الجزيرة السورية عقود من التهميش ومستقبل مجهول

الوقت اللازم للقراءة:
17 minsفتحت عملية تحرير الجزيرة السورية مؤخّراً العيون على الواقع المزري الذي تعيشه تلك المنطقة، طوال سنوات مضت تحت سيطرة ميليشيا قسد، وبينما تمكّنت الدولة السورية من بسط سيطرتها على كامل محافظتي دير الزور والرقة، لا تزال أجزاء من محافظة الحسكة تحت سيطرة قسد، بانتظار تطبيق اتفاقية 30 يناير/كانون الثاني المبرمة بين الحكومة السورية وبين قسد. واقع إنساني صعب وبنية تحتية منعدمة خلفتها سنوات من التهميش والحروب التي شهدتها الجزيرة، والتي توصف بصورة نمطية بأنها أرض الخيرات وسلة غذاء سوريا وخزان الثروات النفطية والزراعية.
ولا تقتصر جذور هذا التهميش على الحقبة الزمنية الأخيرة، فهي تعود إلى ستينات القرن الماضي، وفي هذه المقالة محاولةٌ لتفصيل الأسباب التي أوصلت بالجزيرة لهذا الوقع المرير.
الجزيرة الفراتية جغرافياً
يشمل إقليم الجزيرة الفراتية التاريخي، المعروف أيضاً باسم آرام النهرين وميزوبوتاميا، الجزء العلوي من بلاد ما بين نهري دجلة والفرات، وقد سُمي بـ«سوريا بريتا» عند المؤرخين السريان(1)، واشتقّ العرب لاحقاً اسم الجزيرة الفراتية نسبةً إلى نهري دجلة والفرات التي تُحيطان بهذه المنطقة، وقُسّمت المنطقة جغرافياً إلى ديار مضر وربيعة وبكر. (2)
شهد الإقليم هجرات عربية مُبكّرة قبل الإسلام، أبرزها هجرة قبيلة طيئ في القرن الثاني الميلادي، التي أسّست أول «دولة عربية نقية» شمالاً (3)، مما جعل اسمها يطلق على العرب عموماً في تلك المنطقة، وبات مصطلح «طيايا» دلالةً على العرب، وتلاها تغلغل قبائل أخرى خلال العصر الساساني.
أطلق بعض الجغرافيين العرب على الإقليم اسم «جزيرة أقور»، أو إقليم أقور، غير أنهم استقروا في العصور الوسطى على تسميته بـ «بلاد الجزيرة، أو الجزيرة الفراتية» لوقوعه بين نهري الفرات ودجلة، ويعتبر ابن الأثير من المؤرخين العرب الكلاسيكيين الذين استخدموا مصطلح «ولاية بين النهرين» للإشارة إلى القسم الشمالي العلوي من الجزيرة. ويصفها أحيانا بـ «ديار الجزيرة»، وبـ «البلاد الجزرية».(4)
الجزيرة الفراتية من الفتح الإسلامي حتى الجلاء
وخلال الفتح الإسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁، قاد الصحابي عياض بن غنم ﵁ عملية فتح الجزيرة الذي تمّ ُصلحاً بغالبية مناطقهِ وبمساعدة القبائل العربية المسيحية، ثم أصبح الإقليم لاحقاً أحد مراكز مواجهة البيزنطيين.
تعرّضت الجزيرة الفراتية إلى موجات دمار كبيرة في حقبة الغزو التتري، بدءً بغزو جحافل المغول بقيادة هولاكو بعد سقوط بغداد سنة 656هـ/1258م، ثم بسبب جحافل تيمورلنك بين عامي 797–804هـ/1394–1401م التي ألحقَت بالجزيرة الوسطى دماراً هائلاً ودمّرت كثيرًا من تجمَعاتها الحضرية. وقد أسهم هذا الخراب، مع عوامل لاحقة، في تراجع العمران وتحول أجزاء من الجزيرة الوسطى إلى بادية.
