تاريخ الحركة الإسلامية في سوريا

آخر تحديث: 19 أبريل، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

14 mins

ثمانية عقود تفصل بين جلوسهم تحت قبة البرلمان السوري الأول، ودخولهم المنتصر إلى دمشق الخالية من حكم البعث؛ وبين المحطتين، مسارٌ معمدٌ بالدم، ومجازرٌ، ومراجعاتٌ قاسية أنضجت الحركة الإسلامية السورية ونقلتها من فقه الخنادق والمواجهة، إلى الاستحقاق الأثقل: إدارة الدولة ورهانات البقاء.

تتطلّب قراءة هذا التحول التاريخي الكبير العودة إلى الجذور الأولى؛ إذ ارتبطت بذور الحركة الإسلامية في سوريا بسياقات إقليمية ومحلية بالغة التعقيد، انطلاقاً من تداعيات انهيار الخلافة العثمانية، وامتداداً لمساعي التغريب المرافقة للانتدابين الفرنسي والبريطاني في المنطقة. ولّدت هذه التحولات دافعاً عميقاً لدى النخب المجتمعية للدفاع عن هوية الأمة، لتنتج تياراً إسلامياً سورياً متجذراً، خاض عبر عقود أطول صراعات البلاد السياسية وأشدها دموية.

التأسيس والمشاركة السياسية المفتوحة (1946 – 1963)

وجدت الأفكار الإصلاحية طريقها إلى الساحة السورية المبكرة، امتداداً لتجربة حسن البنا في مصر عام 1928، . وشهد عام 1933 اللقاء الأول بين الطالب السوري الشاب مصطفى السباعي والبنا في القاهرة، متأثراً بمنهجه الحركي. وبموازاة ذلك، بادر الشيخ محمد الحامد فور عودته إلى مسقط رأسه حماة بتشكيل نواته الأولى عام 1939، مستنداً إلى روابط شخصية وفكرية وثيقة جمعته بالبنا أيضاً[1].

عكس المشهد السوري حالة اندماجية فريدة؛ فبدلاً من التأسيس المركزي المتبع في مصر، انصهرت ست جمعيات محلية ناشطة في المحافظات لتكوين الجسم الأساسي، وهي: دار الأرقم في حلب، والرابطة الدينية في حمص، والشبان المسلمين في دمشق، والأنصار في دير الزور، إلى جانب تنظيم حماة. وتكلّلت الجولات المكوكية التي قادها السباعي بين المدن السورية بدمج هذه الكيانات مؤقتاً تحت الغطاء الجامع “شباب محمد”، لتنسيق الجهود الدعوية والسياسية[2].

وبحلول أيار 1945، انعقد المؤتمر التأسيسي الشامل في دمشق، متوّجاً بالاندماج النهائي تحت مظلة جماعة الإخوان المسلمين. وباختيار الدكتور مصطفى السباعي بالإجماع ليكون المراقب العام الأول، اكتسبت الحركة صبغة سورية خالصة، محتفظة باستقلالية تامة في منهجها السياسي. وترافق ذلك مع طفرة شعبية نقلت الجماعة من طور النخبوية إلى رحاب العمل الجماهيري، مدعومة بكتلة طلابية حيوية، وتحالف مع تجار المدن وفر لها استقلالاً مالياً ومجتمعياً ملحوظاً[3].

عقب صدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947، اتجه شباب الإخوان نحو الميدان العسكري المباشر وانخرطوا – إثر تدريبات مكثفة في معسكرات قطنا- في كتائب التطوع، وخاضوا معارك ضارية في القدس، وحي القطمون، والكنيس اليهودي، مقدمين العشرات من الشهداء [4].

وعلى الصعيد السياسي الداخلي، أثمرت جهود الحركة عن نيلها ترخيصاً رسمياً عام 1946، حاصدة ثلاثة مقاعد في برلمان 1947، وسعياً لتعزيز مساحة التأثير، شكل السباعي تكتل الجبهة الإسلامية الاشتراكية، جاذباً المستقلين لمواجهة تمدد الأحزاب اليسارية والقومية كحزب البعث والشيوعيين، ومحافظاً في الوقت عينه على علاقات إيجابية مع شخصيات وطنية مسيحية كفارس الخوري. ولإيصال صوت الجماعة، أطلق السباعي جريدة “المنار” لتكون الذراع الإعلامية والفكرية المواجهة للتغريب.

