سوريا الجديدة ودول الإقليم… بين المؤيد والمتحفظ والمعارض

آخر تحديث: 18 مارس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

13 mins

على ضوء تسارع الأحداث في معركة ردع العدوان، بداية من إطلاق العملية وحتى صبيحة الدخول المهيب إلى دمشق وهروب السفّاح، وجد الشعب السوري نفسه، وطليعته الثورية، ودون أي مقدمات، أمام معضلات لا حصر لها. والآن، وقد مرّ عام على تولي أحمد الشرع الرئاسة في ظل المتغيرات داخلية التي شهدتها سوريا، مما لم يكن متوقعا كما ولا كيفا لدى جل السوريين والمراقبين من الخارج.

رغم انقضاء تلك المدة منذ هذه اللحظة المفصلية، إلا الرؤى تتعدد والمواقف تتباين المواقف تجاه سوريا الجديدة، بل ولا يزال بعضها بعض هذه الرؤى في طور التشكل، خصوصا في النطاق الإقليمي على اختلاف الانتماءات الوطنية والفكرية، فمن مرحّب مؤيّد، فمتحفّظ متفاعل، وحتى مخالف متربّص، وصولا إلى عدائي معارض. وفي هذه الأسطر أحاول شرح أهم تلك الآراء ومنطلقاتها وتمييز ما هو موضوعي ومسبب عما قد يبدو خادعا في ظاهره، في محاولة لحصر الخلاف وتأطيره في حجمه الطبيعي.

التمحور ثم التخندق، جذور وتداعيات

منذ وصول الثوار إلى السلطة السياسية في سوريا برزت تساؤلات هوياتية تشبه لحظة تأسيس الجمهورية السورية الأولى في أربعينات القرن الماضي يد الأجداد المؤسسين والتي منها: من نحن؟ وما المشترك بيننا؟ وكيف نتعايش سويا؟ وما هي الغايات التي نروم إليها؟

لذا عمد الكثير من أبناء الثورة المخلصين، وربما ولأول مرة، إلى الانهماك في البحث عن أجوبة لتلك التساؤلات، وحل لهذه الإشكالات، واستدعى كثير منهم أدبيات العلوم الاجتماعية، التي لم يكن ثمة متسع من الوقت عند الكثيرين في الداخل لرفاهية الغوص في تلك الأمور إبان “الهولوكوست” الحاصل على يد السفّاح ومن عاونه، أو بالشتات في خضم محاولة بناء حياة كريمة من الصفر. وفي ظل هذه الأمور، طفت إلى السطح ظاهرة تهيمن على الوعي السوري، ألا وهي ما يمكن أن يصطلح عليها بـ«التمحور حول الذات والانكفاء عليها ثم التخندق خلف المكتسبات».

ورغم تجلياتها في مناح متعددة داخلية وخارجية، مما لا يسع المجال ذكره، إلا أن من أبرز الإشكالات النابعة عنها، وما يهمنا هاهنا؛ هو الخلل الذي يعتري طريقة التفاعل مع ‘الآخر’ (غير السوري)، خصوصا عند إبداء هذا ‘الآخر’ أي رأي ناقد يمس الواقع السوري، وبالأخص كيان الدولة السورية الجديدة أو شخصياتها الهامة أو قراراتها.

إن البواعث على تلك الطريقة في التفاعل مع ‘الآخر’ كثيرة متداخلة، شق منها خارجي نتحدث عنه مع عرض الآراء والمواقف الخارجية، وآخر متعلق بالداخل السوري ذاته، والذي يرتكز على ثلاثة أمور، تشتمل بداية على سرعة وحجم ما تم إنجازه خلال العام المنصرم، وما تلا ذلك من التفاجؤ بضخامة التحديات الداخلية _فضلا عن الخارجية_وتشعبها على مستويات عدة، وهي تعقيدات قد لا يحسن استيعابها كليا حتى المتخصصون السوريون.

