة على حساب الحوار الهادئ والبناء.
الأمن الرقمي والتهديدات الوجودية
يتضاعف خطر استعمار البيانات حين تتقاطع الأطماع التجارية مع التهديدات الأمنية. في الحالة السورية.
مثلاً، نجد أنفسنا أمام تفوّق سيبراني يمتلكه الكيان الإسرائيلي عبر برمجيات مراقبة متطورة وأدوات تجسّس تجارية ودولتية، كما كشفت تقارير عديدة عن استخدام برمجيات مثل بيغاسوس في المنطقة. في هذا السياق تمثّل البيانات المستباحة في التطبيقات المجانية ثغرات عميقة تتيح للعدو الوجودي اختراق النسيج المجتمعي، وقراءة التحركات اليومية بدقة عالية، والتأثير في مزاج الرأي العام.
لا يعني هذا أن كل استخدام لمنصات أجنبية خيانة، بل يعني أن الاستهتار بشروط الخصوصية، وتراكم البيانات الحساسة بلا وعي، يسهّل مهمة الخصوم في أي مواجهة مقبلة. لذا يصبح بناء الوعي الرقمي ضرورة وأولوية لحماية سوريا وشعبها من التحول إلى كتاب مفتوح في ساحات الحروب المقبلة، حيث تتحرك الجيوش على وقع بيانات المواطنين قبل وقع أقدام الجنود.
التحصين الرقمي: سيادة ومواطنة
أمام هذه التحولات، تواجه الدول الناشئة تحديات الاعتماد الأعمى على التكنولوجيا الأجنبية التي تفضي إلى تبعية تقنية واستباحة للبيانات المحلية. المطلوب هنا ليس الانعزال عن العالم، بل بناء فهم يتجاوز مجرد الاستخدام إلى إدراك آليات التضليل والتوظيف، وكيف يمكن لقواعد البيانات الأجنبية أن تتحول إلى “خرائط” دقيقة لمجتمعاتنا.
في هذا الإطار برزت نماذج رائدة كنموذج ALLaM في المملكة العربية السعودية المتخصص في اللغة العربية، في محاولة لبناء قدرة ذاتية على إنتاج نماذج تفهم لغتنا وسياقاتنا وقيمنا. مثل هذه الخطوات تمثل سعياً نحو السيادة الرقمية، لكنها لن تكتمل ما لم تُستثمر في بناء منظومة أوسع تشمل البنية التحتية والكوادر وسياسات حماية البيانات. فالتقاعس عن بناء النماذج الوطنية يترك القرار رهينة خوارزميات صنعها غيرنا، تجيب بلسانهم وترى بعيونهم، وتُسقط تحيزاتهم على واقعنا.
وإذا كان الوعي المؤسساتي ضرورة، فإن حصانة الفرد هي حجر الزاوية في بناء هذا الاستقلال. المسؤولية هنا مشتركة بين الراعي والرعية؛ فكل ضغطة على زر “قبول” لسياسة خصوصية مجهولة، أو إدخال بيانات حساسة بعفوية مفرطة، تمثّل خرقاً في جدار الأمن الشخصي والسيادي. تأمل بسيط في أسئلة التطبيقات التي نوافق عليها يكشف حجم ما نتنازل عنه من تفاصيل حياتنا مقابل خدمة تبدو «مجانية».
الإنسان أولاً
ختاماً، يمكن القول إن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي ميزة، لكن الاتكاء الكلي عليه يضعف ملكات البشر في التفكير والبحث والكتابة واتخاذ القرار. الاعتماد المفرط على النماذج يولّد كسلاً ذهنياً، ويحوّلنا إلى مستهلكي إجابات جاهزة بدل أن نكون صانعي أسئلة ومعنى.
من هنا، تغدو تربية الأبناء على فهم آليات عمل هذه المنصات حصانة تفوق كثيراً برامج الرقابة التقليدية؛ فالطفل الذي يدرك كيف تُصنع خوارزميات التوصية وكيف تُستخدم بياناته، أقدر على حماية نفسه من التلاعب. وبالتوازي مع ذلك، يحمي تنويع مصادر المعرفة القناعات من التوجيه القسري، فلا يكتفي الفرد بخوارزمية واحدة تخبره «ما يحدث» وما «يجب أن يفكر فيه». في «وليمة الشاشات» هذه، يختار الإنسان اليقظ أن يكون ضيفاً يعي ما يُقدَّم له، لا قرية تُنهب مواردها في صمت، ويحفظ أمانة عقله في وجه أمواج الخوارزميات العاتية.

