أزمة عودة السوريين في مصر... بين دفء الشعب وتجاوزات النظام

الوقت اللازم للقراءة:
13 minsيذكر شادي أن الضابط المسؤول عن تسليمه في المطار قال له وهو يفك الأصفاد من يديه “لا تخبرهم في الأردن أنك مرحّل لكي لا يتعاملوا معك بطريقة مختلفة!”
يعلق شادي “لا يريدون أن يُعرف بأننا مرحّلون بل يصوّرون الموضوع على أنها رغبتنا بالعودة”
في الأشهر الأخيرة، انتشرت العديد من الشهادات والمقاطع المصوّرة عن ممارسات السلطة السياسية في مصر تجاه اللاجئين السوريين الذين يستوطنون أرضها من قرابة العقد من الزمان. وتبدو هذه الحملات ممنهجةً منذ نهاية العام الماضي حتى لحظة كتابة هذه السطور، وتشمل ملاحقات وحجز واعتقال وتقيّيد الحريات نهاية بالترحيل. وعلى الرغم من الدفء الذي لاقه السوريون في مصر والمحبة التي لمسوها من تعامل المصريين معهم، إلا أن هذه الحملات من النظام ليست هي الأولى في السياق المصري ولكنها الأعنف والأكثر تنظيماً وانتشاراً في محافظات مصر، وبخاصة القاهرة والإسكندرية.
من الناحية القانونية المحضة، فعامة هذه الممارسات ليست قانونية، لكن الحكومة المصرية تتخذ إجراءات يجنّبها المساءلة القانونية، وذلك بأنها تُجبر المرحَّلين على التعهّد بأن ترحيلهم إنما هو عودة طوعية. بيد أن الناظر يرى أن هذا الترحيل لا يتسم بأي مبدأ من مبادئ العودة الطوعية المتعارف عليها قانونياً ومن هنا سُميّت بالمقنّعة من بعض الحقوقيين والمحامين المصريين والمدافعين عن اللاجئين في مصر.أمام هذه الحملة، لا تقتصر معاناة السوريين على الترحيل نفسه، بل تسبقها سلسلة من الانتهاكات اليومية خلال الاعتقال والاحتجاز والمعاملة داخل الأقسام.
هذا التقرير يستند على عددٍ من الشهادات التي جمعها وتد عمّا يتعرّض له اللاجئون في مصر من انتهاكاتٍ مختلفة.
ماذا يتعرّض له اللاجئون في مصر؟
تظهر الشهادات الميدانية التي جمعها وتد أن السوريين في مصر يواجهون طيفاً واسعاً من الانتهاكات يبدأ بالاعتقال التعسفي من الشارع أو أماكن العمل، في ظروف أقرب إلى الاختطاف، ويمتد إلى احتجاز مطوّل بلا سند قانوني واضح وفي بيئات حاطة بالكرامة يختلط فيها اللاجئون مع سجناء جنائيين، ويتعرض بعضهم للضرب وسوء المعاملة.
كما تكشف الروايات عن تعمّد إخفاء أو إتلاف الأوراق الثبوتية وكروت الحماية الدولية، وعن صيغ إجرائية مبهمة تسمح للجهات الأمنية والإدارية بتجاوز قرارات إخلاء السبيل وفتح الباب أمام الترحيل. فوق ذلك، يُدفَع محتجزون إلى التوقيع على استمارات “عودة طوعية” تحت وطأة الخوف ومن دون بدائل واقعية للبقاء، ما يحوّل العودة من خيار حر إلى ترحيل قسري مقنّع، في تعارض مع مبدأ عدم الإعادة القسرية ومع الضمانات التي يفترض أن يوفرها قانون اللجوء المصري واتفاقية 1951.
وتتقاطع هذه الممارسات مع سياسات إقامة وضعت اللاجئين في مأزق قانوني مصطنع، ومع غياب فعّال لدور المنظمات الدولية في التوثيق والحماية، لتشكّل في مجموعها بيئة طاردة تُقصي السوريين من أي شعور بالأمان أو الاستقرار في بلد اللجوء.