ومع مجيء العثمانيين (922هـ/1516م)، بقيت الفوضى والخراب سيدة الموقف في الجزيرة، ولم تتوقف ثورات العشائر العربية فيها، ففشل برنامج الإصلاح العثماني الأول، وكذلك بسبب إفلاس خزينة الدولة.
شهدت الجزيرة محاولات لإحياء العمران والري في الجزيرة السورية في المراحل اللاحقة من الحكم العثماني، ولا سيما بعد عام 1856م، من خلال تشجيع توطين بعض العشائر البدوية واستحداث متصرّفية/لواء الزور التي ضمّت معظم مناطق الجزيرة والبادية الفراتية. وفي أعقاب معاهدة لوزان 1923. ومع ترسيم الحدود بين فرنسا وبريطانيا بموجب اتفاقية بوليه–نيوكومب (1923-1924م)، جرى عملياً تقسيم إقليم الجزيرة التاريخي بين تركيا التي آلت إليها الجزيرة العليا الجبلية، والعراق الذي حصل على الجزيرة السفلى حتى تخوم تكريت، وسوريا التي ضمّت الجزيرة الوسطى الكبرى، أي النطاق الذي تشكّله اليوم محافظات الرقة ودير الزور والحسكة.
مثّلت فترة الانتداب الفرنسي مرحلة وسيطة لإعمار الجزيرة السورية بأرضها وناسها، إذ ارتكزت سياسات الانتداب، بغض النظر عن بواعثها السياسية، على إعادة إعمار الإقليم زراعياً وبشرياً، مع بدايات اهتمام بالثروات النفطية. ومنذ منتصف الثلاثينيات، وخصوصاً في الأربعينيات، شهد الإقليم نهضة زراعية واسعة قائمة على إدخال الأنماط الصناعية في الزراعة، من آلات ونظم رأسمالية، حتى لُقِّبت الجزيرة في بعض الكتابات بـ«كاليفورنيا سوريا»، نسبةً إلى الثورة الزراعية التي شهدتها، وأصبحت بذلك إحدى ركائز الاقتصاد الزراعي السوري.
كما استفادت فرنسا من موجات الهجرة القادمة من الأناضول، التي أعادت تشكيل البنية الديموغرافية للجزيرة بما ينسجم مع حساباتها. فقد استقبل الإقليم هجرات أرمنية وآشورية‑سريانية وكردية، إضافة إلى مجموعات من عرب المحَلمية، وكانت غالبية هذه الهجرات قادمة من تركيا وعلى شكل دفعات متتالية بين الحربين العالميتين، مع استمرار موجات كردية متجدّدة حتى أواخر القرن العشرين، وقد كانت الهجرات الكردية الأكثر استمرارية زمنياً، ما جعل المجتمع الكردي في الجزيرة يتكوّن في معظمه من مهاجرين وافدين من شمال الحدود.
أرض المطامع الدولية
شكّلت منطقة الجزيرة السورية في الفترة ما بين أواخر الثلاثينيات ومنتصف الستينيات نقطة تقاطعٍ لمطامع إقليمية ودولية متعدّدة، إذ تداخلت فيها مشاريع فرنسية وتركية وبريطانية وصهوينية وأمريكية من دون أن تتحول أيٌّ منها إلى كيانٍ سياسي جديد مستقل عن الدولة السورية.
فقد شهدت أواخر عهد الانتداب الفرنسي (1936–1939م) بروز مطالب من بعض الزعامات الكردية والسريانية والعشائرية في الجزيرة بالحصول على وضع إداري خاص أو نوع من الحكم الذاتي برعاية فرنسية، خشيةً من هيمنة المركز الدمشقي، إلا أن هذه المطالب بقيت في إطار المشاريع غير المكتملة، ولم تُترجَم إلى كيان منفصل، واستقرّ الأمر في النهاية على بقاء الجزيرة ضمن الحدود السورية المعترف بها دولياً، رغم حساسية موقعها الحدودي مع تركيا وتقاطُع نفوذ القبائل العابرة للحدود هناك.
