حرب الخليج الرابعة: هندسة الفوضى وسيناريوهات حرب الإحدى عشر جبهة

الوقت اللازم للقراءة:
9 minsفي صباح الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026، أطلقت الولايات المتحدة عملية «الغضب الملحمي» بالتنسيق مع عملية «زئير الأسد» التي أطلقتها «إسرائيل»، وردّت إيران على ذلك باستهداف مواقع في 11 دولة مختلفة («إسرائيل»، السعودية، الإمارات، قطر، البحرين، الكويت، سلطنة عمان، الأردن، العراق، قبرص، لبنان)، إذ اعتبرت إيران ما حدث امتداداً لعملياتها السابقة على مدار العامين السابقين «الوعد الصادق 4»، ومنذ ذلك الحين، لم يعد شكل قلب العالم الإسلامي كما كان، لا سياسياً ولا اقتصادياً، بل يمكن القول إنّ هذا الحرب ستعيد تعريف العقد الاجتماعي في هذه الدول.
لقد تحوّلت المواجهة بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى زلزال جيوسياسي واقتصادي كسر كافة قواعد الاشتباك التقليدية، وألغى الخطوط الحمراء مع اغتيال المرشد الإيراني علي الخامنئي. فمنذ أواخر العام 2025، رفعت إسرائيل وتيرة التهديد بدعوى توجيه ضربة استباقية، مدفوعة برغبة عارمة في حسم التهديدات الوجودية المتمثّلة في البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم حركات المقاومة، بدلاً من احتوائها. وحاولت إسرائيل جاهدة جرّ إدارة ترمب بشتى الطرق لهذه الحرب التي ليس للولايات المتحدة الأمريكية كثير نوق أو جمال.
تدرك المؤسسة العسكرية الأمريكية أن القضاء على النظام الإيراني بضربة خاطفة هو محض وهم، لذا تردّدت كثيراً، إلا أنها رضخت للمستوى السياسي المتمثل في ترمب الراغب في صورة نصر سريعة، لكن أي محاولة لإسقاط النظام تتطلّب تدخّلاً برياً ترفضه واشنطن قطعياً-على الأقل في هذه الوقت. وأمام هذا التعقيد، فعّلت طهران عقيدتها العسكرية القائمة على «الردع غير المتكافئ»، موسّعة بنك أهدافها ليشمل القواعد العسكرية والمصالح الغربية في 11 دولة شرق أوسطية؛ محوّلة المنطقة بأسرها إلى ساحة حرب مترابطة ومعقدة، تتقاطع فيها خوارزميات الاقتصاد مع راجمات الصواريخ.
خريطة الاستهداف وعقيدة الردع غير المتكافئ
تدرك القيادة الإيرانية أن الدخول في حرب تقليدية مفتوحة مع ائتلاف تقوده الولايات المتحدة ويضمّ دولاً غربية هو انتحار عسكري. لذا تركّزت استراتيجيتها على «إعماء» التحالف وشلّ حركته اللوجستية في الساعات الأولى. شمل بنك الأهداف الإيراني ضربات مركّزة على قواعد القيادة والسيطرة؛ مثل قاعدة العُديد في قطر التي تدير العمليات الجوية الأمريكية، ومقر الأسطول الخامس في البحرين المسؤول عن تأمين مضيق هرمز، وقاعدتي الظفرة في الإمارات والأمير سلطان في السعودية. استهدفت إيران في هذه القواعد رادارات متقدمة تساعد في حماية «إسرائيل» والقواعد الأمريكية.
لم تتوقّف الضربات عند حدود الخليج، بل امتدت لتشمل قاعدة «أكروتيري» البريطانية في قبرص، والقواعد الأمريكية المتبقّية في سوريا والعراق. الهدف الإيراني من هذا الاتساع الجغرافي هو رفع الكلفة السياسية والعسكرية للتحالف، وإجبار القوى الإقليمية والدولية على التدخّل العاجل لوقف إطلاق النار خشية الانهيار الاقتصادي. وقد أبلغت إيران دول الخليج وتركيا مسبقاً بأن أي انطلاق لعملياتٍ عسكرية من أراضيها سيجعلها أهدافاً مشروعة، مما وضع حلفاء واشنطن أمام معضلة أمنية وجودية.