عن الخوف … قصة سامر ورفاقه
خلال إعداد فريق وتد لهذا التقرير تواصل مع أكثر من 20 شخصاً من المرحّلين أو المحتجزين تمهيداً للترحيل، وقد رفض أكثر من نصفهم الحديث معنا أو إخبارنا بأية تفاصيل مما حدث معهم، رغم التطمينات والتعهدات بعدم ذكر أسمائهم أو أي معلومات شخصية تدلّ عليهم، لكن الخوف كان أقوى من هذه التطمينات. أما من ذكر بعض هذه التفاصيل، فقد رفض أغلبهم ذكر أي معلومات تدلّ عليه مثل أماكن سكنهم أو مكان احتجازهم، سوى شخص واحد رأى أنه لا فرق عنده بأن يُعرف من هو أو يُجهل، لكن المهم عنده أن يسمع الناس ما حصل له.
سامر شاب في المرحلة الثانوية نشأ وكبر في الإسكندرية. تقول أمه: «ابني يعرف عن مصر أكثر من سوريا ولا يريد أن يعود. كل أصدقاؤه مصريين لكنه الآن خائف لا يخرج من البيت رغم أن جميع أفراد العائلة لديهم إقامة سارية على الكرت الأصفر حتى نهاية 2026م». كان سامر يمشي في منطقة «سيدي بشر» حين وقفت سيارة سوداء أمامه، ودون أي سؤال وضعوا يديه خلف ظهره واقتادوه نحو قسم منطقة «طوسون».
لم يعرف سامر أين أخذوه لكنه قال رأيت أننا مررنا من منطقة «أبو قير». اُحتُجز سامر من الثالثة عصراً حتى الرابعة فجراً دون طعام أو شراب أو حتى سماح لدخول الخلاء. وعند وصوله للقسم ضُرب بحفلة التشريفات المعروفة في الأقسام المصرية. تحدّثت إلينا أم سامر عن رحلة البحث عنه خلال هذه الساعات التي اختفى فيها. لم يظهر اسم سامر في أي جهات رسمية خلال الساعات التي اُحتجز فيها لعدم تحرير محضر أو وجود أي إثبات لاحتجازه.
وقبيل الفجر رآه أحد الضباط واقفاً في الممر، ففحص إقامته ووجدها سليمة، وساعتها أخرجه من الحجز. خرج سامر لكن الشباب الذين كانوا معه في السيارة لم يخرجوا! شاب سوري آخر واثنان سودانيين. وبعد هذا الاحتجاز تعرّض سامر لموقف آخر حين ذهب إلى محل عمله قوة من رجال الأمن للسؤال عن إقامات السوريين، ورغم حمل سامر لإقامة سارية المفعول إلا أنه وجد نفسه يهرب نحو الناطور «حارس البناء» ويطلب منه أن يخفيه عن عيونهم حتى لا تتكرر ليلته الطويلة، ومن يومها لا ينزل إلى الشارع خوفاً من تكرار ما حصل رغم الإقامة التي يحملها.
«احتُجزت من المحل في شبرا ولم يعرف أهلي بوجودي هناك وحتى عندما عرفوا ذلك لم يستطيعوا زيارتي أو الحضور للقسم لخوفهم من أن يحتجزوهم معي على الرغم من حصولنا على موعد للإقامة… لم يحضر أحد للسؤال عني من أهلي سوى جار لنا مصري». بهذه الكلمات يخبرنا أيضا شادي، وهو شاب عشريني وصل سوريا مرحّلاً منذ يومين.
