لماذا بقيت سوريا خارج معادلة التصعيد الإيراني ضد إسرائيل

الوقت اللازم للقراءة:
7 minsشهدت المنطقة خلال الأشهر الأخيرة تصعيداً عسكرياً ملحوظاً بين إيران و«إسرائيل»، جاء أوسع وأشد من جولات منتصف العام الماضي، واتخذ أشكالاً متعدّدة شملت الضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة، إلى جانب تصعيد غير مباشر عبر شبكات الحلفاء المنتشرين في المنطقة. توسّعت رقعة هذا التصعيد لتشمل بشكل خاص دول الخليج العربي، في سياق حربٍ متمادية بدأت ملامحها تتبلور منذ 2025، وأعادت تشكيل خريطة المخاطر في الشرق الأوسط.
ورغم توسيع دائرة الصراع، بقيت سوريا، رغم موقعها الجغرافي الحساس وتاريخ العلاقة المعقّدة بينها وبين إيران، خارج نطاق الاستهداف الإيراني المباشر بالصواريخ خلال هذا التصعيد، الأمر الذي أثار تساؤلات حول الأسباب التي دفعت طهران إلى استبعاد الساحة السورية من عملياتها العسكرية المباشرة، رغم أنها كانت لسنوات طويلة أحد أهم ميادين نفوذها في المنطقة.
طبيعة الاستراتيجية الإيرانية في التصعيد الإقليمي
اختارت إيران في تصعيدها الإقليمي التركيز بشكل أساسي على دول الخليج العربي، لأن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة يترك آثاراً مباشرة على سوق الطاقة العالمي، فدول الخليج تمثّل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط والغاز في العالم. وبذلك يتحوّل الضغط على هذه الدول إلى ضغط غير مباشر على القوى الغربية الداعمة لـ«إسرائيل»، من خلال تهديد الإمدادات وأسعار الطاقة.
إنّ توسيع نطاق الضربات باتجاه الخليج يسمح لطهران برفع كلفة الصراع على خصومها دون الدخول في مواجهة شاملة قد تؤدّي إلى حرب إقليمية مفتوحة. لذلك لم يكن اختيار الأهداف عشوائياً، بل ارتبط بحسابات اقتصادية وسياسية تتعلق بتأثير الضربات على أسواق الطاقة وعلى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
وفي المقابل، تجنّبت إيران استهداف تركيا بشكل مباشر رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي ووجود قاعدة إنجرليك الجوية الأمريكية على أراضيها، ما يشير إلى حسابات دقيقة تتعلق بتجنّب فتح جبهة مباشرة مع قوة إقليمية كبيرة، مع بقاء الاتهامات المتبادلة والنفي الإيراني في الواجهة.
خريطة الدول التي استهدفتها إيران
إذا نظرنا إلى الدول التي طالتها الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية منذ بداية التصعيد الأخير، نجد أن طهران وسّعت نطاق عملياتها ليشمل «إسرائيل» وعدداً من دول الخليج العربي، مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر والبحرين، إلى جانب محاولات استهداف أو اختراق أجواء دول أخرى كالكويت وسلطنة عُمان، مع تفاوت في حجم الأضرار الفعلية. كما امتد نطاق التوترات إلى العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، عبر ضربات مباشرة أو عبر نشاط الفصائل الحليفة لإيران.
خارج الخليج، برزت حوادث واتّهامات في دول أخرى متاخمة أو قريبة من مسرح الصراع، مثل تركيا وأذربيجان وقبرص، حيث تحدّثت بعض الحكومات ووسائل الإعلام عن سقوط مسيّرات أو صواريخ مرتبطة بالتصعيد، بينما نفت طهران رسمياً مسؤوليتها عن استهداف هذه الدول، أو جرى نسب بعض العمليات إلى حلفاء لإيران وليس إلى قواتها مباشرة. هذا الاتساع في قائمة الدول المتأثرة يبيّن أن التصعيد لم يعد محصوراً في جبهة واحدة، بل بات يمسّ عدّة مناطق في الشرق الأوسط ومحيطه، وإن بدرجات مختلفة من الانخراط والضرر.