الدفاع بالصدمات الاقتصادية المتتالية
يمثّل العامل الاقتصادي، وتحديداً تدفّقات الطاقة، المحدّد الأساسي لطول أمد هذه الحرب. تكشف نماذج محاكاة “مونت كارلو” المستندة إلى 10 آلاف دورة تحليلية عن حقائق مفزعة؛ فإغلاق مضيق هرمز يعني عجزاً صافياً يُقدّر بـ 14.1 مليون برميل يومياً. ورغم وجود مسارات بديلة مثل خط “بترولاين” (شرق-غرب) السعودي وخط “حبشان” الإماراتي، إلا أن طاقتها الفائضة والفعالة لا تتجاوز 6.8 مليون برميل يومياً، مما يغطي 32.5% فقط من صادرات هرمز.
كما أن إيران تعمدت على استهداف المركز المالي في الإمارات بأكثر من ألف صاروخ حتى نهاية 3 آذار، باعتبار الإمارات أحد أدوات الهيمنة الأمريكية في خفض أثر التوترات الاقتصادية للحرب، مثل ما حدث في حرب روسيا إذ مثّلت الإمارات ملاذًا آمنًا لشبكة بوتن الزبائنية، أو دور الإمارات في تهريب الذهب السوداني ودمجه في السوق العالمية.
بناءً على هذه المعطيات، ينقسم المسار الاقتصادي إلى سيناريوهين رئيسيين:
- السيناريو الأول (حرب خاطفة من شهر إلى شهرين): طبقاً لنمذجة مونت كارلو فإن احتمال قيام حرب لأربع أسابيع على أقصى تقدير 40% و من شهر إلى 3 شهور 35% في هذا المسار، تشهد الأسواق ظاهرة اقتصادية كلاسيكية تُعرف بـ “تلاشي علاوة الخوف” كارتفاع الذهب إلى أكثر من 5400 دولار للأونصة مع فتح الأسواق يوم 2 آذار، وتراجعه إلى 5000 دولار للأونصة في اليوم الذي يليه، كذلك ارتفاع النفط إلى 82 دولار لبرميل برنت في العقود الآجلة مع افتتاح الأسواق في اليوم نفسه وتراجعه إلى 73 دولار بفارق دولار واحد عن سعره قبل الحرب. وبمجرّد تدخّل الأساطيل الغربية لتطبيق نظام «القوافل البحرية» لحماية السفن، وفتح الولايات المتحدة لاحتياطيها البترولي الاستراتيجي تنفست الأسواق الصعداء.
- السيناريو الثاني (حرب استنزاف طويلة لأكثر من شهرين): تبلغ احتمالية هذا المسار الكارثي 25% كحرب طويلة وشديدة. هنا تفشل تكتيكات التهدئة، ويقفز المتوسط المرجح لسعر برميل برنت إلى ما فوق 100 دولاراً، مع احتمالية ملامسته حاجز 200 دولاراً، إذا استمر غلق مضيق هرمز، ودخول جماعة أنصار الله في اليمن على الخط باستهداف منشآت النفط او حركة الملاحة النفطية، الأخطر في هذا السيناريو ليس النفط، بل الغاز الطبيعي لأنه يؤذي أوروبا بصورة كبيرة؛ فاستهداف البنية التحتية في المدن الصناعية القطرية (مثل رأس لفان ومسيعيد) يقطع إمدادات الغاز المسال عن أوروبا، مما يخلق صدمة تضخّمية عالمية تجبر الفيدرالي الأمريكي على وقف خطط خفض الفائدة، ويدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي عنيف، وهو عكس ما تريده إدارة ترمب.
الانعكاسات على الخليج: اختبار “القلعة” السعودية مقابل “الشبكة” الإماراتية
تعيد هذه الحرب صياغة موازين القوى داخل مجلس التعاون الخليجي، وتكشف بوضوح عن التباين البنيوي بين المشروعين السعودي والإماراتي، اللذين وصلا إلى مرحلة «التمزق الاستراتيجي» بعد سنوات من التنافس وحروب الوكالة في اليمن والسودان.
- السعودية (نموذج القلعة): تتصرّف المملكة كقوة قارية تعتمد على عمقها الجغرافي والديموغرافي. في سيناريو الحرب الشاملة، تمتلك السعودية مرونة استراتيجية أكبر لامتصاص الصدمات بفضل مساحتها وقدرتها على تحويل صادراتها جزئياً نحو البحر الأحمر، كما تقود الرياض محوراً يهدف للحفاظ على لوضع القائم واستقرار الجيوش النظامية، إنها بالفعل ستتألّم وستذهب باتجاه تعزيز قدرتها الدفاعية، مع محاولة لترشيد إنفاقها الاقليمي إلا ما يخدم أمنها المباشر.