وعند الحديث مع والدة أحد المحتجزين قالت: «أنا أذهب وزوجي إلى العمل الذي نقتات منه ونحاول من خلاله تجميع مبلغ للعودة. ابننا الشاب محتجز، ولا نعرف إن كنا سنعود إلى البيت أم سيوقفنا كمين أو يدخل على مكان عملنا رجال الأمن فنُحتجز مثله. كل يوم نقفل الباب على طفلين خوفاً من أن تقوم إحدى الحملات بالصعود إلى منزلنا، إن تم احتجازنا وترحيلنا ما مصير هذان الطفلان؟»
عن الكرامة المهدرة
أما محمد فيحدثنا عن ظروف احتجازه بالإسكندرية. يقول: «بقيت هناك ١١ يوم لم يتعرّض لي أي شخص بإساءة أو أية كلمة حتى العسكري الذي كان يضع لي الأصفاد قال أنا أعلم أنك لست مجرمًا لكن هذه هي الأوامر… ورغم أننا لسنا مجرمين فقد اُحتجزنا في غرفة مع الجنائيين والمجرمين التي يملؤوها دخان الحشيش… أما الطعام فقد اضطررنا لدفع مبالغ نقدية لإدخاله… وفي نهاية مدة الاحتجاز أُخذت إلى العباسية لإعطائي إقامة لاجئ على الكرت الأصفر لكن كرتي سينتهي قريباً لذلك طلبوا مني الإمضاء على تعهد بتجديد كرتي وأخذ الإقامة، لدي موعد إقامه لكنه بعد سنتين أخبروني بأنهم سيسرعون دور إقامتي لكنني قررت العودة إلى سوريا فلا أشعر بالأمان في مصر. وهذه تجربتي في قسم باب شرق ومحرم بك، وقد كانت رحيمة مقارنة بما سمعته عن تجارب أخرى فيها ضرب وإساءات بالأقسام الأخرى».
يؤكد القصة نفسها عبدالله حيث احتجز بنقطة «قسم صغير سيدي بشر» بالإسكندرية، وحين تحدّث عن ظروف احتجازه وصفها بأنها غير آدمية، وردّد كثيراً: «أنا لست مجرماً ولم أحتُجز في حياتي من قبل الشرطة أو الأمن» عبدالله أب لطفلة رضيعة، وكانت زوجته تزوره وتحاول إيصال الطعام له، لكن الطعام لم يصل إليه قط، رغم أخذ «العسكري» منها الـ 50 جنيه لإيصال الطعام إليها.
يخبرنا عبدالله: «في اليوم الأول وضعونا في الممر واضطررنا لقضاء حاجتنا بقارورات بلاستيكية، ثم احتّجزت 15 يوم قبل الترحيل مع الجنائيين. كنا 100 شخص في غرفة لا تتسع للنوم. ولم أنم خلال أول أسبوع سوى ساعة يومياً، وعند الترحيل لم يقبلوا أن أغيّر ثيابي أو آخذ معي حقيبة حتى أنهم أدخلونا من باب خلفي للمطار مصفّدين كالمجرمين عندما وصلنا كان هنالك محتجزين مثلنا من القاهرة لكن كان معهم حقائب ويرتدون ملابس نظيفة» يختم متحسّراً سافرت إلى بلدي بعد 13 سنة (بشحاطة)!»
يضيف آخر أنه اضطر لدفع مبلغ مالي كبير لوضع حقيبته بالأمانات في المطار، لتأخّر سيارة الترحيل. ورغم أن التأخير ليس منه، فقد احتّجز مرة أخرى في قسم الساحل، أما اليوم الأول فقد اقتيد لقسم «روض الفرج» لمدة ست ساعات وهناك ضُرب بغرفة المأمور بشدة حتى ازرقت ظهورهم هو ومن معه. كانوا أربعة مصفّدين من الخلف، ومغماة عيونهم. وحين اقتيدوا إلى قسم الساحل مكثوا 21 يوما قبل أن يُنقلوا مع 60 سوري آخر من مختلف الأعمار والمحافظات المصرية إلى مستقر حجزهم الآخير، وقد كانت الشتائم تنهال عليهم من كل مكان.
