شهداء أدباء: ألوية الخلود بين الحبر والدم

الوقت اللازم للقراءة:
17 minsمنذ أن خطَّ الإنسان أوَّل سطرٍ في صحائفِ الوجود، كانَ الموت في سبيلِ الحقِّ تاجًا يُتوَّج به أصحابه، فإذا سقَطَ البطل على ثرى الأرض، ارتفعَ في ذاكرة النَّاس إلى مراقي الخلود، وقد اقترنَ الموتُ بالفخر، إذا كانَ في سبيل قضيةٍ عادلة، أو ذودًا عن حقٍّ مغصوب، أو دفاعًا صادقًا عن الأرضِ والعِرض. فكان النَّاسُ – على اختلاف مشاربهم وأديانهم – يعظِّمونَ من بَذَلَ روحه في وجهِ الباطل، ويرونه أرفع مقامًا من أن تُكافئه أيدي البشر، فألبسوه حلل التَّبجيل، ووضعوه في مقامٍ مكين.
ودونكَ ما خطَّه الأدب الإنسانيُّ في صحائفه من ملاحم ناطقة بجلال البطولة، وما أسبغته على الأبطال من خلودٍ، حتى خرج الاحتفاء بهم – في بعض صوره – إلى مصاف الأسطورة، ليحفظَ أسماءهم في ذُرى المجد، ويجعل سيرهم صفحاتٍ بيضاء مشعَّةً بالعنفوانِ والإقدام. ففي ملاحم اليونان الكبرى: الإلياذة والأوديسا والإنيادة، تتجسَّد صور الأبطال بعد الموت في أبهى حلّة، كما نحا الأدب الشَّعبي العربي في سيره منحىً قريبًا، فجعل من فرسانه نماذج للشَّجاعة والبذل، يبكيهم الرُّواة والشُّعراء، وقد مضَوا في دروبِ الحقِّ والعدل شهداء خالدين.
وقد مضت كل أمَّة تسير بضوءِ أبطالها، تفاخر بهم، وتزجي الوقت في الحديثِ عنهم، ويربَّى الأطفال على وَقْعِ سيرهم، ويجتمع النَّاس على أخبارهم، وبذا أضحت البطولة مفردة العز والنُّبْل في قاموسِ الأمم، فهي في أصل وضعها اللغوي تدلُّ على الشَّجاعة والاقتِحام، وقيل: ما وُصف بها الرَّجل إلا لأنَّه يُبطلُ حياة أعدائه إذا لاقاهم، أو لأنَّه يواجه الخطوب والعظائم بقوَّةٍ تمحو آثارها وتبطل حدَّتها(1). ثمَّ اتَّسع معناها فغدت صفةً إنسانيَّةً جامعةً للشَّجاعة والقوَّة والنَّجدة والصَّبر عند الوغى.
ولم يكن العربُ بِدَعًا من الأممِ في ذلك؛ فقد ربطوا بينَ الشَّجاعةِ والكرم، وجعلوهما صنوي البطولة، ويُرى في الشِّعر العربي ظاهرة مطَّردة: أنَّ الشَّاعر إذا رسَمَ صورة البطل، جمَعَ له بين شجاعةٍ تُدرك الغاية، وكرمٍ يفيض فيض السَّحاب، كما ورد في قول الشَّاعر:
قَومٌ إذا اقتحموا العَجاجَ رأيتهُمْ شُمسـاً، وخِلـتَ وجـوهَهُم أقمـارا
لا يعــدِلون برفـدهم عـن سـائل عَــدلَ الزمــانُ عليهـمُ أوْجَـارا
فــإذا الصـَّريخُ دعـاهُمُ لمُلمَّـةٍ بَذلوا النفوسَ وفارقوا الأعمارا
وإذا زنـادُ الحَـربِ أخمِد نارُها قَــدَحوا بـأطرافِ الأسـِنَّةِ نـاراً
وقد يرجع هذا الجمع بين الكرم وبين الشَّجاعة وبذل النَّفس أنَّ كليهما عطاء، كما يقول الأستاذ النَّاقد جابر قميحة(2): الأول عطاء مال، والثَّاني جود بالنَّفس، على حدِّ قول الشَّاعر:
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتقِ الله سائله
لقد أدركت الأمم أنَّ موتَ الأبطال يتحوَّل إلى ذاكرةٍ جمعية، إلى لحنٍ أبديٍّ يرافقها عبر القرون. ومن هنا كان أدب الشُّهداء هو ديوان الخلود: تلتقي فيه الشَّجاعة بالكرم، والدَّمع بالدَّم، واللحظة بالسَّرمد. إنَّه الأدب الذي لا يصفُ الموت، وإنما يُعيد تعريف الحياة.