وخلال الحرب العالمية الثانية، طُرحت في بعض الأوساط البريطانية تصوّرات لمنح تركيا نفوذاً أوسع في شمال سوريا، في سياق محاولات استمالتها أو مكافأتها، وتقاطعت تلك التصوّرات مع بدايات التفكير في استخدام «الورقة الكردية» في الشمال السوري، لكن هذه الطروحات بقيت حبيسة المذكرات والمداولات ولم تتحوّل إلى سياسة معلنة أو إلى تعديل فعلي للحدود في الجزيرة السورية. وبالتوازي مع ذلك، تناولت بعض الدراسات السورية أن الجزيرة طُرحت في كتابات صهيونية مبكرة ومداولات متفرقة بوصفها مجالاً محتملاً للاستثمار الزراعي أو لتوطين لاجئين، غير أن النشاط الفعلي للحركة الصهيونية وصندوقها القومي ظلّ متركزاً في فلسطين ذاتها، ولم تنشأ في الجزيرة مشاريع استيطان صهيوني مماثلة لما جرى في فلسطين.
بعد قيام دولة «إسرائيل»، تحوّل مركز الثقل إلى السياسة الأميركية في المنطقة، إذ نظرت إدارة الرئيس هاري ترومان، كما تُشير بعض القراءات البحثية، إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، ومن بينها سوريا، كأحد المسارات الممكنة لمعالجة قضية اللاجئين، وطرحت الجزيرة السورية في هذا السياق كأحد المجالات المحتملة ضمن تصوّرات أوسع للتوطين والتنمية، غير أن هذه التصوّرات ظلّت في إطار المشاريع النظرية ولم تتبلور في صورة برنامج رسمي معلَن مكرَّس للجزيرة. كما ربط بعض الباحثين بين هذه الاعتبارات وبين الدعم الأميركي لعددٍ من الانقلابات العسكرية في سوريا بين في 1949-1956م، باعتبارها جزءً من سعي واشنطن لإعادة تشكيل البيئة السياسية الإقليمية.
لاحقاً، حوّلت الولايات المتحدة اهتمامها إلى خطة جونستون (Johnston Plan) بين عامي 1953م و1955م، التي هدفت إلى تنظيم تقاسم مياه نهر الأردن بين دول الحوض، وربطت بين مشاريع الري في وادي الأردن وبين توطين جزء من اللاجئين الفلسطينيين في إطار خطة تنموية أوسع. ورغم قبول الخطة تقنياً من خبراء الأطراف المعنية، تعثّر إقرارها سياسياً، ومضت حكومة الاحتلال الإسرائيلي بدلاً من ذلك في تنفيذ مشروعها الأحادي لتحويل مياه نهر الأردن عبر «الناقل القطري»، الذي دخل الخدمة في مطلع الستينيات، ما أسهم في تكريس نهجٍ يقوم على السيطرة المنفردة على الموارد المائية الإقليمية.
جذور التهميش في الجزيرة
تُعرَف الجزيرة السورية، بمحافظاتها الثلاث الحسكة ودير الزور والرقة، بثراء مواردها، ما يؤهّلها لتكون مركزاً استثمارياً وصناعياً بارزاً، إذ تضمّ نسبة كبيرة من الأراضي المرويّة في سوريا، حيث تُقدَّر بعض الدراسات أن أراضيها المروية تشكّل نحو 55% من إجمالي الأراضي المروية في البلاد(9). كما تسهم الجزيرة بحصة كبيرة من الإنتاج النفطي السوري، وتتركّز فيها معظم الحقول الرئيسية، إذ يُقدَّر إجمالي احتياطي النفط في سوريا بحوالي 2.5 مليار برميل (10)، تتركّز غالبيته في محافظات دير الزور والحسكة والرقة.