أي بعبارة أخرى، هو الشعور بالاستثنائية في الإنجاز والواقع والتحديات، غير أن هذه الحالة ليست حكرا على السوريين وحدهم على الحقيقة، بل تكاد تكون سمة ملازمة، وإحدى إشكالات الدولة الحديثة، لدى كل تجربة تتخذ الوطنية كإحدى مرجعياتها العليا، إذ تميل بطبيعتها إلى تضخيم خصوصيتها وإبراز تمايزها عن سائر التجارب، ورغم صحة هذا جزئيا في كل تجربة، إلا أن الحذر واجب في هذه الحالات، فإن لم يضبط هذا الشعور ويحسن توجيهه، فسرعان ما يتحول من باعث على الاجتهاد و النهوض بالأوطان إلى مدخل للانغلاق والتوجس من كل ما هو خارج الذات.

يضاف إلى هذا الأمر البديهي العام سببين يختصان بالواقع السوري:

  1. الاستغراق في الحالة الدفاعية والخوف الشديد من ضياع ثمرة ما تم التوصل إليه من إنجاز كان في رحم الأحلام، مع الاستحضار الذهني للثمن الباهظ الذي دفع للوصول إلى ما تم تحقيقه.
  2.  طول أمد الثورة ذاتها وعنفوانها، وما ولدته من استقطاب حاد، وحالة كراهية عدائية متزايدة الكم دائما، متغيرة الاتجاه أحيانا، نحو العديد من الفواعل داخليا وإقليميا ودوليا.

لذلك، وفي خضم هذه الحيرة الحاصلة، والتخوف المتفهم، والعدائية المسببة، أصبحت ردات الفعل الطبيعية الأولية في كثير من الأحيان سلبية تجاه إبداء هذا ‘الآخر’ لرأيه الناقد، بل والتسرع في وصمه بأحد القوالب النمطية، فإما تصوّر جهله ضرورة، وأنه لا يعي تفصيلات الداخل السوري وعليه أن يلازم الصمت بالكلية، أو أنه مجرد عدو حاقد حتى يثبت العكس، فبدلا عن النظر في مسببات هذا الرأي أو ذاك، يتم القفز إلى التجريح لهذا ‘الآخر’، بل حتى أنه في عديد من الأحيان لا يشفع له موقفه المؤيد للثورة السورية منذ بدايتها، بل أحيانا غير السوري المشارك فيها.

في ضوء ما تقدّم، يتّضح أن هذا المزاج العام القائم وما يصاحبه من حساسية عالية، إنما هو نتاج متفهم لمسار طويل من المعاناة والتحديات، غير أن الإشكال لا يكمن في وجود هذا الشعور “التمحور ثم التخندق” بحدّ ذاته، بل في تبعاته عند الإفراط في استحضاره عند كل تفاعل مع آراء الخارج، الأمر الذي يحجب القدرة على التمييز بين النقد البنّاء والعداء المقنّع بالترحيب وغيرهما من المواقف، ولأجل تحقيق نظرة سوية لكل منها، ينبغي أن تكون قراءة تلك الآراء موضوعية متأنية ومستوعبة لسياقات كل منها.

مواقف الحكومات: بين الترحيب الكامل والرفض الكامن

وإذا كان الداخل السوري يعيش هذه الحالة من إعادة التوازن وحل إشكالياته البنيوية، فإن المشهد الإقليمي الرسمي ليس بمعزل عن ذلك، إذ تتباين نظرته إلى سوريا الجديدة باختلاف خلفياته الفكرية وحساباته، فثمة من هو مؤيد متصالح، ومن رأى في التحول السوري فرصة لإعادة بناء العلاقة على أسس جديدة تحقق مصالحه، ومن يتعامل معه بتحفّظ ومراقبة حذرة، ومن بقى أسير مخاوفه القديمة أو رهاناته العدائية الخاسرة.

ومن خلال العرض التالي نحاول الإحاطة بأبرز تلك المواقف، وقراءة منطلقاتها ودوافعها، وما تعكسه من توجهات سياسية وفكرية لدى مختلف الأطراف المؤثرة في الإقليم على الواقع السوري.