وعن طبيعة التنافس في تلك الحقبة من تاريخ سوريا، يصف القيادي البعثي أحمد أبو صالح المشهد بوضوح:

“كنا في حزب البعث ننافس الإخوان في كل مكان، في الجامعة وفي الشارع وفي البرلمان، لكنها كانت منافسة سياسية فكرية… غاب التفكير في الإقصاء الدموي، وكانت سوريا تعيش تعدديّة حقيقية، والإخوان جزء أصيل من هذا المشهد الديمقراطي قبل وصول العسكر”[5].

مثّل برلمان 1950 العصر الذهبي للعمل السياسي الإسلامي؛ حيث خاض السباعي مواجهات خطابية عاصفة ضد مساعي أكرم الحوراني لفرض دستور علماني. وتجلت حنكة السباعي السياسية في انتزاع نصوص دستورية مفصلية، صادحاً تحت قبة البرلمان:

 “نرفض دستوراً ينسلخ عن قرآننا وتاريخنا”.

لتثمر جهوده عن إقرار مادتين تاريخيتين: “دين رئيس الدولة هو الإسلام”، و”الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”[6].

وامتداداً لهذا الأثر، ساهم فقهاء الجماعة، كالشيخ علي الطنطاوي، في صياغة قانون الأحوال الشخصية لعام 1953 لحماية الأسرة السورية. وترافق ذلك مع طرح السباعي لكتابه اشتراكية الإسلام»، مقدماً رؤية للعدالة الاجتماعية تتجاوز القومية الإقصائية وتستوعب مختلف الأعراق، وهو ما جلب للجماعة دعم عائلات شركسية وتركمانية بارزة، ومكّن الإخوان من دعم ترشيح المسيحي فارس الخوري لرئاسة الوزراء عام 1954 بفضل هذا الانفتاح.

توالت العواصف السياسية مع الانقلابات العسكرية، بدءاً بقرار أديب الشيشكلي حظر الأحزاب عام 1952 لصالح حركة التحرر العربي. ورغم استعادة الحياة النيابية لاحقاً، واجه الإخوان انتكاسة قاسية في انتخابات 1957 المفصلية؛ إذ سقط السباعي ضحية تزوير واسع وثّق منه عدنان سعد الدين 116 حادثة بتدخل مباشر من ضباط بزي مدني، مما أسفر عن إصابة السباعي بجلطة أقعدته صحياً. وتعمّق الفراغ التنظيمي بمبادرة الإخوان لحل تنظيمهم عام 1958، تضحيةً في سبيل إنجاح دولة الوحدة مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر، ممهدين بانسحابهم الطوعي الطريق أمام استيلاء العسكر بالكامل[7].

الصدام الأيديولوجي والدموي (1963 – 1982)

استغل ضباط حزب البعث هشاشة المشهد السياسي إثر الانفصال، محكمين قبضتهم على السلطة عبر انقلاب 8 آذار 1963. وفرضت القيادة الجديدة الأحكام العرفية بموجب المرسوم 51، مبادرةً بتسريح نحو 700 ضابط مسلم سنّي، وإحلال آخرين من الأقليات، في خطوة أحدثت تغييراً ديموغرافياً وعسكرياً جذرياً داخل الجيش السوري؛ ويصف المؤرخ نيقولاوس فان دام المشهد:

 “…وما لبث أن ازداد عدد أعضاء الأقليات في سلك الضباط السوريين مرة أخرى على حساب السنيين…”[8].

ونتيجة لمحاولات فرض افكار البعث بقوة السلاح، تفجّر الاحتقان الشعبي في حماة في شهر نيسان 1964. وقاد الشاب مروان حديد اعتصاماً في جامع السلطان، ليواجه بقصف مدفعي عنيف، ويسجل أكرم الحوراني وقائع تلك الليلة:

 “سقطت مئذنة الجامع بعدما دقتها مدافع الدبابات، وعرفوا أن أكثر من 40 شهيداً قضوا تحت الأنقاض…”[9].

وإثر مساعي التهدئة التي قادها الشيخ محمد الحامد مع الرئيس أمين الحافظ، عصفت بالبلاد رياح انقلاب دموي جديد عام 1966، أوصل صلاح جديد وحافظ الأسد للسيطرة المطلقة. ومكّن هذا التحول حافظ الأسد من الانفراد بالسلطة عام 1970 عبر انقلابه، مستنداً إلى تركيبة عسكرية تهيمن عليها الأقلية النصيرية.