وعلى الرغم من هذه الإمكانات الهائلة التي جعلتها سابقاً مقصداً للهجرة الداخلية والاستقرار، شهدت المنطقة في العقود الأخيرة تحوّلاً جذرياً في ديناميكيتها السكانية؛ فبعد أن كانت جاذبة للسكان، أصبحت منطقة طاردة لهم، مسجّلة واحدة من أكبر الحركات السكانية «الانقلابية» في تاريخها الحديث. وتُعدّ محافظة الحسكة أبرز مثال لهذا التحول؛ إذ أضحت الجزيرة مُصدِّرة للهجرتين الداخلية والخارجية، وعلى الرغم من اتساع المساحات المروية، فإن المنطقة تضطر خلال سنوات القحط إلى دفع أعداد كبيرة من سكانها نحو المدن الداخلية، بل وتُصدّر عمالتها إلى البلدان المجاورة، ما يعكس انتقالها من مرحلة الاستقطاب إلى مرحلة النزوح.
كان لتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، الذي سُنّ خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958م (القانون رقم 161)، وتحديده سقف الملكية الزراعية، أثرُ سلبيٌّ كبير في إفقار نسبة واسعة من سكان الحسكة، إذ أدّى إلى تفتيت الملكيات الكبيرة إلى عدد كبير من الملكيات الصغيرة، وأفرز ما يُعرف بـ«تذرّر الملكيات الزراعية الصغيرة» وتشظّيها. وتفاقمت هذه الظاهرة بفعل تكاثر الورثة، ما حوّل الأرض من مصدر الدخل الرئيسي إلى مصدر دخل ثانوي لا يغطّي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان، ودفع كثيرين منهم إلى البحث عن مصادر رزق بديلة في المدن الأخرى.
كما شهدت مناطق الجزيرة السورية كارثة بيئية وزراعية كبرى، تفاقمت معها ظواهر التصحّر وتملّح التربة إلى مستويات غير معتادة في النظم الزراعية الأخرى، فقد تعرّضت نسبة ملموسة من الأراضي الزراعية للتدهور، وخاصة في حوضي الفرات والخابور، حيث أصبح التملّح العدو الأول للاستقرار الريفي، وأدّى إلى خروج مساحات واسعة من الخدمة الزراعية. وتعود جذور المشكلة إلى تناقص الموارد المائية في حوض الخابور نتيجة عجزه المائي السنوي، وفاقم الأزمة تزايد استخدام المياه في المنابع وبناء السدود الكبرى في تركيا منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ما ساهم في جفاف عشرات القرى وهجرها(11).
في عام 2006م، أحصى الخبير المائي السوري معن دانيال داود ما يقارب أربعين قرية في الحسكة تحوّلت من مناطق منتجة إلى أراضٍ متصحّرة ومهجورة(12)، في مؤشّر على عمق الأزمة المائية والبيئية في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، طرأ اضطراب واضح على النظام المطري في الجزيرة السورية بدءً من أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، ثم تفاقم الجفاف بشكل ملحوظ خلال الفترة 1990–2005م، ما أضرّ بالزراعات البعلية والمروية على حد سواء، وأدّى إلى موجات هجرة كبيرة من سكان الجزيرة إلى أطراف المدن الداخلية، بل وإلى الهجرة الخارجية، فاستوعبت هذه المراكز الحضرية أعداداً هائلة من المهاجرين، وأفرز ذلك انتشاراً واسعاً للأحياء العشوائية والمخالفات العمرانية.
كما لعبت أزمة المياه دوراً حاسماً؛ إذ أدّى بناء السدود التركية على الفرات وروافده منذ ستينيات القرن الماضي إلى انخفاض كبير في واردات المياه إلى سوريا والعراق، ما أسهم في تراجع مناسيب أنهار محلية مثل نهر جغجغ ونهر الخابور، وتضرّر عشرات القرى الزراعية في الحسكة ودير الزور، في الوقت الذي يشهد فيه نهر الفرات منذ سنوات انخفاضاً حادّاً في منسوبه، انعكس أيضاً على نهر دجلة في العراق.