قطر وتركيا: لا شك أنهما من بين جميع دول الإقليم، بقي يراهن على الثورة ونجاحها حتى اللحظة الأخيرة، فلم يتغير موقفهما، ولم تعيدا تطبيع علاقتهما مع النظام البائد، سوى التصريحات التركية التي صدرت في الأعوام الأخيرة من الثورة السورية، والتي كانت تحت وطأة حساسية ملف المهاجرين في الانتخابات الداخلية. لكن، ومهما يكن من أمر، فهاتين الدولتين كانتا أكبر حلف إقليمي لفصائل الثورة السورية، وإن كانا -كأي دولة أخرى- لكل منهما أيضا حساباته ومصالحه التي يسعى إلى تحقيقها.

فعلى الجانب التركي، قد كانت مسألة اللاجئين هاجسا ضاغطا دفع أردوغان ثمنه سياسيا، والآن حان وقت حل هذا الملف بل والتعويض من خلاله عن تلك الأثمان، إضافة إلى الجانب الأمني من السعي الحثيث لتفكيك تنظيم قسد بصورة أو بأخرى.

أما الجانب القطري، فقد كان رهانه على محاولة تهذيب الثورة وتأطيرها وكوادرها الإدارية في الاتجاه “المعتدل” الذي يتبناه.

وينظر الغرب إلى الدولتين بوصفها عَرَاب النظام الجديد في سوريا، بل يرى بعض المراقبين فرصة قيام شراكة ثلاثية استراتيجية طويلة الأمد، على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، بين قطر وتركيا وسوريا الجديدة، وإن كانت الأحداث أثبتت قدرة سوريا على تنوع مساراتها.

الأردن ولبنان والعراق: على الرغم من تباين المواقف الرسمية في تلك البلدان تجاه القيادة السورية الجديدة، إلا أنها، بحكم الجغرافيا والواقع، مضطرة إلى الانفتاح عليها بل ودعمها أمنيا في الحد الأدنى، فشبح عودة سوريا إلى أن تكون ساحة صراع مفتوح، يخيّم بظلاله الثقيلة على كل منها. ولذا فإن التعاون الأمني يشكل مدخلا عمليا لمعالجة إرث النظام البائد من الانفلات الحدودي، وضبط تهريب المخدرات والسلاح والأفراد، كما أن إغلاق ملف اللاجئين السوريين يبقى هدفا رئيسيا لتلك الدول مثل تركيا، بعد أن أثقل كاهلها داخليا طيلة سنوات الثورة.

السعودية: ورغم أنها من أكثر الدول انفتاحا على الوضع الجديد، إلا أن هذا الانفتاح يبدو أقرب إلى “ترحيب مقنع” يخفي في باطنه تنافسا على ترسيخ النفوذ في سوريا الجديدة، فالسعودية في ظل محمد بن سلمان كانت قد تخلت مبكرا عن دعم الثورة، وسعت إلى جانب دول أخرى لإعادة “تعويم” النظام البائد على المستوى العربي، بل إن افتتاح سفارتها مجددا في دمشق قبل عملية “ردع العدوان” بشهور قلائل، يعكس بوضوح ذلك التوجه حينها، بل ولا يزال في سجونها اليوم من كان كل جرمه دعمه للجماعات السورية، ناهيك عن الحملات الإعلامية الموجهة التي كانت تشنها أذرعها وذبابها الإلكتروني ضد قيادات المشهد السوري الحالي. ولذا، فالهدف من هذا “الترحيب المقنع” هو بناء شبكات النفوذ مستغلة حاجة سوريا المنهكة إلى الاستثمارات والدعم، وإلى نظرة الرئيس السوري الإيجابية لتجربة الاستثمار السعودي، ولذا فتمضي السعودية بخطى متسارعة تحاول اختراق المشهد السياسي الداخلي، ليمكنها من موطئ قدم يوازي ما حققته كلا من تركيا وقطر بطول نفس خلال سنوات الثورة من علاقات متزنة نسبيا، ولا سيما في مراحل الثورة الأخيرة، كما أنه بتحقيق هذه الغاية، تؤمن السعودية مكاسب استراتيجية في لعبة النفوذ الإقليمي في مواجهة تأثير إيران بالمنطقة.