يواصل صاحبنا الحديث: بعد ذلك أخذوني إلى السفارة لاستخراج إذن سفر لكن أمن السفارة رفض إدخالي مصفد وطلب من العسكري فك القيود قائلاً له «هذه سفارة بلده لا يدخلها مقيد فهو لم يرتكب جرم، عند العودة أحد الضباط طلب مني مبلغ مالي ليضعني بغرفة حجز الأونلاين هي غرفة يعرض فيها المحتجزين على النيابة عن طريق شاشة بحسب وصفه كانت غرفة أنظف وفيها أربعة فقط، خلال حجزه أقنع أحد الضباط أهله بدفع 5000 جنيه للإفراج عنه ثم قال لأهله أخلت النيابة سبيله كما أخبرتكم، ورغم هذا لم أخرج!».
عن الترحيل
تحدّث أحد المحامين لوتد عن الإجراءات المتّبعة خلال هذه الحملات الأخيرة، وهي إجراءات لا ضابط لها ولا إطار واضح لفهمها قانونياً أو حتى عرفياً. يشير المحامي، وهو خبير بشؤون اللاجئين في مصر منذ سنين طويلة، إلى أنه لم يعد قادراً على توقّع مسار القضايا أو التعامل مع القوانين كما في الحملات السابقة المشابهة، بل انحصر دور المحامين عملياً في التواصل مع العائلات، وإبلاغهم بالمستجدات، ومحاولة التوثيق. فالنيابة، كما يشرح، تخلي سبيل المحتجزين في الغالب عند العرض الأول ما لم يكونوا مطلوبين على ذمة قضايا أخرى، مع إضافة العبارة الشهيرة: «وللجهة الإدارية وشأنها». هذه الجملة هي التي تفتح الباب لتدخّل ثلاث جهات: الأمن الوطني، وإدارة الهجرة والجوازات، وإدارة مكافحة الهجرة غير الشرعية.
ومن خلال هذا المسار يحصل الترحيل. ففي إدارة الهجرة والجوازات يُفرَض على المحتجز التوقيع على ورقة «عودة طوعية»، وهي بحسب المحامي ورقة تُوقَّع بحضور ممثّل عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM) التابعة للأمم المتحدة، والمسؤولة عن هذا الملف وعن الدعم المادي المرتبط به من تكاليف السفر ودعم للأشهر الستة الأولى بعد العودة.
وعند الحديث عن دور المفوّضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، وما إذا كان قانون 164 لسنة 2024 قد قوّض تدخّلاتها، يوضح المحامي أن القانون ينصّ على تشكيل لجنة تابعة للحكومة المصرية لتيسير أمور اللاجئين، من تسجيلهم إلى متابعة أوضاعهم القانونية، على غرار ما هو معمول به في العديد من الدول الأخرى. لكنه يرى أن بإمكان المفوضية أن تؤدي دوراً أكثر تأثيراً بكثير، خاصة أن البطاقات التي تمنحها – سواء كان «الكرت الأبيض» وثيقة طلب لجوء، أو «الكرت الأصفر» بطاقة طالب لجوء، أو «الكرت الأزرق» بطاقة لاجئ – تمنح جميعها حاملها حماية دولية يفترض أن تمنع احتجازه أو ترحيله.
أما عن القانون نفسه، فيؤكّد أن نصّه لم يُنفّذ حتى الآن؛ فالقانون يمنح ثلاثة أشهر لتشكيل اللجنة، وستة أشهر لوضع الآليات، ومع ذلك لم تُشكَّل أي لجنة حتى لحظة حديثه. وحتى لو افترضنا جدلاً تشكيلها، فإن المادة 13 من القانون تحظر العودة القسرية والترحيل. عملياً، ما زال وضع اللاجئين في مصر تحت عباءة المفوضية والبروتوكولات نفسها، من دون ترجمة حقيقية لالتزامات القانون الجديد. إضافة إلى ذلك، لا تقوم المفوضية – بحسبه – بدورها التوثيقي على النحو الكافي، فالعدد المتداول اليوم لضحايا هذه الحملة هو حصيلة اجتهادات مؤسسات حقوقية مصرية بتباين شاسع. فمنظّمة مدى مصر مثلاً تقدّر من تمّ الاعتداء عليهم بـخمسة آلاف لاجئ بينما تشير مشاهدات المحامي نفسه إلى أن أكثر من 90% من الملفات المحوَّلة إلى إدارة الهجرة والجوازات تنتهي بالترحيل.