حقبة الأسدين ومزيد من التهميش والمشاكل
كان وصول حافظ الأسد إلى الحكم في سوريا عام 1970م محطة مفصلية بالنسبة إلى الجزيرة السورية؛ إذ ترافقت سياساته مع تكريس نمطٍ شديد المركزية في إدارة الموارد، جعل من الجزيرة، رغم ثرواتها الزراعية والنفطية، مجرّد مورِّد للمواد الخام التي تصبّ عوائدها في المركز الدمشقي وشبكات السلطة الضيّقة، فيما بقيت المنطقة تعاني ضعفاً بنوياً في البنية التحتية وغياباً شبه تام للصناعة الحديثة، مع غرقها بالمشاكل دون أي اهتمام من نظام دمشق، واقتصر الحضور الحكومي فيها على أجهزة الأمن وبعض المنشآت التي يعود معظمها إلى ما قبل ستينيات القرن العشرين.
ومع مطلع الثمانينيات، أضاف النظام بُعدًا آخر إلى هذا الاختلال حين فتح المجال لعبد الله أوجلان وتنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي أعاد تنظيم صفوفه بعد انقلاب تركيا عام 1980م واتخذ من سوريا ولبنان، وخصوصاً سهل البقاع الخاضع للنفوذ السوري، قاعدة خلفية للتدريب والتمويل قبل إطلاق حملته المسلحة ضد تركيا عام 1984. سمح هذا الترتيب بوجود معسكرات ومقارّ للتنظيم على الأراضي السورية، وتحوّل جزء من الشباب الكرد في سوريا إلى رافدٍ بشري لعملياته، كما استُخدمت بعض المناطق الحدودية في الجزيرة والشمال الشرقي كعمقٍ لوجستي لنشاطه، ما جعل الإقليم طرفًا غير مباشر في الصراع المسلّح بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية.
وبحلول أواخر التسعينيات، كانت تركيا قد صعّدت ضغطها العسكري والدبلوماسي على دمشق، ولوّحت بالتدخّل العسكري، ما أفضى إلى توقيع اتفاق أضنة في تشرين الأول 1998م، وإلى طرد أوجلان من سوريا وإغلاق معسكرات الحزب، قبل أن يُعتقل الأخير في عملية استخباراتية عام 1999م. غير أنّ الإرث السياسي والتنظيمي لهذا التحالف لم يختفِ؛ إذ استمر حضور شبكة حزب العمال وأفكاره بين قطاعات من الأكراد السوريين، ليظهر بعد عام 2011م في صورة وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ، المرتبطة أيديولوجياً بحزب العمال، والتي أصبحت النواة العسكرية لقسد التي سيطرت لسنوات على جزءٍ كبير من الجزيرة السورية.
وفي عهد الرئيس المخلوع بشّار الأسد، تواصلت تداعيات التدهور المعيشيِّ الكبير في الجزيرة، الناتج عن انتكاسةٍ واسعةٍ في القطاع الزراعيّ. وبحسب دراسةٍ صادرةٍ عن Climate Diplomacy and Security، تعرّضت سوريا بين عامي 2006م و2011م لجفافٍ شديدٍ، أصاب الشمالَ الشرقيَّ، سَلّةَ غذاءِ البلاد، بأقسى آثاره؛ إذ خسر الرعاةُ هناك نحوَ 85% من مواشيهم، وواجهت قرابةُ 75% من الأُسَرِ التي تعتمدُ على الزراعةِ مواسم حصاد سيئة، ما أثّر في نحوِ 1.3 مليون شخص. وقد تفاقمت هذه الأزمة بفعل إرثٍ طويلٍ من سوء إدارة المواردِ المائيّة، حيث شجّعت السياسات الحكوميةُ دعم القمح والقطن على استخدامِ تقنيات ريٍّ غير فعّالةٍ واستنزاف المياه الجوفية، ثم ألغيت فجأةً أشكالٌ من الدعمِ، ما ضاعف أسعارَ الديزلِ والأسمدةِ بين ليلةٍ وضحاها.
أدّى فقدان سبل العيش إلى هجرةِ أعدادٍ كبيرةٍ من المزارعين والرعاة والأسر الريفية نحو المدن المكتظّة، فازداد الضغط على البنية التحتية والخدمات، وارتفعت معدّلات البطالةِ الحضريّة. وتشيرُ التقديراتُ الأمميّة إلى أنّ أكثرَ من مليونِ شخصٍ عانوا من انعدام الأمن الغذائيِّ في تلك الفترة، ما عمّق المظالم القائمة بالتزامن مع مزيدٍ من سوء الإدارةِ الحكومية، وأسهم فشل السلطات في الاستجابة للأزمة الإنسانيّة في تأجيج مشاعر السخط في المناطقِ الريفية.