الإسلام والشهداء
غيرَ أنَّ الإسلام ارتقى بالبطولةِ مَراقي العُلا، فرفعها إلى أفقِ السَّماء، وأضفى عليها من أنوار الرُّوح معناها، وربطها بالغايةِ القصوى؛ حتى انعقد الوشاج بين البطل الشَّهيد وبين الإله واهب الأرواح، الملك الذي لا ملك في الحقيقة سواه، لا يُخشى إلا سخطه، ولا يُرجى إلا رضاه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة: 111].
ولو أمعنتَ النَّظَر، كأنَّ الله- جلَّ مجده – لا يشتري إلا النَّفس الشَّريفة، كما في قولِ بعض العارفين: “النُّفوس ثلاثة: نفسٌ معيبة، لا يقع عليها بيعٌ ولا شراء، وهي نفس الكافر، ونفس تحررت لا يصح بيعها، وهي نفس الأنبياء والمرسلين، لأنها خُلقت مطهرة من البقايا، ونفس يصح بيعها وشراؤها، وهي نفس المؤمن، فإذا باعها لله، واشتراها الحق تعالى منه، وقع عليها التَّحرير، وذلك حين تتحرر من رقِّ الأكوان، وتتخلص من بقايا الأثر”(3).
وقد ارتقى الإسلام بمفهوم الشَّهادة في سبيلِ الله، ورفع منزلتها، فجعلها حياةً حقيقية في الدَّارين، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. وقد حمل طائفةٌ من العلماء هذه الحياة والإحياء على الجهاد في سبيل الله، ومنهم الإمام القرطبي (ت 671هـ) إذ قال: “المراد بقوله لما يحييكم: الجهاد، فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدو إذا لم يُغز غزا، وفي غزوه الموت، والموت في الجهاد الحياة الأبدية”(4)، وهذا مصداق قول الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
وقد تلقَّفَ شعراءُ الإسلام وأدباؤه ذلك الإرثَ التكريميَّ الباذخ، فراحوا يُجسِّدون الشُّهداء ويُمجِّدونهم بأبهى الصُّوَر في مراثيهم العامرة. فهذا حسَّانُ بن ثابت، شاعرُ الإسلام ورأسُ شعرائه، قد رثى كثيرًا من شهداء المسلمين، وهو في رثائه سيِّدَ الشهداء يوم أُحُد، حمزةَ بن عبد المطَّلب رضي الله عنه، لمَّا قدمت ابنتُه أمامةُ المدينةَ تسأل عن قبر أبيها ومصرعِه، أنشد يقول:
تَسائِلُ عَن قَومٍ هِجانٍ سَمَيدَعٍ لَدى الباسِ مِغرارِ الصَباحِ جَسورِ
أَخي ثِقَةٍ يَهتَزُّ لِلعُرفِ وَالنَدى بَعيدِ المَدى في النائِباتِ صَبورِ
فَقُلتُ لَها إِنَّ الشَهادَةَ راحَةٌ وَرِضوانُ رَبٍّ يا أُمامَ غَفورِ
ومن روائعِ صور الشَّهادة في صدر الإسلام ما كان من ابن رواحة، إذ جَالَدَ نفسَه في لحظةِ الفصل، فغلبها باليقين، ومضى إلى المعترك ماضي العزم، حتى لقي ربَّه شهيدًا، فكان عَلَمًا بين الأدباء الشُّهداء، ورمزًا من رموز الخلود في سجلِّ الإسلام.