الإمارات ومصر: لا يخطئ أحد في رصد العداء الرسمي لكلا البلدين تجاه الوضع السوري الجديد، وإن تخللت تلك العلاقة المتوترة بضع لقاءات عابرة وتبادل ابتسامات جوفاء وتعامل دبلوماسي حتمي بسبب تواجد جالية سورية كبيرة في كلا البلدين. 

فالإمارات، كما عهدها الناس من مواقفها، كانت ولا تزال رأس حربة في مواجهة أي ثورة أو تغيير يميل لصالح الشعوب، وها هي شواهدها حاضرة في مصر وليبيا والسودان وغيرها، بل إن الاعتقال التعسفي المستمر منذ شهور لعصام بويضاني فور وصوله أراضيها، شاهد إضافي على تلك السياسة، ولا يُظن أن محاولاتها السلبية في التدخل بالشأن الداخلي السوري ستتوقف قريبا.

أما مصر السيسي، فهي تنظر إلى الوضع الجديد في سوريا ككابوس تخشى تكراره في الداخل، وهي نظرة تتسق تماما مع رؤيتها العامة لثورات الربيع العربي على أنها مؤامرة كبرى لتفتيت الدول وضرب جيوش المنطقة، ولذا فكل منجز يتحقق في سوريا، من قبيل إسقاط الدولة العميقة أو إعادة هيكلة الجيش أو محاكمة رموز النظام والمنتفعين منه، ينعكس في القاهرة كتهديد مباشر للطغمة الحاكمة، فيزيد من حالة الهلع والتوجس والحذر الشديد لديها.

محور إيران: يعد أكبر الخاسرين مما جرى، بل لا يزال يعيش بسببه في حالة صدمة لم يستفق منها بعد، ومن المرجح أن تستمر القطيعة والعداوة بينه وبين الدولة السورية الجديدة في المدى المنظور، إلا إذا قامت حربًا مع الصهاينة. فالمحور ما زال متمسكا برؤيته القديمة التي تعتبر الثورة السورية تحديدا مؤامرة مركبة، جرى التخطيط لها في الدوائر الصهيونية، ونفذتها التنظيمات الإرهابية، بدعم وتمويل من اذرع واشنطن الإقليمية وفي مقدمتها السعودية ودول الخليج، لأجل شرخ الهلال الشيعي وحماية إسرائيل، ولذلك، فإن كل خطوة تخطوها الدولة السورية الجديدة نحو بناء علاقات متينة مع دول الخليج، أو أي انفتاح دبلوماسي على الغرب، يقرأ في طهران وحلفها بوصفه دليلا إضافيا يؤكد صحة روايتهم المسبقة، ولذا يتوقع أن تستمر محاولاتهم في العبث بالشأن الداخلي السوري، في محاولة يائسة لإعادة الإمساك بخيوط النفوذ التي تفلتت من أيديهم مع انكسار النظام البائد.

مواقف ما دون الدولة: تشابك الرؤى وتنازع الأيديولوجيات

إذا كانت مواقف الدول في كثير منها اتخذت طابعا سياسيا براغماتيا تحكمه المصالح والحسابات، فإن مواقف التيارات والجماعات جاءت أكثر تباينا وتعقيدا، إذ يتداخل فيها العقائدي بالسياسي، والعاطفي بالواقعي، مما يجعل مقاربتها أكثر حساسية.

الإخوان المسلمون: يجب بداية الاعتراف بصعوبة تحديد من يمثل الإخوان اليوم ككل، فبعد الضربات التي مني بها التنظيم وفروعه في دول عدة، وغياب الكثير من قياداته بالقتل أو السجن، بل وحتى انقسام المطاردين على أنفسهم في الشتات في أزمة داخلية تعصف بالحركة الأم، تعيد إلى الأذهان ما جرى إبان قمع عبد الناصر لهم، نحاول هنا استشفاف أبرز ثلاثة اتجاهات تحت مظلة الإخوان واسعة الطيف في التعاطي مع الحالة السورية الجديدة.