تفاقمت الأزمة جذرياً مع طرح دستور 1973 الخالي من شرط إسلام رئيس الدولة، مما أشعل صدامات واسعة في الشوارع، ودفع حافظ الأسد لاستصدار فتوى من رجل الدين الشيعي موسى الصدر تعتبر العلويين طائفة من الشيعة لتمرير الدستور. وحفّز هذا التصعيد الأمني مروان حديد لتأسيس الطليعة المقاتلة كجناح عسكري سري، متجاوزاً القيادة السياسية للإخوان التي عصفت بها انقسامات حادة بين تيار دمشق بقيادة عصام العطار، وتيار حلب وحماة بقيادة عبد الفتاح أبو غدة[10].

ومع استشهاد مروان حديد عام 1976 بسجن المزة العسكري بدمشق، متأثراً بتعذيب شديد وتسميم على يد مخابرات النظام السوري بعد عام من اعتقاله؛ اتخذت عمليات الطليعة منحى تصاعدياً متسارعاً، وبلغت المواجهة ذروتها المفتوحة عبر مجزرة مدرسة المدفعية بحلب عام 1979 بقيادة إبراهيم اليوسف، وانتقال القيادة العسكرية لاحقاً لعدنان عقلة وعبد الستار الزعيم، مستهدفين العشرات من الضباط والمسؤولين المرتبطين بنظام الأسد الأب.

واختار النظام مسار الاستئصال الشامل والمطلق، مصدراً القانون رقم 49 في تموز 1980، القاضي بإعدام المنتسبين لجماعة الإخوان. وترافق هذا التشريع مع انتهاكات مروعة؛ أبرزها مجزرة سجن تدمر في 27 حزيران 1980، رداً على محاولة اغتيال حافظ الأسد. وقامت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد بتصفية مئات المعتقلين العزل، حيث يوثق باتريك سيل الجريمة:

 “أطلقوا النار على المهاجع مع أوامر بقتل كل واحد فيها… فقتل خمسمائة سجين في زنازين راحت تدوي بالأصداء المخيفة داخلها…”[11].

وتجاوزت آلة التصفية حدود الجغرافيا السورية، مستهدفة المعارضين في الأردن ولبنان، ومغتالين بيان الطنطاوي- زوجة عصام العطار- في ألمانيا. ورداً على هذا البطش، أصدرت القيادة السياسية “بيان الثورة الإسلامية” في محاولة لتأطير التحرك الشعبي ضمن مشروع سياسي واضح للأجيال القادمة.

وبلغ المسار الدامي محطته الأكثر ظلاماً ومأساوية في ليلة الثاني إلى الثالث من شباط 1982، لتسجل الذاكرة السورية أبشع فصول مجزرة حماة الكبرى. انطلقت شرارة تلك الليلة إثر توغل وحدة عسكرية لتمشيط أزقة المدينة القديمة، لتقع في كمين محكم أسفر عن مقتل العشرات من الجنود برصاص قناصة اعتلوا أسطح المنازل. 

قاد هذا الاشتباك قوات نظام الأسد لاكتشاف المخبأ السري للقائد الميداني لـ الطليعة المقاتلة عمر جواد، المعروف حركياً بـ أبو بكر، والذي كان يدير شبكة معقدة من الخلايا المسلحة عبر أجهزة الاتصال اللاسلكي في الأحياء المكتظة بالسكان.

وإزاء هذا التطويق العسكري المباغت، أعطى أبو بكر أوامره بإعلان النفير العام والانتفاضة الشاملة. واستجابت الخلايا الكامنة لنداء المواجهة، لتندلع اشتباكات عنيفة سيطر خلالها مقاتلو الطليعة على المقار الأمنية ومؤسسات حزب البعث، واستحوذوا على مستودعات السلاح، محاصرين مبنى المحافظة، ورافعين نداء الجهاد عبر مكبرات الصوت في مآذن حماة، في خطوة نقلت المعركة من السرية إلى المواجهة المكشوفة.

وقع نبأ هذه الانتفاضة كالصاعقة على أروقة صنع القرار في دمشق، ليصدر حافظ الأسد أوامره بتحريك آلة عسكرية ضخمة ومروعة لسحق المدينة. وتطوقت حماة بحزام عسكري خانق، يوثقها المؤرخ باتريك سيل بقوله:

“أرسلت قوات محمولة بالطائرات المروحية لمساعدة الحامية المحلية على إغلاق مداخل المدينة قبل الانقضاض القاتل عليها، وبلغ عدد الذين طوقوا حماة في مجموعهم حوالي 12000 رجل”.