ففي جُمادى الأولى من العام الثامن للهجرة، اصطفَّ الزَّمانُ ليشهد موقفًا عظيمًا: رسولُ الله ﷺ يشيِّع جيشَ المؤمنين، قِوامُه ثلاثةُ آلافٍ، إلى ثغور الشَّام حيث جموعُ الروم وحلفاؤهم. قال النبيُّ ﷺ: “الأميرُ عليكم زيدُ بن حارثة، فإن أُصيبَ فجعفرُ بن أبي طالب، فإن أُصيبَ فعبدُ الله بن رواحة”(5).
فخرج جيشُ المؤمنين، والعددُ قليل، فإذا هم بإزاء جموعٍ للروم وحلفائهم قد جاوزوا المائةَ ألفٍ. وما هي إلا ساعات حتى ارتقى زيدٌ شهيدًا، ثم لحقه جعفرُ الطيّار، وجاء دورُ عبد الله بن رواحة ليتقدّم، فساورَه شيءٌ من التردّد، فأخذ يخاطب نفسَه قائلًا:
أقـسـمت يا نـفس لتنزلنهْ لـتـنـزلـن أو لـتـكـرهـنـهْ
قد أجلب الـناس وشدوا الرنة مـالي أراك تكرهين الجنةْ
قد طالَ ما قد كنت مطمئنةْ هـل أنا إلا نطفة في شنهْ
يـا نـفس إلا تـقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليتِ
ومـا تـمـنيتِ فقد أعـطـيتِ إن تـفـعـلي فعلها هُديتِ
وهكذا انطوت صفحةُ مؤتة على ملحمةٍ عُلويّةٍ لم يعرف التاريخُ أرفعَ منها مقامًا ولا أخلدَ أثرًا؛ فهؤلاء الثلاثة الأطهار مضَوا شهداءَ على دربِ الحق، يطوف ذكرُهم مع كلِّ فجر، ويُتلى خبرُهم مع كل جيل. فما الموتُ عندهم إلا جسرٌ إلى الحياة، وما الدَّمُ الذي أُريق إلا نبعُ خلودٍ يروي قلوبَ المؤمنين.
ولا يَغيب عن ذاكرتنا أبو تَمَّام، درة العصر العبَّاسي، عَلَمُ الشِّعر، وباني صرحَ الحماسة التي أذاعت مجدَها الركبان، لطالما تغنَّى في قصائده بانتصارات قادة المسلمين وبطولاتهم على بابك الخرَّمي وأتباعه، وعلى الرُّوم الذين وجدوا في هؤلاء أتباعًا يظاهرونهم على عداوة الإسلام. وهو إذ يُنشئ تلك الصُّوَر الملحميّة البديعة، لا ينسى أن يُعظِّم شهداء تلك الحروب ويُبجِّلهم، ويهتف ببسالتهم، ويُخلِّد ذِكراهم؛ أولئك الذين بذلوا مهجهم وأرواحهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله. ومن أولئك الأبطال محمَّدُ بن حُميد الطُّوسي(6)، الذي رثاه أبو تمَّام في عددٍ من مراثيه – كلها من عيون قصائده في الرِّثاء – فجسَّمَ فيها بطولته وبسالته في قتال الأعداء تجسيمًا بديعًا، كما في رائيته الخالدة حيثُ يقول:
فَتىً ماتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَةً … تَقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ
وَما ماتَ حَتّى ماتَ مَضرِبُ سَيفِهِ … مِنَ الضَربِ وَاِعتَلَّت عَلَيهِ القَنا السُمرُ
وَقَد كانَ فَوتُ المَوتِ سَهلاً فَرَدَّهُ … إِلَيهِ الحِفاظُ المُرُّ وَالخُلُقُ الوَعرُ
وَنَفسٌ تَعافُ العارَ حَتّى كَأَنَّهُ … هُوَ الكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ
فَأَثبَتَ في مُستَنقَعِ المَوتِ رِجلَهُ … وَقالَ لَها مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشرُ
غَدا غَدوَةً وَالحَمدُ نَسجُ رِدائِهِ … فَلَم يَنصَرِف إِلّا وَأَكفانُهُ الأَجرُ
تَرَدّى ثِيابَ المَوتِ حُمراً فَما أَتى … لَها اللَيلُ إِلّا وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ
ويُدركُ النَّاظر في خاتمةِ الرِّثاء أنَّ أبا تمَّام قد ساقَ اللون في أبهى صوره؛ فشهيد الوغى إذا ارتمى في ثراه مضرَّجًا بدمه، بدا الأحمرُ في أجسادهم سِمةَ التميّز في دنيا النَّاس، حتى إذا ارتقوا إلى جوار ربهم تبدَّلَ ذلك الدَّم سندسًا أخضر، هو لباسُ أهل الشَّهادة والعز المقيم(7).