اتجاه حماس: ولأهمية موقف الحركة وحساسيته، نعرض موقفها بشيء من التفصيل، إن الحركة كانت من أوائل المهنئين بنجاح الثورة أخيرا في دمشق، كما كانت أول من اصطف معها قلبا وقالبا حين انطلقت، ولا يخفى على الثوار على الأرض دعمها المادي لهم بالتبرع بمقراتها، ونقل الخبرات المختلفة ولا سيما في حفر الأنفاق، الأمر الذي أكده المسؤول عن حفر الأنفاق في حركة أحرار الشام أبو مصعب شنان على قناة الجزيرة ببرنامج “مسافة صفر” ، ذلك الموقف الذي دفعت الحركة ثمنه غاليا، بطردها من سوريا، وتوقف الدعم بالكلية الذي كان يصلها من محور إيران، والذي تقدره بعض الإحصائيات بمبلغ 100 مليون دولار، وهذا التوقف أكده ممثل حماس في لبنان ‘علي بركة’ لصحيفة ‘الشرق الأوسط’ بأن الحكومة الإيرانية كفت دعمها المالي عن الحركة منذ عام 2012 إلى 2017، إثر موقفها من الثورة السورية.

لكن الإشكال برز عندما طال أمد الثورة السورية، وتوالى انسحاب الدول العربية التي كانت داعمة لها، والاتجاه الدولي لفرض حل سياسي تصالحي على الثورة السورية، واستقرار الأمر للانقلاب في مصر، الذي عامل حركة حماس كعدو، والذي بدأ مرحلة التضييق عليها بإغلاق الأنفاق، وتتبع شبكات الدعم في الداخل المصري، إضافة إلى التعنت والتشديد بل والإغلاق المتكرر لمعبر رفح، شريان غزة الوحيد، فوجدت الحركة نفسها حينها في أزمة خانقة، فرأت المخرج في العودة إلى نهجها القديم، حيث تعتبر أن حدود تدخلها السياسي والعسكري تقف عند حدود فلسطين كما هي في الخرائط، ومن ثم عادت إلى سياستها القديمة من عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فلا تؤيد طرفا على حساب آخر، لكنها تتعامل مع كل من يقدم لها العون دون أن تنخرط في معاركه، متعظة مما حدث لحركة فتح في كلا من لبنان والأردن قديما، إلا أن هذا الموقف أفضى في نهاية المطاف إلى بعض السقطات اللفظية -والمستمرة إلى الآن،- والتي أثارت مشاعر كثير من السوريين ضدها. لكن، وعلى الطرف الآخر، فإن هذا المحور كان أكبر داعم بالسلاح لغزة في حربها الأخيرة في ظل خذلان القريب والبعيد.

وإن من الإنصاف القول بأن الحركة تتعامل بمنطق “البراغماتية” نفسها التي تتبعها سوريا الجديدة في علاقاتها، فعبارات التفخيم أو الإشادة بل وحتى تبادل النكات مع من تلطخت أيديهم بدماء شعوب المنطقة بل وبدماء السوريين أنفسهم، لا يكاد يمر شهر دون أن تصدر من القيادة السورية الجديدة ذاتها، لذا فإن المنصف الذي يتفهم تلك الممارسات أو يغض الطرف عنها ويبتلعها، عليه من باب أولى أن يتفهم مأزق الحركة وظروفها الحرجة الآنية، جعل الله لهم منها مخرجا.

اتجاه إخوان سوريا: ومهما يكن الموقف من محاولات تفكيك الجماعات بشكل عام في سوريا الجديدة، إلا أنه لا يمكن لأحد إنكار ثبات موقف إخوان سوريا المؤيد للثورة، فضلا عن ردهم الواضح في بيانات رسمية على بعض فروع الإخوان في الخارج التي بالغت في تمجيد رموز محور إيران، يضاف أيضا تعامل إخوان سوريا بكل إيجابية وترحيب مع القيادة الجديدة، والمشاركة معها من خلال تولي بعض المناصب والترشح لعضوية مجلس الشعب كجزء أصيل من نسيج المجتمع مثل غيره من التيارات.