أرض الفقراء
لطالما مثّلت الجزيرة في سوريا مفارقةً تاريخيّةً وتنمويّةً عميقة؛ فبالرغم من غناها الكبير بمصادر الثروة الكامنة والمنتجة، تُعدّ من أكثر الأقاليم حرمانًا وفقراً، مع ارتفاع ملحوظ في معدّلات الفقر المادي والفقر البشري المرتبط بالخدمات كالصحّة والتعليم والصرف الصحي، وتحوّلها إلى أحد أهمّ مراكز الفقر العميق في البلاد، بحسب دراساتٍ عدّة عن الفقر قبل اندلاع الحرب.
وقد تزامنت هذه الحالة مع تخلّفٍ واضحٍ في البنية التحتية ومستويات التنمية البشريّة، وكونها الإقليم الأقلّ تصنيعاً، إذ جرى التعامل معها في سياسات الدولة المتعاقبة بوصفها إقليماً للزراعة والنفط بالدرجة الأولى، من دون تطوير صناعةٍ تحويليّةٍ تذكر، فظلّت معظم المواد الخام تُنقل إلى مراكز أخرى وتُعاد إليها السلع المصنّعة، فيما بقي كثيرٌ من مشاريع تطوير الجزيرة بعد الاستقلال مجرّد خططٍ لم تُستكمَل أو بقي أثرها محدودًا على أرض الواقع.
كرّس هذا الواقع تصنيفَ الجزيرة كإقليمٍ «طرفيّ» في منظور الفجوة التنمويّة الإقليميّة لدى الحكومات السوريّة؛ إذ ظلّت العلاقة بين المركز (دمشق وحلب) والأطراف تحدّد مكانة محافظات الجزيرة كأقاليم نائية وحدوديّة، ما فاقم اللامساواة التوزيعيّة وضعف التنمية الإقليميّة واللامركزيّة. وتجلّت أبرز مظاهر هذا التناقض في تحوّل الجزيرة، ولا سيّما الحسكة، خلال العقود الأخيرة من إقليمٍ جاذبٍ للسكان، كما كانت عليه بين منتصف العشرينيات وستينيات القرن العشرين حين استقطبت موجاتٍ من المهاجرين واستثمارات التجّار، إلى إقليمٍ طاردٍ لأبنائها أنفسهم، مع تصاعد الهجرة الداخليّة والخارجيّة بفعل أزمات الزراعة والبطالة والجفاف.
يمكن القول إنّ العوامل البيئيّة، مع تواضع المساعي الحكوميّة السوريّة، قد ساهما في دفع الجزيرة إلى هذا المصير، إلى جانب عاملٍ آخر مهمّ يتمثّل في التدخّلات الإقليميّة، وعلى رأسها السياسات التركيّة التي أسهمت، منذ أوائل القرن العشرين، في دفع موجاتٍ متعاقبةٍ من اللاجئين الأكراد والسريان والأرمن وغيرهم إلى الإقامة في الجزيرة، ما أعاد تشكيل تركيبتها السكّانيّة ورفع أعداد سكّانها، بالتوازي مع تدهور اقتصادها منذ أواخر الستينيّات، ثمّ جاءت في السنوات الأخيرة تداعياتُ ظهور تنظيم داعش وشبكات حزب العمال الكردستاني وحلفائه المحليين لتضيف طبقةً جديدةً من الدمار الواسع، خصوصاً في مدن الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة.
