رمضان في التراث الشامي ... صفحة من التاريخ

آخر تحديث: 24 فبراير، 2026

الوقت اللازم للقراءة:

5 mins

إذا جاء ذكر رمضان، فقد جاء -بعد القرآن والصيام والقيام- ذكر الطقوس والشعائر والتقاليد التي تختصُّ بها كل أمة من الأمم. فلكل أمة من الأمم أعيادها ومواسمها التي تعتزُّ بها وتكون تلك المواسم جزءً أصيلاً من هويتها. ولا حاضر ولا مستقبل لأمة لا تعرف تاريخها وتاريخ أجدادها وتراثهم، فبه تحيا وتتجدّد معها آمالها.

وحاضرة الشام (أي الشام الكبير) لهي من حواضر الإسلام العتيقة التي نزلها الصحابة والتابعون وأتباعهم من السنين الأولى في صدر الإسلام ولازال يمرُّ بها وينزلها الصالحون من العلماء والعباد والزهاد والولاة والمجاهدون، وإن كانت لم تخل أيضا من الفجرة والكافرين! وكلٌ يسمّها بميسمه فيقبل أهلها الطيب ويدفع الخبث وقد يشوبها من هذا وذاك عبر الأزمنة المتباعدة.

وحال بلاد الشام مع رمضان حالٌ عجيبة، ففيها فتحت الفتوح وكسرت الجبابرة، وفيهما أحيا الصالحون عُمُد الإسلام، وفيهما نزل بالمسلمين من نوائب الدهر ما تلاه علينا رواة التاريخ، فكانت هذه الكلمات المبعثرة تنير شيئًا من دُجى التاريخ لا يجمعها جامع سوى أنها حلت بالأرض المباركة في ذلك الشهر المبارك.

زلزال عجيب في رمضان

فمن أعجب نوائب الدهر التي نزلت ببلاد الشام عام 551ه، يحكي ابن القلانسي عن زلزال عظيم وقع ببلاد الشام كان أول بدئه في شعبان من السنة، ثم تجدّد في أول أيام شهر رمضان ثلاث مِرار، ثم عاود في ثاني أيام الشهر الفضيل ثلاث زلازل أُخر، وكان إحداها في منتصف الليل إذ راع الناس من شدة هوله وأيقظ النيام مفجوعين.

ثم تكرّر ذلك في منتصف الشهر بزلزال عظيم في يوم الجمعة، ثم في السادس عشر من الشهر ثم في الثامن عشر ثم في العشر الأواخر في الليلة الثالثة والعشرين وظلّت الزلازل تضرب بلاد الشام حتى قرابة أواخر شهر شوال. ومن عجيب ما ذُكِر أن من رحمة الله تعالى بأهل دمشق وما حولها دُفع عنهم آثار تلك الزلازل، بينما وقع في حلب انهدام كثير في البيوت، ووقع أعظم منه بكفرطاب (مدينة غرب خان شيخون الآن بإدلب) وبحماة حتى هرب أكثر أهلها منها.(1)

بركات حلب على ابن عقيل الحنبلي

ولا يخلو تاريخ الشام من صفحات مضيئة من عادات الصالحين والعلماء في رمضان. ومن عجيب ذلك أن ابن عقيل الفقيه شيخ الحنابلة (ت 513هـ) أثناء حجه لبيت الله وجد عقدا من لؤلؤ، فأنشده شيخ أعمى وجعل لمن يأتي به 100 دينار، فرده عليه ابن عقيل ولم يأخذ الجُعل (الـ 100 دينار)، ثم أنه في رحلته لبغداد اجتاز بحلب وأوى بمسجد بها وكان ضيق اليد، فقدّمه الناس بالصلاة بهم، ثم قدموا لها العَشاء، يقول: «وكانت ليلة ‌رمضان، وقالوا: إمامنا توفي من أيام، ونسألك أن تصلي بنا هذا الشهر، ففعلت، فقالوا: لإمامنا الميت بنت، فتزوجّت بها، فأقمت معها سنة، ووُلد لي منها ولد، ثم مرضت في نفاسها، فتأمّلتها ذات يوم، وإذا بخيط أحمر في عنقها، فإذا به العقد الذي لقيته بعينه، فقلت لها: يا هذه، إن لهذا العقد قصة. وحكيتُ لها، فبكت وقالت: أنت هو والله، لقد كان أبي يبكي ويقول: اللهم ارزق بنتي مثل الذي ردّ علي العقد، وقد استجاب الله منه. ثم ماتت، فأخذت العقد والميراث، وعدت إلى بغداد». (2)

عادات علماء الشام في الإقراء برمضان.