تركّزت معظم الضربات على دول الخليج العربي إضافة إلى «إسرائيل»، في محاولة لإظهار القدرة على إلحاق الضرر بمجمل البيئة الإقليمية إذا تعرّضت إيران لهجمات واسعة. كما تشير هذه العمليات إلى أن الصراع لن يبقى محصوراً داخل حدود إيران أو «إسرائيل»، بل يمكن أن يمتد إلى نطاق جغرافي أوسع يشمل عدّة دول في المنطقة، بدرجات متفاوتة.
الرسائل السياسية والعسكرية وراء الضربات
لم يكن الهدف من هذه الضربات عسكرياً فقط، بل حمل أيضاً أبعاداً سياسية واستراتيجية. فمن خلال استهداف عدة دول في وقت واحد، تحاول إيران إظهار قدرتها على الردع وإثبات أنها لا تزال قادرة على توجيه ضربات مؤثّرة رغم الضغوط التي تعرّضت لها بنيتها الدفاعية خلال السنوات الأخيرة.
سياسياً، تسعى طهران إلى رفع كلفة الحرب على خصومها وإجبار الدول الحليفة للولايات المتحدة على ممارسة ضغوط بغرض الحدّ من العمليات العسكرية الإسرائيلية. كما يشكّل الضغط على أسواق الطاقة أحد أهم أوراق القوة التي تعتمد عليها إيران في مواجهة الضغوط الدولية، سواء عبر تهديد الإمدادات مباشرة أو عبر خلق حالة عدم يقين في الممرات البحرية الحيوية.
لماذا لم تكن سوريا هدفاً مباشراً؟
على الرغم من اتساع دائرة الضربات الإيرانية، لم تكن سوريا ضمن بنك الأهداف المباشرة لطهران، ويعود ذلك إلى عدّة عوامل رئيسية، أبرزها أن استهداف سوريا صاروخياً لا يحقّق لإيران مكاسب استراتيجية واضحة ضمن سياق الحرب الحالية كما تراها طهران. فحتى الآن لا توجد في سوريا أهداف عسكرية ذات قيمة استراتيجية كبرى لإيران من حيث التأثير على الاقتصاد العالمي، مثل خطوط الملاحة البحرية أو ممرات النفط أو سلاسل الإمداد الدولية، التي يمكن أن يؤدي ضربها إلى إحداث صدمة اقتصادية عالمية.
كما أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية المباشرة داخل الأراضي السورية – رغم وجود قواعد وقوات محدودة – تبقى أقل وزناً مقارنة بالقواعد الضخمة والبنى التحتية الحيوية الموجودة في الخليج، والتي يشكّل ضربها ورقة ضغط أكبر بكثير في ميزان الصراع. لذلك لا يوفّر توجيه ضربات صاروخية إلى سوريا لإيران التأثير السياسي أو الاقتصادي نفسه الذي تحقّقه الهجمات في مناطق أخرى مثل الخليج العربي.
العامل التركي في الحسابات الإيرانية
إلى جانب هذه الحسابات، يبرز عامل آخر يتعلق بدور تركيا في الملف السوري؛ فأنقرة تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً داخل الأراضي السورية، كما أن الحدود التركية‑السورية تمثل نقطة حسّاسة في التوازنات الإقليمية. من هذا المنطلق، قد تكون إيران حريصة على تجنّب أي تصعيد عسكري واسع داخل سوريا قد يؤدي إلى توتر مباشر مع تركيا، في لحظة تتشابك فيها الجبهات من شرق المتوسط إلى الخليج.
ولا يمكن استبعاد وجود تفاهمات غير معلنة أو تفاهمات أمر واقع بين طهران وأنقرة حول عدم تحويل الأراضي السورية إلى ساحة حرب مفتوحة خلال هذه المرحلة من التصعيد، وإن كانت لا توجد معطيات علنية كافية تؤكد ذلك بشكل قاطع حتى الآن.
