سوريا ولبنان: استدراج يشوّه صورة الدولة الجديدة وأولوياتها

آخر تحديث: 14 أبريل، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

5 mins

ظهر احتمال تدخل الدولة السورية في لبنان في مرحلة دقيقة للغاية يمر بها الإقليم، مما يفتح الباب لتداعيات عميقة، فهذا التدخل، إن وقع، لن يكون مجرَّد خطوة ميدانية، بل سيُفسَّر مباشرة على أنه نكث بالتعهدات التي قدمتها السلطة الجديدة في دمشق لدول الجوار بعدم التدخل في شؤونها، ما قد يقوِّض مصداقية الحكومة ويهدم الصورة الجديدة التي تحاول ترسيخها.

ويثير هذا التدخل، إن وقع، جملة من الإشكاليات:

أولاً: شرعية هشة على المحك

تعتمد السلطة السورية الجديدة، في سعيها إلى كسب الاعتراف الخارجي، على تقديم نفسها بوصفها قطيعة مع النموذج الذي كرّسته حقبة الأسد طوال العقود الماضية، وذلك بتجنّب الدخول في صراعات الإقليم والتركيز على الداخل، لأن هذا المسلك يشكّل ركناً أساسياً في أي انفتاح دولي مأمول. لكن أي تدخل في لبنان، في ظل الحرب القائمة هناك وما رافقها من اجتياح إسرائيلي واسع ونزوح جماعي للسكان، كما توثّقه تقارير وتحليلات عديدة عن الحرب الدائرة في لبنان عام 2026، يقوض هذا الأساس، ويعيد تقديم سوريا بوصفها طرفاً إقليمياً يتدخّل في شؤون جيرانه، ما يضعِف فرص بناء علاقات مستقرة مع الدول العربية والغربية التي تراقب سلوك دمشق عن كثب.

من جهة أخرى، يمنح هذا التدخّل خصوم دمشق والمتشكّكين في النظام الجديد ذريعة جاهزة للتشكيك في جدية تحولها السياسي، وعلى رأس هؤلاء «إسرائيل»، التي يلائمها جرّ السلطة السورية إلى انخراط خارج حدودها، بما يعزز حملتها السياسية والإعلامية ضدها. وعندئذ سيُقدَّم هذا السلوك للمجتمع الدولي دليلاً على أن القوى الحاكمة لم تتخلَّ فعلياً عن عقلية «الجهاد العابر للحدود»، وأن حديثها عن الدولة الوطنية ليس إلا غطاءً، وهو ما تحذر منه تحليلات سياسية ترى أن سوريا الحالية ليست مستعدة لخوض حرب خارج حدودها.

ثانياً: لبنان كساحة نفوذ إيراني ومخاطر الارتداد

لا يمكن فهم أي تدخل سوري في لبنان دون التمعُّن في موقع لبنان على خريطة النفوذ الإقليمي، وفي مقدمة الفاعلين فيها إيران. ومن ثم قد يُفهم التحرك السوري إيرانياً على أنه مساس بمجال نفوذ مهم، في لحظة تشهد فيها المنطقة تصعيداً واسعاً مرتبطاً بالحرب على إيران وما تسبّبت به من ارتدادات على سوريا ودول الجوار.

في هذا السياق، يفتح أي تحرك سوري في لبنان باب الاحتكاك المباشر أو غير المباشر مع إيران وحلفائها، وقد تتحوّل سوريا إلى هدف لضربات عسكرية مشابهة لما يحدث في دول الخليج العربي من استهدافات متبادلة في إطار هذه الحرب، لكن بكلفة أكبر، ولا سيما في ظلّ ضعف منظومات الدفاع الجوي ومحدودية قدرتها، الأمر الذي يضاعف أثر أي استهداف خارجي. وهنا لا يبقى التدخلّ مجرد مغامرة خارجية، بل يصبح سبباً في إعادة سوريا إلى دائرة الاستهداف المفتوح، كما تحذّر بعض القراءات التي تضع الدور السوري في قلب مشهد الحرب.

ثالثاً: ساحة استنزاف متعددة الأطراف

لن يكون التدخل السوري في لبنان معزولاً، بل سيفتح الباب أمام تفاعلات عديدة قد تدفع إلى حرب استنزاف طويلة. فالصدام المحتمل مع حزب الله سيستنزف الطرفين من غير مكاسب حاسمة تفضي إلى حسم المعركة، وقد يمنح الحزب فرصة لإحياء خطاب «المقاومة» وتعزيز موقعه الداخلي في مواجهة خصومه، في وقت تشير فيه تقارير متعددة إلى أن حرب لبنان الحالية تُستخدم بالفعل لإعادة تفعيل هذا الخطاب على نطاق واسع.