بعد انطلاق الثورة السوريّة، أصبحت محافظات الجزيرة الثلاث مسرحاً لمعارك طويلة بين أطرافٍ عدّة، تدخّلت فيها قوى دوليّة كبرى كالتّحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وروسيا، إلى جانب تركيا وإيران، وأدّت المعارك بين قسد والتحالف الداعم لها من جهة، وتنظيم داعش من جهةٍ أخرى، إلى دمارٍ كبيرٍ في حواضر الجزيرة، تجسّد خصوصًا في ما آلت إليه مدينة الرقة التي تشير تقارير حقوقيّة، منها تقرير لمنظّمة العفو الدوليّة، إلى تدمير معظم أحيائها وخرابٍ واسعٍ للبنية المدنيّة فيها.
وسبقت ذلك موجاتُ القصف والمعارك التي خاضها نظامُ الأسد في دير الزور، حيث تُقدّر مصادر محليّة أنّ نحو 74-80% من المدينة مدمَّر أو متضرّر بشدّة، وأنّ الأحياءَ الصالحة للسكن تكاد تنحصر اليوم في حيّي الجورة والقصور، من أصل 28 حياً في المدينة، مع تراجع الخدمات وغياب خطط إعادة الإعمار، ما فاقم أزمة السكن ونزوح السكّان إلى خارج المدينة.
أمّا الحسكة فقد شهدت منذ 2012 توسّعاً كبيراً في نفوذ حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب YPG/YPJ المرتبطة فكرياً بحزب العمال الكردستاني وتسبّبت سياسات الإدارة الذاتية والصراع المسلّح مع تنظيم داعش ومع أطرافٍ أخرى في تهجير أعدادٍ كبيرةٍ من سكّان المدينة وريفها، وفي فرض أمرٍ واقعٍ تمثّل في إعلان كانتوناتٍ ذات طابعٍ قوميّ كرديّ تحت مسمّى روج آفا ثمّ «الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا».
وقد سبق أن حذّر محمد كرد علي، وزيرُ المعارف السوريّ الأسبق في حكومة الحسني، عام 1931م في مذكّرة رسمية من مخاطر تشكّل كيانٍ قوميّ كرديّ في الجزيرة نتيجة موجات الهجرة من شمال الحدود، وهو ما تستحضره اليوم بعض القراءات بوصفه نبوءةً مبكّرةً عن مشاريع «كردستان الغربيّة» في الحسكة والجزيرة(13)، وإن ظلّت تلك المشاريع موضع تنازعٍ سياسيّ وعسكريّ ولم تتحوّل إلى دولةٍ مستقلّة.
الجزيرة بعد التحرير
بعد سقوط نظام الأسد دخلت الحكومة السورية في مخاض عسير مع قسد من أجل حل قواتها ودمج مناطق الجزيرة بالدولة السورية و إنهاء الملف سلمياً، إلا أن المسار التفاوضي لم يستمر طويلاً، وفي النهاية نجح الجيش السوري خلال فترة وجيزة باستعادة كامل محافظتي دير الزور والرقة وأجزاء من محافظة الحسكة مع استمرار تحصّن قسد بعدة مناطق فيها. وانتهى السجال بين الطرفين مؤخراً بتوقيع اتفاقية 30 كانون الثاني التي تقضي بدخول الدولة السورية للحسكة، مع ضمان حقوق الأكراد والذين أصدرت الدولة السورية مرسوماً تاريخياً وقّعه الرئيس أحمد الشرع يقضي بتجنيس جميع الأكراد والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية الخاصة بهم.
ومع تحقيق خطوات حقيقية بهذا المسار لا تزال ممارسات قسد القمعية متواصلة بحق السكان العرب في الحسكة، بالتوازي مع هدوء الدولة السورية التي تسعى لحسم هذا الملف سلمياً وبأسرع وقت.