وشملت هذه الترسانة وحدات من سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، واللواء 47 دبابات، واللواء 21 ميكانيكي، إلى جانب فرق القوات الخاصة والمظليين. واستمر هذا الحصار العسكري الخانق 28 يوماً متواصلة، عُزلت خلالها المدينة تماماً عن العالم الخارجي، وحُرم سكانها من أبسط مقومات البقاء كالغذاء والدواء. 

وترافق الحصار مع قصف مدفعي وصاروخي أعمى انهمر على الأحياء السكنية، محيلاً حارات تاريخية بأكملها إلى ركام فوق رؤوس قاطنيها. وامتدت آلة البطش لتنفّذ إعدامات ميدانية جماعية وتصفيات عشوائية شملت عائلات بأكملها، وطالت الأطفال والنساء والشيوخ رمياً بالرصاص في مشاهد ترويعية لتصفية خصوم نظام الأسد بشكل جذري.

وبينما علّق مقاتلو الطليعة الآمال على امتداد شرارة الانتفاضة لتشمل باقي المحافظات السورية وتخفّف وطأة الحصار، رجّحت الترسانة النظامية الضخمة الكفة العسكرية لصالحها بشكل حاسم في الأسبوع الأخير. وأسدل الستار على هذه المحرقة بسقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، وتدمير أحياء المدينة بالكامل، لتُطوى مع دمار حماة صفحة الوجود التنظيمي والعلني للحركة الإسلامية في الداخل السوري، يصف الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ قساوة تلك الخاتمة قائلاً:

“ما حدث في حماة عام 1982 كان عملية إبادة واستئصال كامل.. حافظ الأسد ورفعت أرادوا إنهاء أي وجود للمعارضة الإسلامية مهما كان الثمن”.

المنافي وإعادة التشكل وهندسة التديّن المطيع (1982 – 2011)

ألقت الهزيمة العسكرية بظلالها الكثيفة على قيادات المنفى، مفجّرة تبادلاً حاداً للاتهامات حول مسؤولية الجناح العسكري في استدراج الجماعة لمعركة غير متكافئة. ودفعت هذه الصدمة الجماعة نحو إجراء مراجعات سياسية شاملة، أثمرت عن تأسيس جبهة الخلاص الوطني بالتحالف مع شخصيات سياسية وبعثية سابقة كأمين الحافظ، مستندين إلى التعددية والديمقراطية سبيلاً وحيداً لمواجهة الاستبداد.

وعلى صعيد الداخل السوري، تبنى حافظ الأسد استراتيجية “الإسلام البديل” لسد الفراغ الروحي المتجذر في المجتمع. ورعى النظام مؤسسات دينية تضمن له الولاء المطلق وتشرعن بقاءه؛ متصدرة بمجمع الشيخ أحمد كفتارو المرتكز على التصوف التربوي الفردي، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الموفر للغطاء الفقهي الموجب لطاعة السلطة، إلى جانب حركة “القبيسيات” المعنية بتأطير التدين النسائي داخل الطبقات المخملية والمحافظة بعيداً عن الشأن العام[13].

ومع انتقال السلطة إلى بشار الأسد عام 2000، ظهرت بوادر حراك مجتمعي عُرف بـ “ربيع دمشق”. وأطلقت منتديات حوارية، كمنتدى الأتاسي، دعوات صريحة لإلغاء حالة الطوارئ والمادة الثامنة من الدستور. وسارع النظام لوأد هذا الحراك بالقمع والاعتقال المباشر لرموزه كرياض سيف وميشيل كيلو، ويشير الأخير بحسرة لتلك الحقبة:

“أعتقد أنه كان ربيع دمشق فرصة ضائعة على سوريا، لو أن بشار الأسد وأجهزته الأمنية قبلت بالقليل من طروحات ربيع دمشق… الأمن كانوا يحسبوها صح بذاك الوقت إنه إذا بلشنا هلا بدنا ننزل دبابات”[14].