وفي المقابل، سيُستحضر الإرث السيئ السمعة للوجود السوري السابق في لبنان، بما قد يدفع قوى لبنانية إلى رفض أي عودة للنفوذ السوري، وربما إلى التصعيد ضده. وهكذا تغدو الساحة اللبنانية مهيّأةً لانفجار مُركَّب، تتداخل فيه صراعات الداخل اللبناني، والتوتر السوري–اللبناني، وإفادة إسرائيل غير المباشرة من هذا الاضطراب، كما تشير تحليلات عدّة إلى أن التصعيد على الجبهة اللبنانية يخدم جزئياً حسابات إسرائيل في إدارة الصراع الأوسع مع إيران وحلفائها.

رابعاً: كلفة الانحراف عن الأولويات

تواجه سوريا تحدّيات داخلية كبرى تتمثل في إعادة بناء الاقتصاد، وتثبيت الأمن، وترميم النسيج الاجتماعي. وفي هذا السياق، يبدو أي انخراط خارجي، ولا سيما في ساحة مُعقَّدة كلبنان، خروجاً مُكلِفاً عن الأولويات، ويضعف قدرة الدولة على معالجة أزماتها الداخلية المتراكمة، في وقت تشير قراءات سياسية إلى أن ما تبقّى من موارد سوريا لا يكفي أصلاً لمواجهة ارتدادات الحرب الإقليمية الراهنة دون انزلاق إلى مواجهة جديدة.

كما سيؤدّي أي تدخل خارجي إلى إضعاف قدرة الدولة على ضبط ساحتها الأمنية الداخلية، في وقت لا تزال فيه مشكلات التهريب وانتشار السلاح وخلايا تنظيم داعش وتجارة المخدرات تتطلب تركيزاً أمنياً عالياً ويقظة مستمرة. أما فتح جبهة خارجية، ولو بصورة محدودة، فلن يستهلك الموارد فحسب، بل قد يربك أولويات الأجهزة الأمنية والعسكرية، ويمنح بعض الشبكات والفواعل الهامشية فرصة أوسع للحركة وإعادة التموضع.

ويمكن للتدخّل المحتمل أن يؤدي أيضاً إلى تآكل في الثقة الشعبية، في ظل شعور داخلي بأن أي مغامرة خارجية ستأتي على حساب الاستقرار الداخلي، فضلاً عن أن تتحمّل سوريا أصلاً ارتدادات صراعات إقليمية، وفي مقدمتها الحرب على إيران وما رافقها من ضربات إسرائيلية وإيرانية متبادلة، اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً وسياسياً، كما توثقه متابعات واسعة لـهذه الارتدادات مفروضة عليها إلى حد بعيد؛ أما الدخول إلى لبنان فسينقلها من موقع المتأثّر بالصراع إلى موقع المتورط فيه، بما يضاعف كلفة الضغوط ويفاقم التحديات.

خامساً: ارتدادات أوروبية وتضييق سياسي

لن يُفهم أي تدخل سوري في لبنان بوصفه شأنًا إقليمياً فحسب، بل سيُقابل أيضاً بحساسية أوروبية، ولا سيما لدى الدول التي تعارض توسيع رقعة الصراع وتسعى إلى احتواء الحرب في لبنان وعدم تعميمها على المنطقة، كما يظهر في نقاشات أوروبية متواصلة عن ضرورة حماية الاستقرار اللبناني بالتوازي مع السعي لوقف إطلاق النار، وسيُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها إسهاماً في زعزعة استقرار لبنان، بما يعطِّل أي مسار انفتاح سياسي أو اقتصادي مع دمشق، وربما يعيد سياسة الضغط والعقوبات إلى الواجهة. كما سيضعف قدرة بعض الدول الأوروبية على الدفاع عن مسار إعادة دمج سوريا في محيطها السياسي، وهو مسار بدأ يتشكّل تدريجياً مع الوعود الأوروبية بدعم سوريا والمنطقة مالياً وسياسياً، كما في التعهدات الأوروبية الأخيرة بـ«القيام بكل ما يمكن لدعم سوريا» وفتح «فصل جديد» في العلاقات، التي عبّرت عنها تصريحات رسمية من مؤسسات الاتحاد الأوروبي. 

خاتمة: بين التعهد والمصيدة

لا بد أن نستذكر أن الحفاظ على سياسة عدم التدخّل ضرورة استراتيجية لحماية ما تبقى من رصيد سياسي، لا خياراً دبلوماسياً شكلياً فقط. فالتورّط في لبنان لن يُقرأ بوصفه إنجازاً، بل بوصفه سقوطاً في فخ محكم: يضرب الشرعية، ويفتح أبواب الاستهداف، ويستنزف الموارد، ويعيد إنتاج العزلة الدولية.