أما الممارسات التي تقوم بها السلطات التنفيذية في مصر، فيصفها المحامي بأنها «ممارسات تحايل»: تضفي على نفسها صفة قانونية لكنها في جوهرها ظالمة. فحتى عندما يحمل الشخص أوراقاً ثبوتية، قد تُتلف قبل عرضه على النيابة بواسطة بعض أفراد الشرطة، كما حصل مع أحد موكّليه الذي يحمل إقامة سياحية سارية لكنه بقي محتجزاً دون أن تُعرض إقامته على النيابة. وبرغم ذلك، فإن لكل كرت من كروت المفوضية رقماً مرجعياً معروفاً لدى وزارة الداخلية، ولا يُفترض أن يكون الكرت نفسه بحوزة الشخص حتى تتمكّن السلطات من التحقق من وضعه القانوني.
تؤكّد الشهادات التي جمعها وتد ما ذكره المحامي. فشادي، مثلاً، كان يحمل بطاقته الشخصية السورية، وكرت المفوضية الأصفر، وموعد الإقامة، وإقامة دراسية سارية حتى عام 2021. عند القبض عليه، صودرت هذه الأوراق، ليفاجأ عند كتابة المحضر بأن الضابط يدوّن أنه «قال اسمه فقط ولم يكن يحمل أي أوراق ثبوتية». أما عبدالله فقد اُحتجز في اليوم الأخير له في المطار بينما كان يحمل إذن سفر من السفارة وتذكرة حجز للعودة براً مع زوجته ورضيعته. أخبر الضباط بذلك، فقيل له إنهم سيذهبون إلى القسم للتأكد، لكن أيّاً من هذه الأوراق لم يُعرض على النيابة، وانتهى الأمر بترحيله بالطائرة، فيما سافرت زوجته براً بمفردها مع طفلتها.
عن العودة الطوعية
طرحنا عدّة أسئلة على «وصال»، وهي ناشطة مجتمعية تدير مركزاً مجتمعياً يخدم اللاجئين منذ أكثر من عشر سنوات، ولديها علاقات وطيدة مع المنظّمات الدولية والحقوقية العاملة في هذا المجال. ركّزنا معها على مسألة «العودة» وما يحيط بها من ممارسات، خصوصاً في الحملة الحالية. بدأت وصال حديثها بوضع هذه الحملة في سياق أوسع، مشيرة إلى أن حملات سابقة لم تكن موجّهة بهذه الدرجة من التسييس والأيديولوجيا نحو اللاجئين كما هو الحال اليوم؛ بل كانت تُقدَّم في الغالب تحت عناوين اقتصادية وأمنية عامة.
ثم انتقلت للحديث عن الممارسات التي دفعت أغلب اللاجئين اليوم، وبشكل خاص السوريين، إلى أوضاع غير قانونية. فمنذ عام 2024، بدأت الحكومة المصرية عملياً بوقف تجديد الإقامات السياحية للسوريين، ورفعت رسوم الإقامات وحوّلت دفعها إلى الدولار الأمريكي. العائلات التي استطاعت الصمود أمام كلفة تجديد جوازات السفر السورية وصلت إلى حدّ لم تعد معه قادرة على تحمّل هذا الاستنزاف المالي، فقرّر كثيرون إيقاف تجديد الجوازات والإقامات. هذا دفع أعداداً كبيرة منهم إلى التوجّه نحو المفوضية لطلب التسجيل على طلب اللجوء أو للحصول على دور للإقامة.