اتجاه غير رسمي: بعض شرائح الإخوان اتخذت موقفا متحفظا، وربما معاديا في أحد جوانبه للقيادة السورية الجديدة، يعود ذلك في العموم إلى التوجس الكامن لديهم من أي حركة أو تيار خارج إطار جماعتهم، إضافة إلى أن للرئيس السوري الجديد تصريحات قديمة لم يتراجع عنها مطلقا، فقد طعن فيها بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي حينما كان بالسجن، بينما هو الآن يمارس ما كان يعيبه عليه، من انخراط في الأمم المتحدة والتعامل مع أمريكا والغرب أو تنحية الشريعة جزئيا، وهناك أيضا خط من الإخوان ممن هو مرحب بل ومؤيد للوضع الجديد، فهو يرى في خطوات القيادة السورية الجديدة تحقيقا عمليا لأدبيات الإخوان وممارساتها ولكن بفعالية وكفاءة أعلى.

التيار الجهادي التقليدي: يرى المراقبون أن ثمة خلافا حادا يتنامى بين أصدقاء الأمس، فعموم التيار الجهادي وخصوصا منظّريه يرون في منهج “البراغماتية” المعتمد في سوريا الجديدة نوعا من التمييع والانحراف عن منطلقاتهم الفكرية، ويمكن تلخيص اعتراضهم في نقطتين أساسيتين:

أولاهما مسألة الدخول إلى التحالف ضد داعش، وملاحقة بعض الفصائل المتشددة من المقاتلين الأجانب أو المحليين مثل حراس الدين.

ثانيهما مسألة غياب مرجعية الشريعة الكاملة، والاستعاضة عنها في مسودة الدستور الجديدة بالمادة نفسها التي كانت في دستور بشار القديم.

ويحتج هذا التيار بأن هاتين المسألتين كانتا محسومتين سابقا لدى هيئة تحرير الشام، بما فيها رموزها الذين أصبحوا اليوم وزراء في الحكومة وأعضاء في مجلس الإفتاء وغيرها من المناصب، فضلا عن تصريحات قديمة للرئيس ذاته لا تحتمل التأويل في هذا الشأن.

وبعيدا عن التيار التقليدي الخامل حاليا داخل سوريا، يظل تنظيم داعش على الجانب الآخر تهديدا نشطا، فلم تتوقف هجماته في مناطق قسد قبل وبعد دخول دمشق، ويرى مراقبون أنه يعمل على إعادة ترتيب صفوفه وجذب عناصر جديدة في مسعى لتوسيع نطاق عمله في مناطق سيطرة الحكومة السورية.

التيار المدني العلماني: يعد هذا التيار معاديا بطبعه لأي مظهر من مظاهر “أسلمة الدولة”، بدءا من اللحى مرورا بالشعارات وصولا إلى القوانين الناظمة، لكنه في المقابل ولضعف تمثيله ووجوده على الأرض يراهن على عامل الزمن وعلى الضغوط الدولية على النظام السوري الجديد، أملا في أن يؤدي ذلك إلى قيام دولة ديمقراطية حقيقية على أسس المواطنة وحماية الأقليات.

ولا بد من القول بأن الانكفاء على الذات برهة من الزمان مما لا شك أنه قد يكون كالواجب في بعض الأحيان، ليعلم الإنسان أين يقف، ومن أين أتى، وإلى أين المآل، لكن يجب ألا يترافق مع ذلك تقييم خاطئ للذات وحجمها أو الخطأ في قراءة تفاعلات الآخرين، فلا تُبعد من يقف إلى جانبك، ولا تُقرب من لا يستحق ذلك، وأن يكون الحكم على النفس كما الآخرين منطلقا من معيار واحد، ألا وهو ميزان الحق والإنصاف لا الهوى.