سوريا بوصفها ساحة صراع غير مباشر
رغم أن سوريا لم تتعرّض لضربات صاروخية مباشرة من قبل إيران ضمن موجة التصعيد الحالية، فإن ذلك لا يعني أنها خارج الصراع، فالساحة السورية لا تزال جزءً مهماً من الحسابات الإقليمية، لكنها تُدار بأساليب مختلفة تعتمد على أدوات غير مباشرة. تعمل إيران على استخدام شبكات حلفائها في المنطقة، خصوصاً في العراق ولبنان، لممارسة ضغوط على الحدود السورية أو داخلها، عبر أنشطة عسكرية وأمنية متشعّبة تسعى إلى تكريس نفوذها أو الحفاظ على أوراق ضغط داخل الجغرافيا السورية.
تذهب بعض التقديرات إلى أن طهران تستثمر في قوى محلية وفلول نظام الأسد بهدف خلق بؤر توتر داخلية، بما يتيح لها التأثير في مسار الأوضاع السياسية والأمنية دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ضد الدولة السورية الناشئة بعد الحرب. تقوم هذه المقاربة على إضعاف قدرة الدولة على احتكار القرار الأمني، بدلاً من استهدافها عسكرياً بشكل مباشر، بما ينسجم مع رؤية أوسع تعتمد على إدارة الصراعات عبر الوكلاء واستخدام الساحات الهشّة كمساحة تأثير طويلة الأمد.
احتمالات تحول سوريا إلى جبهة لاحقة
رغم أن سوريا بقيت حتى الآن خارج دائرة التصعيد العسكري المباشر، فإن هذا الوضع قد لا يستمر بالضرورة. فالساحة السورية تظل جزءاً مهماً من الحسابات الإقليمية، خاصة بعد أن فقدت طهران جزءاً من مشروعها هناك خلال السنوات الماضية، ما يجعلها حريصة على عدم خسارة ما تبقّى من نفوذها.
إذا اتسع نطاق الحرب وتحوّلت المواجهة إلى صراع أطول وأعمق، ورأت إيران أن الوضع الحالي في سوريا يضرّ بمصالحها أو يساهم في خنقها أكثر، فقد تسعى إلى تحويل الأراضي السورية إلى جبهة إضافية ضمن الصراع، إن بشكل مباشر أو عبر تصعيد غير مباشر يدفع أطرافاً أخرى إلى التدخل. ومع أن الأطراف الإقليمية والدولية تحاول في الوقت الراهن تجنّب هذا الاحتمال، فإن فتح الجبهة السورية قد يقود إلى تصعيد إقليمي واسع يصعب التحكم بتبعاته.
دور المليشيات المسلحة المدعومة من إيران
لا تزال بعض القوى المسلحة المرتبطة بإيران تلعب دوراً في محاولة زعزعة الاستقرار داخل سوريا أو في محيطها المباشر، وفي مقدّمها فصائل في العراق ولبنان، التي تتحرّك أحياناً على خطوط الحدود أو في مناطق التماس بهدف خلق بيئة أمنية مضطربة. تهدف هذه التحركات إلى الحفاظ على قدرة إيران على التأثير في مسار الصراع من دون تحمّل كلفة مواجهة مباشرة، وإلى إبقاء الساحة السورية مفتوحة على احتمالات التصعيد في أي لحظة.
نهاية المطاف
إنّ خروج سوريا من بنك الأهداف الإيرانية المباشرة ضد «إسرائيل» لا يعني خروجها من معادلة الصراع الإقليمي، بل يعكس طبيعة الحسابات الدقيقة التي تحكم سلوك الأطراف المختلفة في المنطقة اليوم. فقد اختارت طهران توجيه ضرباتها نحو مناطق ترى أنها تحقّق لها تأثيراً سياسياً واقتصادياً أكبر، خصوصاً في الخليج العربي، بينما فضّلت تجنّب تحويل سوريا إلى ساحة مواجهة مباشرة في هذه المرحلة من الحرب.
مع ذلك يبقى هذا الوضع هشّاً وقابلاً للتغيّر بسرعة إذا تطورت الحرب أو تبدّلت موازين القوى في المنطقة، أو دخلت أطراف جديدة في هذه الحرب بشكل مباشر، في ظل بيئة إقليمية مشحونة واحتمالات مفتوحة على تصعيد أوسع. في هذه المعادلة المعقّدة تظل سوريا واحدة من أكثر الساحات حساسية في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية بشكل يجعل مستقبلها مرتبطاً إلى حدّ كبير بمسار الصراع الأوسع في المنطقة.