وتزامناً مع هذا القمع، والعزلة الإقليمية للنظام بعد غزو العراق ولعبه بورقة تسهيل مرور المقاتلين، تبلور وعي إسلامي شبابي مستقل. وتجاوز هذا الجيل الصاعد تديّن السلطة الرسمي وتنظيم الإخوان التقليدي في آن واحد، محتضناً في غرف السكن الجامعي وحلقات المساجد نقاشات فكرية معمّقة تستند لمراجع ككتب سيد قطب، وتتفاعل مع قضايا الأمة كحروب غزة، الأمر الذي شكّل هذا الوعي المتراكم مقاومة صامتة غدت بمثابة الوقود الحي المنتظر لشرارة التغيير.

الثورة والعسكرة وتعدد الرايات والمراجعات (2011 – 2024)

وترجم هذا الاحتقان نفسه واقعاً في آذار 2011، إثر خط أطفال درعا عبارة «إجاك الدور يا دكتور» على جدران مدرستهم المطالبة بإسقاط النظام. وقوبل هذا الفعل برد أمني بالغ الوحشية بقيادة عاطف نجيب، وتفاقم الغضب الشعبي إثر التنكيل بجثة الطفل حمزة الخطيب، لتندلع ثورة شعبية واسعة النطاق امتدت لعموم المحافظات السورية.

حافظ الحراك الميداني على طابعه السلمي لخمسة أشهر متواصلة، متخذاً من المساجد نقاط انطلاق لمظاهرات أسبوعية تصدح بالحرية. وفي مواجهة هذه الجموع العزلاء، اختارت الأجهزة الأمنية لغة الرصاص الحي والاعتقالات الممنهجة، مما دفع مختلف أطياف المجتمع، وفي طليعتهم الشباب الإسلامي، للانخراط بقوة في صلب هذا الحراك العفوي. وبالتوازي مع هذا الزخم الداخلي، تسابقت المعارضة السياسية في الخارج لتأطير المشهد ضمن كيانات مؤسساتية، متبلورة بداية في المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف.

وأمام آلة القتل اليومية وتصاعد وتيرة العنف، وجد المتظاهرون أنفسهم مدفوعين نحو خيار حماية المظاهرات، ليفتح هذا الخيار الباب واسعاً أمام المواجهة المسلحة. وترافقت هذه المرحلة مع إطلاق المقدم حسين هرموش شرارة الانشقاقات العسكرية، لتتشكّل نواة أولى من المجموعات المنشقة. ومع اتساع رقعة المعارك، تطوّرت هذه المجموعات وتفاعلت مع الحواضن الشعبية لتفرز فصائل عسكرية كبرى، تصدرتها حركات مثل حركة أحرار الشام وجيش الإسلام ولواء التوحيد؛ وهي تشكيلات استقطبت شباباً جامعياً متديناً وضباطاً متمرسين، مؤسسة لحالة تنظيمية مستحدثة تتجاوز الهياكل الكلاسيكية لجماعة الإخوان المسلمين.

ومع تنامي نفوذ هذه الفصائل وتصدّرها للمشهد الميداني، برزت الحاجة لبلورة رؤية فكرية ووطنية واضحة. وفي هذا السياق، قاد الرعيل الأول المؤسس لحركة أحرار الشام، ممثلاً بشخصيات كحسان عبود ومحمد الشامي، حراكاً فكرياً استثنائياً أفرز مراجعات عميقة تتبنى المدرسة المقاصدية في السياسة الشرعية. وتُرجمت هذه الرؤية عبر سعي الحركة الحثيث لـ سورنة الصراع، منفتحة على الشراكة الميدانية مع فصائل الجيش الحر، ومطلقة تحذيرات صريحة من خطورة استنساخ أدبيات السلفية الجهادية العابرة للحدود وتطبيقها قسراً على الواقع السوري.

وشكّل هذا النموذج المتوازن تحدياً حقيقياً، مولداً ضغطاً فكرياً وميدانياً هائلاً على التنظيمات الأكثر راديكالية، وتحديداً جبهة النصرة؛ إذ دفعها هذا الواقع الميداني لإجراء تعديلات هيكلية وخطابية متتالية لإثبات قدرتها على الاندماج في البيئة السوريّة. وامتدت تداعيات هذه المراجعات لتضع أحرار الشام في صدام وجودي وحتمي مع داعش، حيث تصدّرت الحركة واجهة التصدي العسكري والشرعي رداً على غلو التنظيم وممارساته القائمة على تكفير المجتمع وتخوين الفصائل الثورية.