بعد التحرير يتأمل سكان الجزيرة بتغير واقعهم الحالي وطي حقبة إرث التهميش التي دامت عقود طويلة في مناطقهم، وإعادة بناء مدنها وحواضرها التي أنهكتها الحرب. تشير القراءات الميدانية إلى فجوة شاسعة في البنية التحتية مقارنة بالمحافظات الثانية، فعلى الرغم من غنى المنطقة بالموارد، ظلّت المشاريع البنيوية صفرية، حيث اعتبرت الجزيرة كحقول زراعية فقط، واقتصرت البنى التحتية غالباً على مدارس التعليم الأساسي، فيما لا تزال مناطق عديدة تفتقر لأبسط مقومات الحياة فالقطاع الصحي متهاوي ويضطر المرضى للسفر نحو دمشق للطبابة، والواقع التعليمي متواضع ومنهار، وتغيب كذلك شبكات المياه والكهرباء عن غالبية المنطقة.
كما تظهر أزمة التنمية بوضوح في قطاع الطرق والمرافق العامة. يضاف لهذا حجم كارثة التلوث البيئي الحادة، نتيجة انبعاثات الدخان السام من الحقول النفطية، وكذلك صرف مياه المجاري مباشرة في نهر الفرات الذي هو مصدر مياه الشرب الوحيد أصلاً.
كذلك تأخّر إنشاء الجامعات طويلاً، والمقتصرة على بضعة كليات في جامعة الفرات. مما أجبر أجيالاً من الطلاب على الاغتراب الدراسي أو الانقطاع عن التعليم بسبب التكاليف، وهو ما أدّى لهجرة النخب وضياع الكفاءات المحلية.
تحتاج الجزيرة اليوم لرؤية شمولية من قبل الحكومة تعتمد مشروعاً يقضي بالنهوض بها من الصفر، ويعتمد بالتحديد على منح السكان إدارة شؤونهم والاشتراك الحقيقي في كل المشاريع الاقتصادية بالجزيرة لضمان انعكاسها على شكل فرص عمل تحسن ظروفهم. وكذلك تشجيع التعليم، وإعادة تعريف الجزيرة عبر الإعلام والمناهج التعليمية بعيداً عن الصورة النمطية التي شجّعها نظام الأسد البائد بتصويرها كقبيلة كبيرة يتزعّمها شيخ. وتمكين دور الفرد كذلك بعيداً عن اختزاله بالعشيرة، مما يسهم بدمج أبناء المنطقة ضمن بلادهم بشكل أكثر فاعلية.
(1) عبد الله الحلو، تحقيقات تاريخية لغوية في الأسماء الجغرافية السورية استنادا للجغرافيين العرب بيروت دار بيسان، 1999)، ص 24 و 31
(2) عبد الحكيم الكعبي الجزيرة الفراتية وديارها العربية ديار بكر، ديار ربيعة، وديار مضر: دراسة في التاريخ
الديني والسياسي والاجتماعي قبل الإسلام دمشق: صفحات للدراسة والنشر، (2009)، ص 65 – 55
(3) ماكس فرايهير فون أوبنهایم، البدو الجزء الأول: ما بين النهرين العراق الشمالي وسوريا، ترجمة ميشيل كيلو ومحمود كبيبو؛ تحقيق وتقديم ماجد شیر لندن: دار الوراق (2004)، ص 264 و 265
(4) عز الدين بن الأثير الجزري، الكامل في التاريخ، مراجعة وتصحيح محمد يوسف الدقاق، بیروت دار الكتب العلمية، 2010)، المجلد العاشر، ص 391 و392
(5) المرجع السابق نفسه، ابن الأثير، مجلد 10، ص 399
(6) لـــواء الزور في الوثائق العثمانية، أحمد السلامة القيسي، الجزء الثاني، ص 11
(7) التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية (أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران الحضري)، جمال باروت، ص 132
(8) التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية (أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران الحضري)، جمال باروت، ص 645
(9) المجموعة الإحصائية للعام 2006 ( دمشق) : المكتب المركزي للإحصاء، 2006
(10) إحصائية نفطية 2007
(11) اسکندر داود، الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر، تقديم سامي الدهان دمشق مطبعة الترقي، (1959)، ص 215
(12) معن دانیال داود، خبير تخطيط إقليمي ومفاوض مائي، له دراسات عديدة حول القطاع الزراعي السوري
(13) المذكرات للأستاذ العلامة محمد كُرد علي، الجزء الخامس، ص 440-442