ولا بُدَّ لنا هاهنا من الإشارة إلى أنَّ شعراء الأندلس قد جارَوا إخوانهم في المشرق، فشاركُوهم في تمجيد شجاعة المجاهدين وتعظيم شهادتهم في معارك البرِّ والبحر. فكأنّهم جعلوا من شعرهم عن البطولة والشُّهداء سُلَّمًا يصعدونَ به إلى صحائف الكرامة، حيث تُسطَّر أسماءُ الشُّهداء المخلَّدين؛ الأبطال الذين ما كان أحدُهم يتمنَّى شيئًا أعظمَ من أن يلقى حتفه في ساحة الوغى، ليُكتَب في سجلِّ الشَّهادة(8). وقد قال ابنُ الجيّاب الغرناطي، في رثاء أحد أولئك الأبطال:
شهيدٌ سعيدٌ صبّحته شهادة تبوّأ منها في الخلود التنعم
وقد جعل ابنُ الجيّاب الشَّهادةَ قرينةَ السَّعادة، إذ هي الخلود والتنعم في الجنان، كأنما الشهيدُ قد رُدَّ إلى الموطن الأوَّل، حيث النَّعيم المقيم.
وعلى توالي الأزمان ما خلا عصرٌ من العصور التي تلت الإسلام من تصوير الشَّهادة وتكريم الشَّهيد على ألسنةِ الشُّعراء. وظلَّ الأدب مرآةً لبطولة العرب ومفاخرهم، حتى إذا بلغنا عصرنا الحاضر، ولاسيَّما بعد نكبةِ فلسطين وما تلاها من ثوراتٍ متلاحقة، برزت أصوات الشُّعراء تُواكب الملاحم وتُشاركُ الأبطال مواقفهم، إذ يسجِّلون بمدادِ الكلمة ما جادوا به من دمٍ وروحٍ في سبيل الله والوطن.
فصار الشِّعر أداةَ إيقادٍ لنار الكفاح في صدور الثَّائرين، ومثيرًا لعزائمِ الرجولة في طلبِ الثَّأر والانتصاف من الظُّلم والطغيان، كما غدا سجلًّا خالدًا يخلِّدُ سِيَرَ الشُّهداء ويُسطِّر بطولاتهم، لتكون عبرةً للأحياء وقوَّةً دافعةً للأجيال.
الأدباء الشهداء
وهكذا جرى نهر الإقدام في كل وادٍ من أوديةِ الأمَّة، حتى فاضَ في عصرنا الحديث بأسماء أدباء شهداء، جمعوا بينَ لواءين: لواء الكلمة والدَّم. فأن تكونَ أديبًا فتلكَ مِنَّةٌ عظمى، فإنَّ الشَّاعر إذا نَهَضَ في قومه ارتفعت لهم ذُرى الكرامة، واتَّسعَ لهم قاموسُ الخلود، وانبسطَ للنَّاسِ من بيانه لواءٌ يظلِّلهم في حاضرهم وآتيهم.
فكيفَ إذا كانَ الأديب شهيدًا، أي اجتمعت له خصلتان عزيزتان قلَّ أن يُوشَّح بهما امرؤ: بهاء البيان، وشرف الفداء.ولأجل ذلك كانَ الأدباء الشُّهداء دُرَّة العقد، وحَبَّة القلب، وجوهرةَ التَّاج، وحده الشَّهيد الأديب يجمعُ بينَ الأضداد، فيغدو مفخرةً إنسانيّةً، ومنارةً جماليةً وروحيةً عاليةً تهدي الأجيال، وتبقى على مرِّ الدهور آيةً من آياتِ المجد.