- الإمارات (نموذج الشبكة): تعتمد الإمارات على استراتيجية المرونة القصوى القائمة على الموانئ، والمراكز المالية، والخدمات اللوجستية. يمثّل سيناريو الحرب الطويلة وإغلاق المضائق كابوساً وجودياً لنموذج دبي وأبوظبي؛ فتساقط الصواريخ سيؤدّي إلى شلل فوري للموانئ وهروب الاستثمارات.
ومع ذلك، تشير مصفوفات نظرية الألعاب التطورية إلى أن “توازن ناش” يفرض على الجميع (الولايات المتحدة، الخليج، والصين) الدفع نحو هدنة سريعة، لأن الجميع يخسرون من حرب استنزاف طويلة الأمد تدمّر البنية التحتية الخليجية وتعطّل سلاسل الإمداد العالمية. الخطر الوحيد الذي يهدّد هذا التوازن هو غياب صانع قرار مركزي في إيران بعد اغتيال القيادات العليا، مما قد يخرج خوارزميات الانتقام الإيرانية عن السيطرة العقلانية.
معضلة أحمد الشرع وإعادة التموضع الأمريكي
في أثناء هذا الصراع تقف دمشق بقيادتها الجديدة المتمثّلة في حكومة أحمد الشرع على حبل مشدود، تتسق الحالة السورية تماماً مع وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025م، التي أكّدت تراجع سياسات التدخل المباشر وإعادة الإعمار، لصالح تقليص التواجد العسكري الاعتماد على القوى الإقليمية لضبط التوتر، واشنطن لا تستهدف إسقاط النظام السوري الجديد أو بناء دولة، بل تكتفي بإدارة النفوذ.
تُناصب حكومة الشرع تحمل عداءً هيكلياً للنفوذ الإيراني وميليشياته (مثل حزب الله والحشد الشعبي)، لذا نجد أن حلفاء طهران لا يحاولون التحرّش بسوريا هذه الأيام، حتى استهداف قاعدة الشدادي في الحسكة كانت تنظيمات ولاءها للقاعدة هي من أعلنت استهدافه، وليس الحشد، فاستهداف المصالح الأمريكية في سوريا سيعتبر هدية مجانية لتوحيد واشنطن والشرع ضد طهران، لذلك تقبل طهران رواية انسحاب أمريكا من سوريا وتتعامل معه كمسلمة.
تكمن معضلة أحمد الشرع الكبرى في كون الرضا الدولي الضمني عنه مبني على براغماتية محضة تتلخّص في كونه حائط صد ضد النفوذ الإيراني، وقاطع خطوط الإمداد عن حزب الله الذي تستفرد به «إسرائيل» بعد مشاركته في الحرب دعماً لإيران. إذا أدّت هذه الحرب إلى إضعاف النظام في طهران وتدمير ما تبقّى من حزب الله، فإن “صلاحية استخدام” الشرع غربياً ستنتهي. بمجرد زوال التهديد الإيراني، وبدعم من التحشيد العسكري الأمريكي الضخم في الأردن، سيتفرّغ المجتمع الدولي (و«إسرائيل» تحديداً) لإنهاء حالة التمرّد الإسلامي في دمشق، ما لم يتحوّل الشرع بشكل كامل إلى مقاول أمني يخدم الأجندة الغربية، من خلال قتال الحشد في العراق، أو حزب الله في لبنان تحت ذريعة دعم السنة. الفشل في إدارة هذه المرحلة سيؤدّي حتماً إلى اندلاع ثورة مضادة، وربما تشهد سوريا نشاطاً لخلايا داعش في البادية، وسقوط سوريا في أتون حرب أهلية.
فخ التبعية الطاقوية والاختناق الاقتصادي المزدوج
لم تكن القاهرة بعيدة عن شظايا هذه الحرب، بل إنها واحدة من أكثر المتضرّرين العالميين. لقد وضعت حرب الـ 11 جبهة الاقتصاد المصري تحت مقصلة «الاختناق المزدوج» فـ«إسرائيل» أوقفت تدفق الغاز التي ترسله إليها، وفوق هذا فإن مصر تستورد 95% من غازها المستورد من الولايات المتحدة، إذا ما قامت إيران بالتصعيد تجاه شركات الامداد التي تتعاون مع أمريكا فإنها ستقع في مأزق كبير، إذ تشير النماذج الكمية إلى أن مصر تواجه احتمالية بنسبة 41% للانزلاق في ركود محلي خانق.