وبحسب وصال، ورغم أن هذا «الدور» يستقبل نظرياً نحو 500 طلب يومياً، فإن بعض الأشخاص حُدّدت لهم مواعيد تنفيذ الإقامة بعد ثلاث سنوات كاملة. هذا الموعد يشترط حضور جميع أفراد الأسرة، لكن الرجال لا يستطيعون التنقل بين المحافظات بسهولة خوفاً من التوقيف على الحواجز أو خلال حملات التفتيش. وفي المقابل، لا تقبل المفوضية ولا إدارة الهجرة والجوازات تنفيذ الإقامة إذا غاب أحد أفراد العائلة عن الموعد، ما يدفع بعض الأسر إلى تفويت الموعد خوفاً من اعتقال الرجال أثناء السفر إلى القاهرة. هذه النقاط، التي أشار إليها المحامي أيضاً، تسمّيها وصال «دفعاً قسرياً لمخالفة القانون»؛ إذ يُدفَع اللاجئون دفعاً إلى وضع المخالفة، ثم يُلاحَقون على هذا الأساس.
تحدّثت وصال كذلك عن زيارة قامت بها إحدى المنظمات الدولية إلى مركزهم لمقابلة المتضرّرين والاستماع إلى طلباتهم. رغم أهمية الزيارة، كان الحضور ضعيفاً ولا رجال فيه تقريباً، بسبب الخوف المتفشي من التنقّل. تنوّعت طلبات الحضور بين من يريد العودة فعلاً ويطلب دعماً مادياً لأن ما يمنعه هو تكاليف السفر، وبين من يفضّل البقاء ويطالب بتسريع تسوية الأوضاع القانونية لأن الوضع الاقتصادي في سوريا لا يحتمل العودة في نظرهم.
أما عن دور المنظمات الدولية، فتؤكد وصال أن هذه الجهات لا تمارس الدور الذي يفترض أن تقوم به: لا تستجيب بما يكفي لمطالبات التدخّل أو الحضور عن المحتجزين، ولا تبادر إلى التوثيق والنشر والمناصرة على مستوى يوازي حجم الانتهاكات. تذكر أن جهات حقوقية مصرية أصدرت بيانات مناصرة علنية، بينما لم تصدر المفوضية والمنظمات الدولية بيانات مماثلة، رغم أن المفوضية نفسها لا تشجّع في موقعها الرسمي على العودة إلى سوريا في الظروف الراهنة.
في المقابل، تشدّد وصال على أهمية الدور المجتمعي الداعم. يحرص بعض أصحاب المطاعم مثلاً على دفع مبالغ مالية لمحاولة إخراج العاملين السوريين لديهم قبل تحرير المحاضر، أو تحسين أوضاعهم داخل الأقسام. كما تشير إلى ممارسات تضامنية من الجيران والمقرّبين الذين يحاولون تحذير السوريين أو السودانيين خلال الحملات، أو إخفاءهم في البيوت والمحال، كما حصل مع سامر في قصته. يحدث كل ذلك على الرغم من تصاعد خطاب الكراهية ضد اللاجئين في مصر في الآونة الأخيرة وارتفاع صوته في الإعلام ومواقع التواصل.
كيف يُرى ذلك من الناحية القانونية؟
من منظور معايير الحماية الدولية، تعني العودة الطوعية أن يتخذ اللاجئ قراره وهو مطّلع على المعلومات، بعيداً عن التهديد أو الاحتجاز أو الضغط غير المشروع، وبوجود بدائل حقيقية للبقاء في بلد اللجوء. في الحالة المصرية، يُجبَر كثير من السوريين المحتجزين على التوقيع على استمارات «عودة طوعية» تحت وطأة الخوف من استمرار الاحتجاز أو سوء المعاملة، ما يحوّل هذا الإطار القانوني إلى غطاءٍ لعمليات ترحيل قسري تُقدَّم على أنها خيار شخصي.
لم يطالب من تحدّثوا إلينا، من محتجزين ومحامين وناشطين، بإعفاءٍ شامل من القانون أو بإغلاق ملف الهجرة غير النظامية، بل بطبقةٍ دنيا من العدالة: إجراءات قانونية واضحة، ومعاملة إنسانية تحفظ كرامة من يخالف القانون، وضمان ألا تتحول «العودة الطوعية» إلى واجهة لعمليات ترحيل قسري. وهذا من جوهر الالتزامات التي تعهّدت بها مصر عندما صادقت مبكراً على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها، وأقرّت في قانون 164 لسنة 2024 مبدأ حظر الإعادة القسرية.