في اليمنِ ظهر أديبٌ فَحلٌّ، لم يكتفِ بالانزواءِ يحبرُ النَّصَّ وينظمُ القصيد، ولا مالَ إلى مُهادَنةِ الباطل. كانَ ثورة تمشي على قدمَين: حياةٌ فكريةٌ تصدحُ بالشِّعر، وعَمَلٌ جادٌّ يَقْتلعُ جذورَ التَّخلف والجهل والطُّغيان. بذَلَ عمرَه في نُصْرِة وطنه، فابتلي بالسِّجنِ والنَّفيِ، ومسَّه لَهيب الاغترابِ، فأحالَ إبداعه الشِّعريُّ بركانًا يهُزُّ مضاجعَ الظُّلم. وخُتِمَ لهُ بالشَّهادة، فصار من أعظمِ الأدباء الشُّهداء في العصرِ المضرَّجِ بالتَّضحيات: إذا ذُكِرَ الإباءُ والتَّضحيةُ والنُّبْلُ، ذُكرَِ أبو الأحرار محمَّدُ محمود الزُّّبيرِي (1910- 1965) الذي حَوَّلَ القصيدة إلى نَفيرٍ يزلزل ضمائرَ الطُّغاة.
يرثي نفسه ووطنه في قصيدته «رثاء الشَّعب» فيصرخ قائلًا:
ما كنتُ أحسِبُ أني سوفَ أبكيهِ * وأنّ شِعْري إلى الدنيا سينعيهِ
وأنني سوف أبقى بعد نكبتهِ * حيّاً أُمزّق روحي في مراثيه ِ
وأنّ من كنتُ أرجوهم لنجدتهِ * يومَ الكريهةِ كانوا من أعاديهِ
وقدَّمَ الشَّاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود (1913 – 1948) أنموذجًا فذًّا لشعر المقاومة والقتال في سبيل الحريَّة، وربطَ في وعيه بين الموقفِ والمعنى؛ فقاتَلَ بسلاحه حتى نال الشَّهادة، وجعل من شعره لسان الثوار، يعبِّر عن وجدانهم وهم ينافحونَ عن أرض فلسطين ومقدَّساتها. وما وصل إلينا من نظمه قليل، شأنه شأن الشُّعراء الذينَ صاغوا أبياتهم في ميادينِ القتال، يهتفونَ بها لتشحذ العزائم، ثمَّ يطويها غبار المعارك ولا يبقى منها إلا ما التقطته ذاكرة الرواة.
ولم يُعرف من شعره إلا ما جمعته لجنة من الأدباء الفلسطينيين سنة 1958م من أعمدة الصُّحف والمجلات، فكانَ سبعًا وعشرين قصيدةً، تبيّن جميعها كيف كانت روحه تحلِّق في سماء الشَّهادة، وتترقَّبُ ميعادها، وتستعجل القدر أن يكتب لها ذلكَ الوسام. وقد كَتَبَ، وهو لمَّا يجاوز الرابعة والعشرين من عمره، قصيدته الخالدة التي مطلعها:
سأحملُ روحــي على راحــتي وألقي بها في مهاوي الرَّدى
فإمّا حياةٌ تسرّ الصــــديقَ وإمّا مماتٌ يغيــظ العِدى
ونفسُ الشريفِ لها غايتانِ وُرودُ المنايا ونيــلُ المُنى
لعمرك إنّي أرى مــصرعي ولكن أغذّ إليـه الخُطى
أرى مصرعي دون حقي السليب ودون بلادي هو المُبتـغى
فكانَ شعره وصيَّة نفسه، ورؤياه قبلَ الرَّحيل، ثمَّ تحقَّقت نبوءته يومَ استشهد في معركة الشَّجرة سنة 1948م، فكتَبَ بدمه ما خطَّه بمداده، وجعل من حياته القصيرة نشيدًا خالدًا في سجلِّ الشُّهداء والأدباء(9).
ولعلَّ من أشهر الأدباء الشُّهداء: غسَّان كنفاني، الرِّوائيّ القابع في شمسِ فلسطين، إذ عاشت في ضميره، وسكنت شغاف قلبه، فكانَ حبّها مدار حياته ومثار إبداعه. حمَلَ قضيّتها إلى العالمِ بأسره، وجعل قلمه سيفًا يبدِّد سرديَّة الموت، ويُفصح عن المسكوت عنه في مآسي الشَّتات، فكانَ غسَّان الأديب والرِّوائي والقاص، كما كان غسان الشَّهيد الذي ضاق الاحتلال ذرعًا بلهيبِ كلماته، فقرَّر إطفاءه .