على جبهة الأمن القومي، تجلّت خطورة “فخ التبعية الطاقوية” مع اندلاع الحرب، إذ قامت «إسرائيل» بقطع إمدادات الغاز الطبيعي (من حقل ليفياثان) عن مصر فوراً لتأمين احتياجاتها الداخلية، وهو سيناريو تكرّر سابقاً في تصعيد عام 2025. هذا القطع المفاجئ أفقد مصر حوالي 1.1 مليار قدم مكعب يومياً، لتتسع الفجوة اليومية للغاز إلى عجز يبلغ 3.2 مليار قدم مكعب. هذا العجز سيؤدّي إلى زيادة فاتورة استيراد الطاقة بحوالي 11.5 مليار دولار لتعويض النقص عبر شحنات الغاز المسال الباهظة، مما يضع احتياطيات البنك المركزي المصري تحت ضغط استنزافي هائل، ويرفع احتمالات طلب القاهرة لخطة إنقاذ طارئة جديدة من صندوق النقد الدولي.
في السيناريو المرجّح، من المتوقّع أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي المصري بمقدار 2.0 إلى 2.7 نقطة مئوية (ليستقر عند 2.4%). وستقفز معدلات التضخم الرسمية لتتراوح بين 22% و 28%، مع تراجع حاد في قيمة الجنيه المصري بنسبة 16% إلى 25% طبقا لنمذجة مونت كارلو، الأسوأ من ذلك هو الخسارة المباشرة لإيرادات قناة السويس والتي تقدر بـ 2.5 مليار دولار من أصل 7 مليار دولار دخل سنوي، وذلك نتيجة تحويل شركات الشحن مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر.
سياسياً، تجد القاهرة نفسها ممزّقة في أروقة التنافس السعودي-الإماراتي. فبينما يتقاطع أمنها القومي مع الرؤية السعودية الداعمة لاستقرار الجيوش النظامية (كما في السودان)، يرتهن إنقاذها الاقتصادي بالتدفقات المالية الإماراتية والصفقات الاستثمارية الكبرى، إلا أن الحرب ستدفع الإمارات للشح أكثر على إقليمها والانفاق أكثر على امنها القومي والعسكري أمام التحّديات المفروضة عليها.
وقد تحتاج مصر حينئذٍ للتخلّي عن عدم التزامها بالتحالفات العسكرية مع الخليج. وأي محاولة مصرية للمناورة الخاطئة في هذا الاستقطاب قد تؤدي إلى تفعيل سيناريو الخنق المتبادل، حيث تعاقبها الإمارات بسحب الودائع ووقف الاستثمارات، بينما تضغط السعودية لمنعها من التفريط في الأصول الاستراتيجية، مما يهدّد بتفكّك منظومة الاستقرار الداخلي المصري بالكامل.
شرق أوسط ما بعد العاصفة
إن عملية الوعد الصادق 4 أو كما الغضب الملحمي، كما سمّاها الأمريكيون، وحرب الـ 11 جبهة لم تكن مجرد جولة عنف تقليدية، بل كانت بمثابة اختبار “جهد هيكلي” لبنية الشرق الأوسط بأسره. لقد أثبتت هذه الحرب أن القوة العسكرية الغربية، مهما بلغت تقنيتها، عاجزة عن تأمين شريان مائي كمضيق هرمز من هجمات الردع غير المتكافئ دون دفع أثمان اقتصادية تكسر ظهر النظام المالي العالمي.
بالنسبة لدول الخليج، انتهت حقبة الاعتماد المطلق على «المظلة الأمريكية»، وبدأ عصر التحوّط الاستراتيجي والشراكات المتعددة مع قوى كبرى كالصين لتأمين بقاء نماذجها الاقتصادية. وفي بلاد الشام ستُجبر حكومات كحكومة أحمد الشرع في سوريا على دفع فواتير جيوسياسية باهظة للاستمرار، في منطقة لم يعد فيها مكان لـ “المناطق الرمادية”. أما مصر فقد أدركت بالطريقة الأقسى أن الاعتماد الأحادي في أمنها الطاقوي أو ارتهان اقتصادها للمحاور المتصارعة، يجعل من قرارها السيادي ورقة مساومة في معارك لا تملك مفاتيح إيقافها. لقد تمّت إعادة هندسة الشرق الأوسط بعد 28 شباط 2026 بالنار والأرقام، ولن يعود أبداً إلى ما كان عليه.