لكن تعرّض هذا المسار الفكري الواعد لانتكاسة مفصلية في أيلول 2014، إثر عملية اغتيال غامضة أودت بحياة قيادات الصف الأول لأحرار الشام دفعة واحدة. وترك هذا الغياب المفاجئ فراغاً قيادياً أدى إلى تشظيات وانقسامات تنظيمية حادة، متسبباً في تراجع ملحوظ للزخم الفكري. 

وتحت وطأة هذه المتغيرات ومتطلبات الميدان القاسية، توالت التحولات المعقدة لتفرز كيانات جديدة أبرزها هيئة تحرير الشام، في مرحلة طغت فيها البراغماتية السياسية وشروط البقاء المحلي على المنطلقات الأيديولوجية التأسيسية، لتبقى الحركة الإسلامية بمختلف أطوارها الفاعل الأبرز والرقم الأصعب في رسم معالم المشهد السوري المعاصر.

مرارة الاقتتال ومخاض الإدارة المدنية (2014 – 2020)

شهدت الساحة السورية عقب اغتيال قادة أحرار الشام مرحلة استنزاف حادة تمثلت في الاقتتال الفصائلي الداخلي. عصفت الخلافات البينية بمكتسبات الثورة، متجلية في معارك طاحنة بين التشكيلات الإسلامية الكبرى في الشمال السوري والغوطة الشرقية، مرسخة واقع السيطرات الفصائلية المتنازعة.

واستشعاراً لهذا الخطر الوجودي الوشيك، أطلقت القوى المتصارعة على النفوذ والسيطرة مساراً تصحيحياً لطي صفحة الاقتتال وتوحيد الجهود المتناثرة. تُرجم هذا التوافق عملياً بتأسيس “حكومة الإنقاذ” في إدلب بتغلّب هيئة تحرير الشام وتفكيكها للفصائل الكبيرة، مقدمة نموذجاً إدارياً متقدماً فرض سلطة مركزية وحيدة على قطاعات الشرطة والقضاء والتعليم. 

تزامن هذا التطور الإداري مع نقلة نوعية في القطاع العسكري، تجسدت في تأسيس كلية عسكرية في إدلب لتخريج الضباط المتخصصين، مترافقة مع تطوير لمنظومة التصنيع العسكري. وأسهمت هذه الاستعدادات المتراكمة خلال الأعوام الخمسة التي سبقت التحرير، في تهيئة الأرضية الصلبة لاختيار اللحظة الاستراتيجية لتغيير المعادلات.

إسلاميو السلطة.. من خنادق المواجهة إلى استحقاق الدولة

انبثقت اللحظة التاريخية صبيحة 27 تشرين الثاني 2024، بشن الفصائل المنضوية تحت “إدارة العمليات العسكرية” هجوماً كاسحاً ضمن عملية “ردع العدوان” التي شهدت تقدماً متسارعاً في الجغرافيا السورية لقوات المعارضة وانهياراً لقوات نظام الأسد، وأخيراً سقوط النظام وانتهاء حكم البعث بعد ما يزيد عن خمسة عقود.

تصدّر المشهد والحكم جيل جديد ومختلف كلياً من الإسلاميين؛ جيل صقلته سنوات الجمر، وعاش تجارب قاسية امتحن خلالها النظريات الكبرى على محك الواقع العملي الدامي، منتقلاً إلى النضج بعد طول مراهقة في سنين الثورة. 

ويمثل تجاوز شَرَك الابتزاز البيني والمزايدات حجر الزاوية لضمان نجاح هذه التجربة الوليدة في الحكم، إذ اختبر هذا الجيل مرارة امتحانات النقاء الثوري والديني لسنوات، وكابد تداعياتها الكارثية على وحدة الصف وتماسك الجبهات. 

ويحتّم عبء السلطة اليوم إرساء ثقافة التوافق السياسي وتعزيز مفهوم العصبة الإسلامية لا الفصيل والجماعة، وتقديم المصلحة العليا للدولة، وطي صفحة الصراعات الداخلية التي تستنزف الرصيد الشعبي .

ومع هذا التحول المفصلي، انتقل التيار الإسلامي على تنوعه من خنادق المعارضة وحمل السلاح إلى مقاعد السلطة وإدارة دفة البلاد، ليقفوا وجهاً لوجه أمام الاختبار التاريخي الأكبر المتمثل في العبور الآمن من “فقه الثورة والمواجهة” إلى “فقه الدولة والبناء”.