في صباح السَّبت، الثامن من تموز سنة اثنتين وسبعين وتسعمائة وألف (1972م)، دوّى الانفجار، إذ أُخفيت عبوة متفجِّرة تحت مقعد سيَّارته، فارتقى شهيدًا، ولمَّا يعدْ إلى حيفا! رحل لتبكيه “أرض البرتقال الحزين”، وليبقى خالدًا في ضمير أمَّته أديبًا شهيدًا، خطَّ آخر فصوله بدمه، كما خطَّ من قبل “عن الرِّجال والبنادق”.
امتداد البطولة
وما كتبتُ عن هؤلاء جميعًا إلا لأنَّ صورةَ الشَّهيد ما فتئت تطاردني؛ فمنذ زمنٍ فقدتُ نفسي بفقدانِ صديقٍ ترقَّى شهيدًا، أبى إلا أن يتركني وحيدًا، أُعالجُ خذلانَ الغياب، ومنذ تلك اللحظة وأنا أجاهد نفسي للكتابةِ عنه، وتخليده بينَ الصَّحائف والكتب، غير أنّي كنتُ أتواري مرارًا، ألتمسُ النِّسيان، فما أسرع ما تنهشني ذكراه، فأعودُ أكتبُ عنه وإليه، لكنّي ما زلتُ أشعر بالعقوق؛ إذ لم أضعه في مكانه البهيِّ الذي يليقُ به؛ ومن يومها أدركتُ أنَّ البطولة امتدادٌ حيٌّ، تجدَّد في لحظةِ الطُّوفان، يوم تفجَّرت الدِّماء آياتٍ في لوحِ البقاء.
وقد رأيتني أستمدُّ مددَ الرثاء مذْ تفجَّرت المراثي في قلبِ الأرض؛ فما الرِّثاء إلا عاطفةٌ متدفِّقة، تصارع الخروج خشيةَ الانفجار، وتنفيسٌ عن وجعٍ أمضَّ القلب، إنَّه محاولةٌ للتخفيف عن ألمٍ مقيم، وعن شعورٍ مباغت بالوحدةِ والعجز؛ إذ يغدو الرَّاحل جدارًا نستندُ إليه، فلا ندرك حضوره إلا بعد أن وضَعَ عصا الحياة عن عاتقه.
وهأنذا أجدني أُحقِّقُ في هذه اللحظة حلم الكتابة: الكتابةِ عن شهيد؛ فلمَّا ارتقى أبو إبراهيم شهيدًا، كريمًا، مقْبِلًا، أمسكتُ بالقلمِ أكتب عنه:”في كلِّ يومٍ لا ينتظمُ العالمُ في قصيدةٍ، ولا يرىٰ العالمُ كلَّ يومٍ بطلًا حقيقيًّا مثل أبي إبراهيم، ابن الأرض الذي ضَنَّ الزمانُ به، فلما قذفَ به في وجهِ العالم، بقيت صورته وبقيَ أثره ما بقيَ الزمان!
مشهده الأخير يتعالىٰ علىٰ النِّسيان، المشهد الفارقُ الذي لم تصنعهُ يد الإغواء العالمي، ولم يختمر في أوديةِ لوس أنجلوس، صورة أبدية صُنِعَتْ علىٰ عينِ الإله لتبقىٰ شاهدًا علىٰ امتدادِ الرجولة التي ثقفتها الفكرة العالية، ومحضتها نبلُ المقصد وشرف الغاية!
ميلادُ النَّص الأسطوري الذي سطَّره السنوار لم يكن ابن لحظته، بل هو ضوءٌ تخلَّقَ في أصلابِ الرجال، حتىٰ تجلَّى في مشهدِ العنفوانِ الأخير، مشهدٌ لا يُرسَمُ إلا بعد عقودٍ من التَّضحية، والبذل، والبطولة، والعمل، وصدق النية، والإخلاص، ونكران الذَّات، وقطع تمددِ «الأنا» علىٰ أديمِ القلب حتىٰ لا تنكمشَ فيه ضراعةُ الاهتداءِ والائتساء!