ازدحمت حوليات التاريخ بأخبار العلماء ممن كان يُقرئ العلم في رمضان بالشام، ومن ذلك أن قاضي القضاة شهاب الدين بن فرفور (ت: 910هـ) حضر بابنه في آخر جمعة برمضان في أحد مدارس الشام وكان بالمجلس قضاة المذاهب الثلاثة ونوابهم والمسندون بدمشق، لإسماع ابنه منهم، فقرأ عليهم بحضور الجمع قطعاً متفرقة من نحو سبعين كتاباً .(3)

وكان المحدّث سليل آل عساكر، بدر الدين ابن عساكر المعروف بابن مكتوم (ت: 790هـ)، كان يقرأ صحيح البخاري على الناس بجامع دمشق في كل رمضان بعد صلاة الظهر .(4)

وكان العلماء والفقهاء يجتمعون عند ختم القرآن وراء الأئمة ويتتبعون ذلك، فمنه ما حكاه الأسدي أن عبد الوهاب بن الشيخ بدر الدين، قاضي أذرعات (منطقة بحوران درعا اليوم)، كان يختم القرآن في رمضان بالمدرسة الخبيصية بالشام، وكان يحضر لذلك الفقهاء وقضاة المذاهب والأمراء، وكانوا يركبون إليه ليحضروا ختم القرآن عنده .(5)

جود وكرم أهل الشام في رمضان

ولم يقتصر العلماء على إقراء العلم وختمات القرآن، بل كانوا يبثون الخير في المعوزين من الناس في هذا الشهر الكريم. فقد قال النبي ﷺ: «من فطّر صائما كان له مثل أجره»، ولم يغب عن الصالحين أن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان. فمن ذلك أن ابن مكتوم الآنف الذكر كان يحسن لطلبة العلم والفقهاء من الفقراء وغيرهم، فكان يضيفهم في شهر رمضان ويعد لهم الإفطار.(6) 

وكان للولاة ووجوه الناس من ذلك نصيب وافر، فقد ذُكر أن الأشرف موسى بن الملك العادل لما ولي دمشق، كان لا يُغلِق القلعة في ليالي رمضان كلها. وكان يخرج منها صحون الحلوى إلى الجوامع والخوانق والرُبُط إلى الصالحين والفقراء .(7)

ولم يقتصر الأمر على الأمراء، بل كان عوام الناس يتسابقون على الخير في هذا الشهر الفضيل. فمن ذلك، أن الناس كانوا يجرون الأوقاف على المدرسة العمرية بالشام، وكان من جرايات ذلك الوقف أشياء في غاية اللطافة، تقع في رمضان خاصة، فمنها: أنهم كانوا يجرون عليها في شهر رمضان من اللحم للإفطار شيئاً كثيراً. ومن ذلك أنهم كانوا في ليلة العشر الأول من رمضان يوزعون الكنافة، وإذا أتت ليلة العشرين من رمضان يوزعون المشبك بالعسل. وهكذا في أشياء كثيرة ذكرها المؤرخون من  صدقات الناس وجراياتهم على الطلبة والفقراء والمساكين .(8) 

وهذا الباب من تاريخ الشام وأهله وحالهم مع رمضان يطول ذكره ولا ينتهي، فلا يغيب عن أذن السامع ما كان لأهل الشام من صولات وجولات في الدفاع عن بيضة الإسلام من الفرنج والتتار ومواقعهم المشتهرة معهم في هذا الشهر الفضيل مما يطول بنا ذكره. والغاية لفت نظر الناظر لأهمية هذا الجانب من التاريخ، الذي يربط حاضر الأمة بماضيها ويجدد فيها معاني العز والشرف والخير.