هل تغادر أمريكا أم تغيّر شكل حضورها في سوريا؟

آخر تحديث: 4 مارس، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

4 mins

في وقتٍ باكر من صباح 23 شباط 2026 وثّقت عدسات الصحفيين في ريف الحسكة الشمالي الغربي عشرات الشاحنات المحمّلة بالدبابات والمدرعات تغادر قاعدة قسرك، أكبر القواعد الأمريكية في سوريا باتجاه الحدود العراقية، بعد ست سنوات منذ أن أقام التحالف الدولي القاعدة عام 2018 واضطلعت بدور المركز الاستراتيجي واللوجستي الداعم لعمليات التحالف وخطوط الإمداد الرابطة بين الحسكة ودير الزور، وكانت مخصصة للطيران المروحي والسيطرة على طريق “إم 4” ومراقبته. فكيف بدأ الانسحاب ولماذا؟

مسار الانسحاب

لم يكن الانسحاب مفاجئاً، فمنذ منتصف العام الماضي شرعت واشنطن بتقليصٍ تدريجي لقواتها من نحو ألف وخمسمئة جندي إلى ما يقارب تسعمئة، إلى جانب إخلاء مواضع ميدانية في أرياف دير الزور والحسكة، وفي مقدمتها حقل العمر وحقل كونيكو وقاعدة تل بيدر. 

وقبل أيام، في الثاني عشر من شباط 2026، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) إتمام الانسحاب من قاعدة التنف الاستراتيجية، الواقعة عند مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية، وجرت العملية جرت بصورة منظمة وفق خطة مدروسة بحسب تصريحات القيادة، تِبع ذلك، أنهاء البنتاغون وجوده في قاعدة الشدادي جنوب الحسكة، بعملية استمرت أكثر من عشرة أيام، وتسلّمت قوات الجيش السوري القاعدة رسمياً. 

ولفهم المشهد بصورة أفضل، لا بد من الإشارة إلى أن ترامب خلال ولايته الأولى (2017-2021) سعى للانسحاب من سوريا، لكنه واجه استياءً واعترضاً من إدارته ومستشاريه ووصل الأمر إلى استقالة وزير الدفاع جيم ماتيس احتجاجاً على القرار، مما دفع ترامب آنذاك إلى التراجع واكتفى بتقليص عدد القوات. أما اليوم، فالمعطيات على الأرض تغيّرت، والقرار الذي واجه استنكاراً ورفضاً بات محل ترحيب على ما يبدو، أو أنه أفضل من البقاء.

تآكل أسباب البقاء

دخلت أمريكا إلى سوريا في سبتمبر/أيلول 2014 مدفوعةً بثلاثة مبرّرات: مكافحة تنظيم داعش، وإنشاء شريك محلي للقتال على الأرض (الذي تمثّل في قسد)، والحدّ من التمدد الإيراني ومنع تحوّل الأراضي السورية إلى ممر يربط طهران ببيروت عبر بغداد ودمشق، ويغذّي حزب الله والميليشيات الإيرانية.

غير أن المشهد تبدّل بفعل عملية ردع العدوان، فمع تحرير سوريا ودخول الثوار والمجاهدين إلى دمشق، تآكلت الدوافع الواحد تلو الآخر. بسقوط نظام الأسد انتهى الوجود الإيراني في سوريا، ولم يعد لها موطأ قدم أو وصول إلى لبنان من الأراضي السورية، ومع انضمام دمشق إلى التحالف الدولي لمكافحة داعش في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أصبحت الشريك الأساسي في مواجهة التنظيم بدلاً من قوات سوريا الديمقراطية التي انتهت فعلياً بعد الانتصارات العسكرية للحكومة السورية في معارك والرقة ودير الزور وريف الحسكة، وتُرجمت الانتصارات العسكرية إلى اتفاق سياسي (يناير 2026)  قضى بدمج قسد في مؤسسات الدولة. 

إلى جانب ما سبق، يعكس التحوّل في السياسة العسكرية الأمريكية مراجعة للعقيدة العسكرية الأمريكية من نموذج الانتشار البري المطوّل في ساحات ثانوية، إلى نموذج الردع الإقليمي المرن القائم على القدرات الجوية والبحرية والاستخباراتية، أي أن واشنطن لم تغادر المنطقة، وإنما أعادت تموضعها.

آفاق الانسحاب

إعادة التموضع لا المغادرة الكاملة: فحقيقة أن قاعدة الرميلان لم تُخلَ بعد، وأن القيادة المركزية الأمريكية وصفت الانسحاب بالـ«انتقال المدروس المشروط»، تُرجّح أن واشنطن لا تودّع سوريا حالياً، وإنما تُعيد رسم طبيعة حضورها؛ من قواعد ثابتة وجنود على الأرض، إلى ردع يعتمد على القدرات الجوية والاستخباراتية والقدرة على العودة السريعة عند الحاجة.

وفي الأفق الثاني، تبدو الشراكة الأمنية مع دمشق وصلت لمستويات متقدّمة، لقاء ترامب بالرئيس الشرع، وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة داعش، واجتماعات وزير الخارجية الأمريكي مع المسؤولين السوريين، وتخلّي واشنطن عن قسد، كلها إشارات إلى أن إدارة ترامب تراهن على الدولة السورية شريكاً يتولّى العبء الأمني بدعم دبلوماسي وتقني. 

أما الأفق الثالث يكمن في الفراغ الذي سيخلّفه الانسحاب والذي لن يبقَ فارغاً. تركيا تتمدّد في الشمال، و«إسرائيل» تراقب المشهد عن كثب، وداعش تتحرّك، بل وكثّفت هجماتها في الأسبوع الأخير من شهر شباط، وهذا التنافس على ملء الفراغ، قد يتحوّل إلى احتكاك.

إلى جانب ما سبق، هناك خطر داعش المتنامي منذ فرار عدد من المعتقلين من مراكز الاحتجاز، ودعوة قيادة التنظيم مقاتليها صراحةً إلى مواجهة الحكومة السورية عبر كلمة المتحدث الرسمي التي نُشرت يوم 22 شباط،  وهذه المؤشّرات لا يمكن أن تكون هامشية، فإذا نجح التنظيم في إعادة بناء شبكته واستغلال حالة الهشاشة، فإن واشنطن ربما تجد نفسها مضطرةً للعودة. 

خاتمة

ختاماً، لا يبدو الانسحاب مجرد حركة عسكرية تقنية، ولا إعلاناً صريحاً عن نهاية الدور الأمريكي في سوريا، بقدر ما يكون إعادة تموضع تعكس تحوّلاً في ترتيب الأولويات، فواشنطن لم تغادر المشهد بالكامل حتى الآن، لكنها تعيد تعريف شكل حضورها فيه.

ويبقى التحدي في استطاعة الأجهزة الأمنية والسياسية السورية في ملء المساحة التي يُعاد تشكيلها دون أن تتحول إلى فراغ، فنجاح الانسحاب لا يُقاس بعدد الجنود الذين غادروا، أو عدد القواعد التي ستستلمها الحكومة السورية، مع أهمية ذلك، إلا أن الأهم والرهان الحقيقي في سد الفراغ وإحكام السيطرة.