ليهنكَ الخلود يا أبا إبراهيم، يا أخا الأملِ المستريح علىٰ مقعدِ الخلود، والأمل المتوهِّج في فورةِ الرُّوح، يا ضمير البقاءِ في برزخِ الفناء، ابقَ يا دورقَ البطولة الممتدِ إلىٰ النَّبعِ الأول، يا صاحب العصا المضيئة في الزمانِ العصيب، الثائر المفدى في زمنِ الاسترخاءِ والضَّعف، لقد منحتكَ الأقدار بقاءً لا تطالهُ يد الفناء!
يا أبا إبراهيم، ستدورُ الحكاية علىٰ وقْعِ بطولاتك، بعد مضي عقودٍ وعقود، سيُنسى الجميع، لأنهم بلا حكاية، لن يُعرَفَ خاذلوك لأنهم بلا تاريخ، لن يهتمَّ القارئ بمن ضنُّوا بأنفسهم عن الخلود، سينساهم التَّاريخ؛ لأنهم أرخوا ظلال الفراغ علىٰ روحك، وجهلوا أنَّ الزَّمنَ يتلونُ بالألقِ المتفجر من معصميك وعصاك.
وحدكَ يا أخا الموجةِ الحرة الشَّامخة من ستُتلى كقصيدةٍ خالدة يُتَرنَّمُ بها، تلاوتها تزيحُ فوضى الحروف، وزوبعة الكلمات، وتسقطُ عروش الخذلان، وتعلي من العصا وصاحبها ومن أخذها بعد يحيىٰ بقوة!”.
ولا يزال هذا الامتداد متدفِّقًا إلى لحظةِ تحبير هذه الكلمات عن الشُّهداء وحضورهم في جبين الشَّرفِ الإنساني. نحنُ نحفظُ كرامتنا بصونِ أخبارهم وتدوين وصاياهم وسِيَر حياتهم، وإثبات وقْع بطولاتهم، ومكارمهم، وإننا أحوجُ ما نكونُ اليومَ إلى أن نؤدِّي لهم طَرَفًا من حقِّ الوفاء وردِّ الجميل، أولئك الذين بذلوا أرواحهم قربانًا للحلمِ المنشود، ولسكينة الأرض التي تشمخُ جبالها حتى تكاد تتكئ عليها النُّجوم، وتمتدُّ سهولها حتى تعيا الأبصار في آفاقها.
ومن حقِّهم علينا أن نُثبِّتَ أسماءهم في غُرَّة التَّاريخ ودواوينه، وأن نجعلهم أعلامًا للفخرِ والاعتزاز، وعنوانًا للمجدِ والإباء، فالمجد للمضخَّمين بمسكِ الأرض الأغبر في ميادينِ العز، يغسلونَ بماءِ قلوبهم الأحمر قلبها وعقلها الأبيضينِ من نزغاتِ شياطينِ البغي والطُّغيان.
1- الإفصاح في فقه اللغة (1/ 142).
2- البطولة والأبطال في ديوان الشعر العربي، رابطة أدباء الشام.
3- ذكره ابن عجيبة في تفسيره المسمّى بـ “البحر المديد في تفسير القرآن المجيد”، في تفسير قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ اشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم وَأَموالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ”، (2/ 431).
4- تفسير القرطبي (7/ 389).
5- صحيح البخاري
6- محمد بن حُميد الطّوسي (ت 211-220هـ): قائد عباسي بارز في عهد المأمون، عُرف بالشجاعة والجود، قاد جيوشًا لإخماد الثورات، وبرز في حربه مع بابك الخرمي بأذربيجان حتى قُتل، فحزن عليه المأمون ورثاه الشعراء. تاريخ الإسلام، تحقيق: بشار عواد، (5/ 435).
7- شعر الحرب في العصر العباسي، نوري الحمودي القيسي، ص142.
8- الشهادة والشهيد في الشعر العربي المعاصر، أمير مقدم متقى، ص87.
9- وقد أفرد له الأديبُ الرَّاحلُ جابر قُميحة دراسة قيمة ضافية، بعنوان: “ملحمة الكلمة والدم”، يحسن الرجوع إليها.

